ثقافة المقال

صحيح البخاري

د. سهيلة زين العابدين حماد

في المقالة السابقة ذكرتُ أسماء بعض العلماء القدامى والمعاصرين الذين بيّنوا ضعف بعض أحاديث الصحيحيْن، وسأبدأ بصحيح البخاري لبيان بعض الأحاديث التي بيّن ضعفها أولئك العلماء، وتجاهلها خطابنا الديني بإصراره على صحة جميع أحاديث البخاري ومسلم. فقد بيّن ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري بشرح صحيح البخاري (110)أحاديث للبخاري من التي انتقدها الدارقطني، وخصّص لها فصلًا، ومن ضمنها حديث” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، كما خصّص فصلًا عن رواة البخاري الذين فيهم طعن بالضعف والتدليس والإرسال والقطع وعددهم(464)راويًا. [مقدمة فتح الباري: 544-648] وممن طُعن فيهم عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب وسعيد المقبري، وهما من رواة حديث” النساء ناقصات عقل ودين[المرجع السابق: ص570، 571، 604، 607] وهذا يتنافى مع شروط صحة الحديث التي أوردها العسقلاني في مقدمة شرحه لصحيح البخاري، وهي: أن يكون إسناده متصلًا، وأن يكون راويه مسلمًا صادقًا غير مدلّس ولا مختلط، متصفًا بصفات العدالة ضابطًا متحفظًا سليم الذهن قليل الوهم سليم الاعتقاد[ المرجع السابق:،ص9] والمتتبع لانتقادات الشيخ الألباني لأحاديث البخاري يجد أنّ مدارها هو الإسناد من حيث التكلم في أحد رجاله أو الاضطراب فيه، وبعض ألفاظ المتون من حيث غرابتها أو شذوذها أو نكارها، فقد قام الشيخ بالحكم على هذه الأحاديث من خلال جرح رواة بعض الأسانيد مثل فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وغيرهما. من ذلك قوله:” حديث ابن عباس قال:” تزوج أو نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم” .هذا حديث ليس من الأحاديث التي تفرد بها البخاري دون صاحبه مسلم، بل اشتركا واتفقا على رواية الحديث في صحيحيهما .والسبب في ذلك أنّ السند إلى راوي هذا الحديث وهو عبدالله بن عباس لا غبار عليه فهو إسناد صحيح لا مجال لنقد أحد رواته، بينما هناك أحاديث أخرى هناك مجال لنقدها من فرد من أفراد رواته . مثلاً من رجال البخاري اسمه: فليح بن سليمان، هذا يصفه ابن حجر في كتابه التقريب أنّه صدوق سييء الحفظ. فهذا إذا روى حديثاً في صحيح البخاري وتفرد به ولم يكن له متابع أو لم يكن لحديثه شاهد، يبقى حديثه في مرتبة الضعيف الذي يقبل التقوية بمتابع أو مشاهد. فحديث ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم لا مجال لنقد إسناده من حيث فرد من رواته كفليح بن سليمان مثلاً . . لا ..كلهم ثقات. لذلك لم يجد الناقدون لهذا الحديث من العلماء الذين سبقونا بقرون لم يجدوا مجالاً لنقد هذا الحديث إلا في رواية الأول وهو صحابي جليل، فقالوا إنّ الوهم جاء من ابن عباس، ذلك لأنّه كان صغير السن من جهة، ومن جهة أخرى أنّه خالف في روايته لصاحبة القصة أي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي ميمونة، فقد صح عنها أنّه عليه السلام تزوجها وهما محلان . إذاً هذا حديث وهم فيه راويه الأول وهو ابن عباس فكان الحديث ضعيفاً، وهو كما ترون كلمات محدودات( تزوج ميمونة وهو محرم) أربع كلمات . . مثل هذا الحديث وقد يكون أطول منه له أمثلة أخرى في صحيح البخاري . النوع الثاني: يكون الحديث أصله صحيحًا لكن أحد رواته أخطأ من حيث أنّه أدرج في متنه جملة ليست من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الحديث المعروف في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: إنّ أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء. إلى هنا الحديث صحيح وله شواهد كثيرة زاد أحد الرواة في صحيح البخاري: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، وقال ابن قيم الجوزية، وقال شيخه ابن تيمية، وقال الحافظ المنذري وعلماء آخرون: هذه الزيادة مدرجة ليست من كلام الرسول عليه السلام، وإنّما هو من كلام أبي هريرة.[شاهد حديث الشيخ الألباني عن انتقاده لبعض أحاديث صحيح البخاري http://www.youtube.com/watch?v=7CXW6DeKF8I] ومن الأخطاء الكبرى للبخاري المتغاضى عنها من قبل خطابنا الديني: أولها: حديث ينال من عصمة النبي صلى الله عليه وسلم أنّه همّ بالانتحار عند انقطاع الوحي عنه، فقد روى البخاري بلاغ الزهري عنها، قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، وحدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت.. فذكر الحديث إلى قولها:” ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترةً حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه، تبدّى له جبريل فقال: يا محمد، إنّك رسول الله حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك”[صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث رقم 6982]وبلاغ الزهري لا يصلح لإثبات الحادث لتعارضه مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ،ثم إنّه مرسل ضعيف[د.أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم–المدينة المنورة،1/126،127] فكيف نقطع بصحة جميع أحاديث البخاري، وفيها حديث يطعن في عصمته صلى الله عليه وسلم ؟ للحديث صلة.

 

 

 

*كاتبة وباحثة اسلامية سعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق