حوارات عامة

الأديب العراقي سلام نوري: الشموس السخية ارتحلت إلى ما وراء الأفق والينابيع اندلقت فيها الدماء

حاورته: جميله طلباوي

سلام نوري واحد من الكتاب العراقيين البارزين،  يجمع بين نظم الشعر و كتابة السرد من قصة قصيرة و رواية، له عدّة إصدارات في القصة والرواية وله أيضا روايتين مشتركتين مع أديبتين، الزمن الحافي رواية مشتركة مع الروائية العراقية صبيحة شبر عام 2007م و يقظة ارام مع الشاعرة السورية إباء اسماعيل  وله أيضا نصوص مترجمة إلى الفرنسية، الذي أبدع في الخروج من الدوامة (رواية) و حدث ذات مرّة (قصة) و خلف سبعة أبواب (قصص) و الناووس (رواية) ..

هذا الأديب المبدع الذي يبدع في فنّ السرد ويتألّق في الشعر، اسمه يجمع بين السلام و النور وهو في حرص دائم على تشجيع المبدعين و الأخذ بيدهم، فمن هو ، نريد أن نتعرّف عليه أكثر فماذا تقول؟

مثقف عراقي مغيب طوال زمن المخاضات العسيرة حين حصل واخترقت المألوف في نتاج خلف الكثير من الخوف في روحي يوم تجرأت وخضت تجربة أول عمل روائي يحكي عن معاناة المثقف العراقي واعني الدكج بين قتل البيئة والإبداع معا فكنت أول من تجرأ ورسم حروف الانحدار إلى تلك المساحات المائية وهي البيئة الطبيعية المسماة بالاهوار يوم جففها الطاغية وأصبحت ارض بور فكانت روايتي الخروج إلى الدوامة كلمة رفض تعتمد على شخصية دكتور محمد الذي ترك كلية الطب وارتحل يبحث عن بيئته الأولى الاهوار لأنه رأى ذبابة في مختبره تهدد البشر والبيئة معا فانتقل الى منفاه بعيدا عن أحلام المدن الكونكريتية إلى الفضاء المفتوح حيث الحرية لكن شبح الخوف يطارده وقد كان الماء أشبه بالمرايا التي تتشظى لتستحيل شظايا مما ارقني حين قدمتها في طبعتها الأولى ورأيت التأويلات بدأ من العنوان إلى المتن والثيمة فكتب عنها الكثير، فكان سلام نوري مزيج من الم يطفو على سطح متحرك يأخذه ذات اليمين والشمال والقيود والأصفاد تتراءى له في كل زاوية أطأها مخافة الوشاة..وأنا اعرف أن ثمة من يتربص او يتحين الأخطاء.. وأتذكر ان المقالات التي كتبت عن الخروج إلى الدوامة قد ساعدتني طويلا في الخروج من المأزق الذي وضعت نفسي فيه فكنت مصابا بعقدة الورطة التي جابهت بطل روايتي وبقي سنة كاملا لا يستطيع العودة أو البقاء داخل الاهوار..ربما هي القراءات التي وضعتني تحت وصاية التأثير المباشر وصوت مظفر النواب يرن في أذني والوتريات كانت تعويذتي حتى في مسجل سيارتي وأنا أطوف شوارع مدينتي الصغيرة كسائق تكسي..

كتبت الرواية وكتبت الشعر، هل الأولى هي المستقرّ والثاني صرخة كلّما ضاقت المعاني بالمأساة، أم كلاهما جزء من سلام و نوره في هذه الحياة؟

القصة سيدتي والرواية سبقت الشعر لكنني وباعتراف كل الأصدقاء في مدينتي الضاجة بهوس الإبداع ثمة من يشير إلى لغتي الرطبة وقد رددها صديقي جمال الهاشمي وجمال جاسم أمين ونصير الشيخ ومحمد عزيز وعلي سعدون وماجد الحسن كلهم اجمعوا أن منطوق الجملة عند سلام نوري يكون جمله شعرية سيما وان طريقة الكتابة في القصة او الرواية تعتمد الصورة التي تشكل الترميز او تبث على شكل شفرات والسبب واضح أن خطاب السلطة مهيمن والمباشرة كانت تشكل خصوصية من يركض وراء العطايا لذلك اكتنزت لغتنا واختارت جماليتها مذعنة مرغمة كي لا تقع في أتون المراقبة أو الفهم من هنا بدأت أولى خطوط كتابة القصيدة واعني النثر على وجه الخصوص..

تقول في إحدى قصائدك: قرأت في صحيفة اليوم

نبأ اغتيالي؟

مزقتني أشجار الألغام

تركتني كجذع اجرد

على قارعة الجراح..

أنيني .. يستدرج العصافير..

الزمن مستباح؟

هذه الصور الأليمة ألا ترى بأنّها قد تزيد من إحباط الإنسان الذي يتطلّع إلى حدوث الأمن والأمان، أليس هنالك مجال ليقول الشاعر فيك سينتهي الكابوس، أم لا مفرّ الشعر ابن بيئته وواقعه؟

نعم سيدتي في جعبتي ألما مازال يؤرقني كمثقف محنتي أنني حلمت لأغادر الوجع وعلى مدى التغيير ازداد حزني حتى أصبحت اهمس في حروفي والسبب إعلان العصيان أمام من تجرأ وتنمر ليكون وصيا على واقع الثقافة الجديد بدل أن يوجدوا الحلول وجدنا أنفسنا بلا غطاء شرعي طيب ماذا يمكن أن نعمل وانشطرت المؤسسات لتتناسل مخلفة جموع ليس لها علاقة لا من بعيد أو قريب بل جعلت من تواجدها بديلا لأولئك الذين صنعوا أجنحة وهمية ليطيروا بها ساعة اشتداد اللغو وحصل ما حصل.. الشموس السخية ارتحلت إلى ما وراء الأفق والينابيع اندلقت فيها الدماء والندى صار بديلا للمطر.. السخي والأرض المجدبة قتلها الرحيل. لهذا لابد من إن تحتاط مخافة أن تستدرجك العصافير لأعشاشها وبالتالي تظهر إنها ترتدي أقنعة الغربان..أين الحل برأيك الجواب في حبة أسبرين وسكون وصمت؟

تقول في إحدى قصائدك: وأنا الحالم بأحداقك حين تغيب شموسي

عن حدود الحب

لاشراقة يوم جديد

استعيد سعادتي

ها هو الحبّ حاضر وها هي الكلمات التي تقطر عذوبة حاضرة رغم الواقع الصعب ورغم الألم، إذن الغد سيكون أجمل؟

بالتأكيد ولكن أين هو هذا الصباح والشيب لن يترك لنا زاوية من بقايا الروح الحالمة إلا وغزاها.. أتعرفين ما قيمة الشيب إن يعلمنا الوقار..

الزمن الحافي رواية لك مشتركة مع الروائية العراقية صبيحة شبر عام 2007م و يقظة آرام رواية لك مشتركة مع الشاعرة السورية إباء إسماعيل، حدّثنا عن هذه التجربة خاصة وأنّها كانت تجربة مع العنصر النسوي بكل ما تحمله المرأة من رؤى و وجهات نظر لبعض القضايا انطلاقا من كونها امرأة، فالي أيّ مدى يمكن أن تنجح التجربة؟

المرأة من وجهة نظري كائن سماوي جميل ولطالما حلمت أن اضوع بعطر امرأة مثقفة على الأقل لأعرف أين يكمن جمالها الحقيقي خصوصا والمرأة المثقفة الأديبة المبدعة.. التقيت صديقتي الغالية الروائية صبيحة شبر وهي امرأة غادرت العراق في السبعينات لتستقر في آخر محطات منافيها في المغرب. والتجربة طبعا كانت بعدما انفتح العراق على العالم من خلال النت وتكنولوجيا الاتصالات المعروفة.. والفرق واضح لكل من عاش مسورا إلى فضاء الحرية وهذا واحد من أهم مكتسبات التغيير العراقي مبتلى بالحكايات الغريبة التي تملأ مخيلته حتى تحس إنها اقرب للأساطير لشدة وقعها..هنا اكتملت صورة المشهد وأصبحت الثيمة المشتركة جاهزة وهي انعكاس للوجع الذي خلفته الحروب ومصادرة حرية الإنسان.. نحن إذن ولدنا من صميم المعاناة رسمنا خطوط الزمن الحافي وتدور أحداثها في غربة المنافي والألم داخل أو خارج الوطن ولأننا كنا أعضاء منتدى الحكايا فقد بادر الأستاذ أيهم سليمان لإصدار الرواية على نفقته الخاصة من ملتقى الحكايا.. وكانت تجربة جميلة ورائعة أضافت لي الكثير.. أما يقظة أرام فهي مشروع رواية مشتركة مع الشاعرة السورية إباء إسماعيل، وقد أنجزنا ثلثيها وبقي الفصل الأخير. عائما ولأن إباء تسكن متشيغن في الولايات المتحدة فقد انقطعت خطوط التواصل وبقيت مشروع غير مكتمل.. عموما أنا أرى أن تجربة كتابة المرأة والرجل إنما هي حياة أخرى تظهر الرقي والجمال معا لأنهما حلقات إبداعية لها خصوصيتها، وكانت تجربتي المشتركة الأخيرة مع الأديبة العراقية سولاف هلال لها خصوصيتها وقد لاقت الكثير من النجاح وأنا سعيد بهذا.

سراق أوروك قصص لك ترجمت إلى الفرنسية ، كيف تنظر إلى مسألة الترجمة، هل هي لاكتساب قرّاء جدد أم أنّها ضرورة حضارية أن يطّلع الآخر على ثقافتنا بلغته مثلما اطّلعنا نحن أيضا على بعض الآداب العالمية من خلال ما اختاره لنا المترجمون من نصوص؟

من الأشياء الجميلة التي قدمها لي أصدقائي في المغرب العربي بكل بلدانه واعني الجزائر المغرب تونس واخص الصديق المبدع جبران الشداني الذي رحب بي كثيرا عبر لقائي معه في مطر وجدتني بين مجموعة إبداعية جديدة تضوع بعطر الحضارة والرقي خاصة بعد أن فاجؤوني بترجمة قصصي إلى الفرنسية مع كثير من النصوص وبالتالي اكتمال مجموعتي سراق اوروك بالفرنسية هنا كان لابد أن اعبر إلى ضفة العالم الآخر وقد سمعت طويلا عن تجارب جميلة لروائيين عراقيين كتبوا بالفرنسية مثل جبار ياسين الذي أوصل الخطاب الإبداعي إلى ما وراء الحدود إلى أوربا ليشكل خصوصية اشتغال، إذن لابد أن اقبل أصدقائي ممن قاموا بالترجمة إلى الفرنسية واعني مرتضى العبيدي والسيدة فتحية حيزم والأستاذ جبران الشداني لأقول الفضل يعود هنا إلى النشر الالكتروني الذي لا يعرف الحدود…

نتوقف الآن عند العالم الافتراضي و أنت فارس من فرسان النور ماذا قدّم لك النشر الالكتروني كمبدع؟

النور واحتي الإبداعية الجميلة التي منها انطلقت لأرى وأحس بجمال الزنابق حيث تتسابق الحروف لرسم فيض إبداعها والأجمل التواصل اليومي واللقاءات الحقيقية عبر مهرجان النور والجمهورية الإعلامية الكبيرة التي ندين بالفضل إلى فلاحها الأستاذ الصائغ فوجدت أن سلام نوري واحد من مجموعة كبيرة وصلت إلى 2500 أديب ومثقف في كل شتات العالم إنها حالة صحو هذا أولا الشيء الآخر اكتشاف انك تصنع حلاوتك بين شعراء ورموز كبار وهذا أجمل هدية وبالتالي مشاركتهم في تقويم تجاربنا وردودهم أنها إذن حالة صحية ترمم ما تبقى من آثار شظايا الماضي ولأننا مولعون بالحزن وهذا يعود إلى العامل النفسي الذي ترك أثاره السيئة فينا صرنا نهب النور وجعنا ليشاركنا الآخرون الإحساس الجميل وخاصة حينما نتوحد تحت يافطة الألم المشترك والمعاناة.

وماذا يخفي سلام نوري في درج مكتبه من أوراق؟

هناك الكثير من المشاريع التي لا أستطيع إن أفصح عنها لأنها بمثابة شيء مخيف لا يغادرني ولكننا مولعون بجمع الأخطاء لأنها تترك أثرها فينا وقد مللنا دفع أثمانها الفادحة ولابد أن يكون للقلم تأثيره ولكن هذا يحتاج إلى جيل جديد يستقبل الرأي الحر ولا يسعى للعنف لذلك ستبقى مشاريع مؤجلة حاليا ربما يكملها أحفادنا مستقبلا لأننا شهود عيان وذاكرتنا مازالت تزخر بالوجع ومشاهده..

لا يمكن أن نختم هذا اللّقاء دون أن نقف عند ريحانة القلب والتي أهديت لها قصيدتك الرائعة “إلى امرأة عمري” ، هل يمكن أن نعرف دور الزوجة الفاضلة في كلّ هذه الدرر الأدبية التي تقدّمها لنا هل هي قارئة جيّدة لنصوصك أم أنّها ملهمتك التي تفتح نوافذ روحك على الإبداع؟

أجمل أسئلتك يكمن هنا.حكيت عن الوجع والألم والمعاناة..امرأة عمري أوجزتها في أن نتخطاها إلى ما وراء المستقبل وعلينا أن نتواصل لترميم الأخطاء.. لان العوز والوجع يخلف الأخطاء والخوف من المجهول اذن هي دورة حياة مشتركة لامرأة تعتبر المرسى الجميل لأخر ضفة اعو داليها بعد رحيلي إلى سماوات بعيدة إنها الأم والصديقة والحبيبة والرفيقة لا أستطيع أن أوجز شخصيتها في كلمات بسيطة لكنني أقول لولاها ما كان سلام ولم يكن؟

الآن لك أن تقول ما تشاء

أنا أتقدم بالشكر إليك أيتها المبدعة زميلتي الغالية جميلة طلباوي وقد منحتني فرصة التحليق عبر متوالية الألم الذي رافقني طويلا ومازال.. لكل أصدقائي وصديقاتي وحتى الذين لهم وجهات نظر مغايرة إزاء شخصيتي البسيطة أقول دمتم وطاب لقاؤكم.. قبلاتي لكم جميعا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق