ثقافة السرد

كل عيد.. وأنت لنا العيد والوطن

د. لطفي زغلول

كل عيد وأنت لنا العيد والوطن.ها نحن نقف بين يديك هذا الصباح كما في كل صباح.نمد أيدينا إلى السماء.وبكل إيمان وخشوع نصلي لله في عليائه،سائلين إياه جل جلاله أن يطلق سراحك من بين براثن الإغتصاب.أن تعود لنا كما كنت على مدى الأيام.أن يمن علينا بنعمة الرجوع إلى مغانيك.أن تكتحل عيوننا ببهاء طلعتك الأبية،وشموخ جبينك الوضاء.أن تكبر أجيال أطفالنا في أحضانك،وتكبر بهم.يومها تصبح كل أيامنا وليالينا أعيادا وأعراسا.فأنت أنت وحدك العرس والعيد والحب والوطن..

كل عيد.. وانت لنا العيد والوطن. ها نحن مرة أخرى ولن تكون الأخيرة.. لا يعترينا اليأس رغم الشدائد والصعاب. نأتيك على أجنحة أشواقنا التي لا تبرح قلوبنا، وحبنا الذي لن تخبو له جذوة، وإصرارنا على أن تعود لنا ولأجيالنا من بعدنا. ها نحن جئناك نهتف باسمك، نكحل أعيننا بسنا فضاءاتك القدسي، نجدد عهودنا لك. ها نحن نهتف أن لا عيد إلا يوم خلاصك، ويوم تطل شمس لا تغيب، هي شمس حريتك، أيها الغالي المفدى.

كل عيد وانت لنا العيد والوطن. أيها الشامخ الجبين. مكلل أنت بغار الكبرياء، معطر بأريج الاباء. رائحة التاريخ فواحة الشذا تتسامى من ذرات ترابك أمجادا.. تضيء فضاءات أيامك السابحات في العلى. أيها العاشق لون الحرية راية ترفرف في سمائك. وشعلة خالدة من اضاءاتك. لأنك حالة عشق تتحدى الانطفاء. تنتفض جوارحك على كل يد غارقة بالاثم تمتد لتسرق ألوان طيف رؤاك وتدفنها في غياهب النسيان والظلام. فانت اقوى من الظلام والنسيان.

كل عيد. وانت لنا أيها الوطن المرسوم في عيون الأجيال رؤى خضراء مجنحة بالتحدي والاصرار. ملونة بالعشق الذي لا يعرف الصمت ولا الرحيل. مسيجة بالفداء يا سيد الفداء. يا وطن الجرح المكابر ما أعياك نزيفه المدرار. تهزأ بالجرح وحربةالجلاد.

كل عيد. وانت لنا العيد والوطن. جراحك لعنة تتفجر شظايا قهر في صدر الجلاد. تفرش له الطريق علقما وجمرا. جراحك غيمة من دخان الاحباط تظلل احساسه بالكآبة. تطارد احلامه المتساقطة حلما حلما على قارعة اليباب. تنآى به الاهواء حائرا يحط رحاله على مدارج السراب. وتتجدد انت انبعاثا من رحم الرماد. يا طائرا تسري الحياة في شرايين اجنحته الى الأبد.

كل عيد. وانت لنا أيها الوطن الساكن في وجدان انسانك. والمسكون فيك هذا الانسان. مازال عشاقك يدخلون محرابك أفواجا أفواجا يرتلون لك أنشودة الحرية. هاماتهم ترنو الى السماء بكبرياء. تتوج جبين زمانك بغار التمرد. تملأ الكؤوس أنخاب انتصار، وتقيم أعراسا لعيد حريتك الموعودة به الاجيال. ويومها تسترجع الأعياد لونها المضمخ بالحرية، المتفيء ظلال المجد والفخار.

كل عيد. وانت لنا يا وطن الشهداء. عاشوا رماحا تشق أسنتها المدى الى صدور طغاة غربان الليل الجاثمين على أنفاس الفجر المنتظر الذي تصلي له عيون الاطفال ليلد شمس الحرية. ويوم لامست شفاههم ثراك الطهور لتطبع القبلة الاخيرة على جبينك الأشم استحالوا الى مشاعل تضيء فضاءات أجيال خرجوا من رحمك وسيخرجون يرسمون بالنور والنار ملحمة تلون زمانك بالسؤدد وتعطر مكانك بالاباء.

كل عيد. وانت لنا يا وطن الجرحى. روت دماؤهم ثراك العطشان لمطر الحريـة. وهل الا دماء جرحاك مطر الحرية ينهمر مدرارا على مغانيك جبلا جبلا سهلا سهلا رابية رابية واديا واديا. وهل غير دماء جرحاك تحمل الربيع الى ربوعك فيتجذر زيتونك ويشمخ صفصافك. ويشتعل ترابك قناديل عشق وياسمين.

كل عيد. وانت لنا يا وطن الأسرى. تمردوا على قيود عبودية الزمن الملطخة كفاه بالسواد والطغيان. أسراك أيها الوطن الأسير وهبوك شبابهم مهرا لعرس حريتك. تحدوا المستحيل ركبوا الاهوال. شقوا غبار الموت والدمار. وها هم الآن خلف القضبان يطرزون لك من عنادهم وشاح كبر. وينظمون لك من اصرارهم مسبحة حرية. ويرسمون لغدك من سنا محياهم شمسا لا تغيب. شمسا لنهارات وعد لا يخيب.

كل عيد. وانت لنا العيد والوطن. هذا الدم الطهور مطر أخضر يتوضأ بقطراته ثراك الحالم بصلاة الحرية. هذا الدم الطهور كأس مترعة بالعشق قربانا لمغانيك. لعل شقائق النعمان والنسرين. لعل الياسمين. لعل كل الأزاهير تصحو من غفوتها فترسم من جديد خارطة وجودك الحتمي. لعل الاطيار المهاجرة ترجع الى أفنان أشجارك الواقفة في وجه الريح السوداء.

كل عيد. وانت لنا العيد والوطن. لعل الشمس تطل على نهاراتك المتمردة على عتمة الليالي السود. لعل الابتسامة التي غادرت عيون أطفالك ذات يوم تورق مرة أخرى في أحداقهم وتزهر أملا بالحياة. لعل العيد الذي حلمت به الاجيال يرجع الى احضانك. وهل عيد غير ظلالك يتفيؤها العاشقون الساهرون انتظارا لصباحاتك السابحة بالسنا الأبدي. وهل عيد الا انت يا وطني يوم تعود لك شمسك التي لن تغيب ثانية عن آفاقك.

كل عيد. وأنت لنا العيد والوطن. نحن عاهدناك أن تكون لنا كاملا مكملا. لن نفرط بواحدة من ثوابتنا. سوف نصبر ونصابر. لن يعترينا الوهن ولن ينال منا القنوط. خطانا لا تعرف إلا أنت عنوانا. ولا غيرك اخترنا وطنا مهما قست الأيام والليالي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق