ثقافة المقال

حداثة ما قبل التاريخ !

بقلم: أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

لا يستقيم تجديد ولا تحديث لأحدٍ بمؤهّلات هشّة في أيّ فنّ من الفنون. ذلك أن التجديد في الأدب والثقافة- كما في غيرهما- لا يتأتّى إلاّ من داخلهما، بعد العلم بهما، العميق والشامل.

وذلك ما ميّز المجدّدين كافّة في كلّ المعارف والفنون، وبه- على سبيل القياس-  تميّز ابن رشد في حقل الفلسفة على الكِنْدي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل، كما يرى محمّد عابد الجابري(1)؛ وذلك لعِلم ابن رشد الواسع والدقيق- وقبل كلّ شيء- علمه بما يسمّيه الجابري الثقافة الوطنيّة، ومن ثمّ أصالته فيما يمثّل جانب الخصوصيّة المعرفيّة العربيّة الإسلاميّة، مع إفادته ممّا لدى الآخر. إن معظم حداثيّينا- للأسف- هاربون من وجه اللغة العربيّة وآدابها، جهلاً وعِيًّا وعجزًا.  وبعضهم إلى ذلك أجهل بما لدى الآخر، لغةً وإبداعًا وتاريخًا. فأنّى لهم الإنتاج السويّ، فضلاً عن مزاعم تجديد الأدب العربيّ؟!  وحين أقول هذا، فالأمر لا يشمل أمثال أدونيس، ناهيك عن إضراب درويش، بطبيعة الحال. غير أن تنظيرات أمثال هؤلاء- التي لها همومها الأيديولوجيّة الطاغية على ضرورات التأصيل الفنّيّ- تفتّح الأبواب للعبث المطلق في المفاهيم والكتابات لدى جيلٍ منقطعٍ مغتربٍ عن مقوّمات لغته وهويّته.  بل إن شاعرًا كمحمّد الماغوط قد لا تنطبق عليه حالة أولئك الهاربين، إلاّ أن السؤال يظلّ: …وما البديل الشِّعريّ الذي أبدعه الماغوط سوى نثرٍ  شاعريّ، ابن عربي والحلاّج والنفّري كانوا فيه أفضل شاعريّة منه ألف مرّة ومرّة؟  إلاّ أنهم لم يتجرّؤوا قط على تسمية كتاباتهم شِعرًا.  وما الجديد، أو الحداثيّ في ترك القافية التي كانت بحسب تصوير درويش- في الذكرى الأربعين لرحيل محمد الماغوط، المقامة احتفاليّتها في دار الأوبرا، دمشق، كما نقلت (صحيفة “الحياة”، 23/ 5/ 2006)- تبحث عن موقعٍ جديدٍ لقيلولتها: “في آخر السطر أم في أوّله، في منتصف المقطع أم في مقعدٍ على الرصيف”؟!  ما الجديد في هذا؟  لقد كانت ملحمة كَلكَامش- قبل أكثر من أربعة آلاف عام، أي قبل الميلاد بقرابة 2000 سنة، وهي من أقدم ملاحم العالم الشِّعريّة المعروفة إن لم تكن أقدمها- تفعل ذلك!  فجاءت شِعرًا مرسَلاً، غير مقفًّى.  أفتلك حداثة، أم بدائيّة؟  أم أن العودة إلى البدائيّة (مبنًى)، والرجوع إلى التخلّف (معنًى)، والتحلّل من القِيَم ومقوّمات الإنجاز الشِّعريّ (هندسةً وفنًّا)، بل تحويل الشِّعر إلى نثرٍ (جنسًا)، يغدو تجديدًا منشودًا، وتطويرًا مأثورًا، يشار إليه بالبنان.. آخر الزمان؟!

أجل، لقد كان كَلكَامش حداثيًّا، إذن، قبل 4000 عام، وربما كان ما بعد حداثيّ؛ لأنه كتب شِعرًا مرسَلاً من القوافي، أسطوريًّا، تنطبق عليه مواصفات (الحداثة بلا حداثة): الشكلانيّة، والأسطرة، والغموض، والتطاول على المقدّس، والتحرّش بالمحرّم، والهذيانيّة أحيانًا واللا معنى!  مع “الحِسّ شديد اللَّهَج بالحادث والمحدث والحديث”، على حدّ قول أبي حيّان التوحيديّ، في “الإمتاع والمؤانسة”. وقد استعاد درويش في خطبة تأبينه للماغوط المشار إليها قوله في “أثر الفراشة”(2)- أو ربما كان العكس، بالنظر إلى أن الخطبة كانت في 2006 والمجموعة إنما نُشرتْ في 2008-: “الشِّعر… ما هو؟  هو الكلام الذي نقول حين نسمعه أو نقرؤه: هذا شِعر!  ولا نحتاج إلى برهان.” وهو تعريف، إن لم يكتسب دلالته الحقيقيّة في لغة شِعريّة مجازيّة، فقد أكسبه الشاعر دلالته تلك في لغةٍ أخرى: نثريّة خطابيّة.  ما يدلّ على أن ذلك هو تصوّره الذهنيّ لحقيقة الشِّعر.  وهكذا، فبعد أن كان التعريف التقليديّ المخلّ بأن الشِّعر “الكلام الموزون المقفَّى ذو المعنى”، بات الشِّعر: محض “الكلام الذي نقول حين نسمعه أو نقرؤه: هذا شِعر!  ولا نحتاج إلى برهان”!  وهي رؤية لا يمثّل فيها قول درويش هاهنا إلاّ صوت الذائقة في تمييز الشِّعريّ من غير الشِّعري.  أي أن الفارز قد انتهى إلى الذائقة والاستمزاج الانطباعيّ، بصرف النظر عن المقوّمات التكوينيّة فيما ينتمي إلى جنسٍ اسمه الشِّعر. وهذا الضلال الذوقيّ المبين يعيدنا إلى الذائقة الانطباعيّة العامّيّة، التي تجعل، على سبيل المثال، بعض بذاءات مظفّر النواب- التي لا تعدو شتائم سوقيّة- تحظى بالهتاف والتصفيق، لا لأن المصفّقين الهاتفين فعلوا ذلك طربًا للشِّعر، بما هو شِعر، ولكن طربًا لأمرٍ آخر، هو التلذّذ بجلد الذات العربيّة، في نوع من المازوخيّة الثقافيّة.  إنه تلذّذ بشِعريّة أخرى، غير شِعريّة الشِّعر، بوصفه جنسًا أدبيًّا، يمنح- أعني ذلك التلذّذ- صاحبه جماهيريّة طاغية، لكنها ليست جماهيريّة شِعر.  ومثل ذلك يحدث في الخطابات المختلفة التي تتوسّل مثيرًا خارجيًّا جماهيريًّا، وإن كان مُسِفًّا في بنائه اللغويّ والشِّعريّ والثقافيّ.  ولا عيب في جلب الجماهير من القرّاء، وقد كان ذلك ديدن المنتجين في كلّ ضربٍ من ضروب التأليف، الأدبيّ وغير الأدبي؛ حتى لقد رأينا ذلك البُعد الدعائيّ يتجلّى مثلاً في مقدّمات القصائد الجاهليّة، وفي عناوين كتب التراث العربيّ، كـ”العقد الفريد”، “العقيق اليماني”، “خلاصة السُّلاف”، “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة”، “خلاصة العسجد”، “نُزهة الظريف”، “نفح العود”، “نفح الطِّيب”، وهكذا، لتعزف هذه الاجتلابات في العنونة على نوازع اللذة لدى القارئ في النفس والحواس، من أجل جذبه إلى الكتاب، وإعطاء الكتاب من خلال العنوان رواجًا تسويقيًّا.  لكن المعيب أن تكون تلك الدعائيّة غاية لا وسيلة، وأن تُسِفّ في استجداء الشهرة والجماهير، وبأيّ ثمن.  والأدهى أن تأتي تلك المثيرات الخارجيّة لخداع الجماهير، بطرائق ديماغوجيّة (غوغائيّة)، لترويج كلامٍ رخيصٍ أدبيًّا على أنه أدب رفيع، وما هو بأدب رفيع، وأن صاحبه مبدعٌ فذّ، وما هو بمبدع فذّ، ولا يفرحون!..  إلاّ في ذلك المثير الذي يهيّج المتلقّي البسيط، والعزف على ثلاثة أوتار، سلبًا أو إيجابًا- المثير الدِّينيّ، والسياسيّ، والجنسيّ.  وإذ يحضر أحد هذه المثيرات الثلاثة ينبغي للقارئ، الذي يقدر الشِّعر حقّ قدره أن يتوقّف، للسؤال عن الشِّعر، أين هو، فيما يسوَّق عليه باسم الشِّعر؟  وإلاّ يفعل، انزلق لا شعوريًّا إلى الجَذَل بشِعريّة أخرى، لا علاقة لها بشِعريّة الشِّعر، من حيث هو.  ذلك أن كثيرًا من الإحساس الذي يخامرنا لما نتوهّمه شِعرًا قد يتولّد عن شِعريّة خطابيّة، أو لمثيرٍ أيديولوجيّ، أو شعبويّ، أو لمستفزّ غرائزيّ.  ولا ينجو من مثل ذلك كبار الشعراء.  فشاعر كبير كمحمود درويش، مثلاً، لا ينكر بصيرٌ بالشِّعر شِعريّته العارمة، لكم حملتْ مجموعاته الأخيرة من كلامٍ عبّأه بالكثير من دُهن الفلسفة، والذهنيّة، والسَّرد، والتكرار المسؤوم لأنماط تعبيريّة- ولاسيما مفردة “الفراشة”، التي أصبحت علامة درويشيّة مسجّلة، تليها “الكمنجات”!- وبالقليل من مِلح الشِّعر الصافي وملامحه الصميمة!  حتى ليصحّ على بعض ذلك ما قاله درويش(3) نفسه: المُفَكِّرُ يَكْبحُ سَرْدَ الروائيّ والفيلسوفُ يُشَرِّحُ وَرْدَ المُغَنِّي!

وهكذا كلّ من تستدرجه شِعريّات أخرى، تُثقل كاهل الشِّعر، بوصفه جنسًا ذا هويّة.  ولقد فطن القدماء من النقّاد إلى هذا المنزلق، فنفوا أن يكون شَرَف المعنى معيارًا لجودة الشِّعر؛ فالمعاني مطروحة في الطريق، حسب الجاحظ، لا تُسمن الشِّعر ولا تغنيه من جوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (2002)، تاريخ العلاقة بين الدِّين والفلسفة في الإسلام/ مدخل كتاب “فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال، أو وجوب النظر العقليّ وحدود التأويل (الدِّين والمجتمع)”، لابن رشد، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، 48.

(2) (بيروت: رياض الريّس، 2008)، 226.  من نصٍّ بعنوان “بيت القصيد”.

(3) (2005)، كزهر اللوز أو أبعد، (بيروت: رياض الريّس)، قصيدة “منفى (4)، طباق”، ص187.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق