ثقافة المقال

روعة الأدب في حيّ بن يقظان لإبن طفيل

زبير بن عبد العزيز*

إبن طفيل: اسمه الكامل: ابو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل وعاش في القرن الثانى عشر (1110م) في عهد المرابطون واشتهر في الأدب والعلوم والفلسفة.
ويكنى بأبي الباسر في المغرب وارتحل في طلب العلم الى قرطبة، وبحث عن علم ​الرياضيات وقانون حفظ الصحاح وعلم المادي خاصة في الأدب والشعر.
وفي سنة 1185م ضاع حبرا للعالم الاسلامي وما بقي من تصانيفه إلاّ رواية وثلاثة أشعار.

حي بن يقظان:
هذه الرواية الأولى في تاريخ الأدب العربي, والملاحظ أن ابن طفيل اختار لروايته اسما يدل على عمق معرفي لديه (حي بمعنى عائش أو على قيد الحياة ـ يقظان بمعنى منتبه)، الاسم الكامل ”حي بن يقظان في أسرار حكمة المشرقية“ ويدخل هذا الكتاب إلى أعماق المعاني والحقائق التي قدمها شهاب الدين الزهروردي في حكمة الأسرار.
وقد لاح أرسطو وأفلاطون والإمام الغزالي والإمام الرازي وملأ سدرة في تفاصيلهم عن الرحلة الروحانية في كشف الأسرار الفضائية, حيث دخل ابن طفيل مؤثرا في كتابته هذه التصانيف المذكورة، مفصّلا الطرق والسبل التى تهدي الروح إلى ما احتاجت إليه وإلى أقصى غايته.
يبين ابن طفيل أن ما ألهمه لكتابة رواية “حي بن يقظان” سؤال أثاره أحد المهتمين بقضايا الخلق والنشوء والارتقاء الذي طلب منه ووضع إجابة عن سؤال حول أصل المعرفة الإنسانية.
وأهداه لهذه المحنة تأثير من مؤلفات الثلاثة لابن سينا وهي: حي بن يقظان ورسالة الطير وسلمان وابسل. 
إنها أسطورة عربية تروي قصة الطفل “حي” الذي ولد بلا أبوين ونشأ كنبتة قبل أن تتلقفه أمه الغزالة التي فجعت بوليدها فتربيه ثم تموت الغزالة بين يديه وهو يحاول إنقاذها.. ليبدأ بعدها التفكير منطلقا من حزنه على فقدان أمه الغزالة وينتقل بفطرته من سؤال إلى سؤال في تحليل عقلي معقد، فالكون يمنحنا من الأسئلة أضعاف ما يمنحنا من الأجوبة.
إنها أيضا واحدة من الروايات التي تثير فخر المغالين في النزعة القومية، إذ كثيرا ما يذكرون أقوال باحثين رأوا فيه الأصل الذي استعاره دانيال ديفو ليكتب واحدة من أشهر روايات الأدب الغربي “روبنسون كروزو“
ويصف ابن طفيل الحالة الوجودية التي اعترته وهو يتأمل في هذا السؤال الكوني بقوله: ”وانتهى بي هذا السؤال إلى مبلغ من الغربة بحيث لا يصفه إنسان ولا يقوم له بيان غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور واللذة والحبور، لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى حد من حدودها أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، بل يعتريه من الطرب والنشاط والمرح والانبساط ما يحمله على البوح ”
وخلاصة القول أن ابن طفيل، وهو المتكلم الكبير يريد أن يبلغ رسالة مفادها أن المسؤولية الدينية تقتضي اكتشاف النفس والعالم عبر التأمل والتفكير، وطرح الأسئلة الفلسفية الكبرى التي تتعلق بالمعقولات وبأصل الوجود، وصولا إلى اكتشاف العلاقة بين العلة والمعلول والفاعل والمفعول، بين الوجود وواجب الوجود، وأن الكون واحد في الحقيقة وأن هذه الوحدة ناجمة عن وحدانية الخالق ووحدة التكوين.

التركيب والفهرست:
وهناك نظريتان عن ولادة “حي” :
الأولى: إنه تولد دون أم وأب من طينة تخمرت بالجزيرة على مر السنين.
الثاني: لها مشابهة بقصة موسى:- إنه ابن أميرة جميلة كانت شقيقة لملك يمتلئ بالغيرة والأنفة منعها من الزواج بحجة أنه لا يجد لها زوجاً كفئاً وكان لهذه الفتاة قريب اسمه يقظان وهو كريم النفس، طيب الأخلاق ”حي بن يقظان“ فلما غاب الملك في بعض حروبه، وطالت غيبته، حسبه أهله قد مات، أو قتل في تلك الحروب، فزوّجوا يقظان تلك الفتاة سراً.
وبعد أشهر قليلة، حملت منه، ثم وضعت طفلاً تلوح عليه مخايل الذكاء، ودلائل النبل. وما وضعت الفتاة طفلها، حتى عاد أخوها من حروبه منتصراً, فوضعته في تابوت ثم قذفت به في اليم الذي حمله إلى ساحل جزيرة أخرى.
وأصبح حي بعد أن بلغ التاسعة والأربعين من العمر متأهباً لتعليم غيره من الناس, وكان من حسن الحظ قد نشأ بتلك الجزيرة فتيان من أهل الفضل والرغبة في الخير يسمى أحدهما أبسال والآخر سلامان فتلقيا تلك الملة وقبلاها أحسن قبول وأخذا على نفسيهما بالتزام جميع شرائعها والمواظبة على جميع أعمالها واصطحبا على ذلك، التقى بحي، وكان هذا أول معرفة له بوجود بني الإنسان – ​وعلمه ابسال لغة الكلام وسره أن يجد أن حياً قد وصل دون معونة أحد إلى معرفة الله، وأقر لحي بما في عقائد الناس الدينية في الأرض التي جاء منها من غلظة وخشونة، وأظهر له أسفه على أن الناس لم يصلوا إلى قليل من الأخلاق الطيبة إلا بما وعدوا به من نعيم الجنة، وما أنذروا به من عقاب النار.
واعتزم حي أن يغادر جزيرته ليهدي ذلك الشعب الجاهل إلى دين أرقى من دينهم وأكثر منه فلسفة فلما وصل إليهم أخذ يدعوهم في السوق العامة إلى دينه الجديد وهو وحدة الله والكائنات, لكن الناس انصرفوا عنه أو لم يفهموا أقواله.
وأدرك أن الناس لا يتعلمون النظام الاجتماعي إلا إذا مزج الدين بالأساطير، والمعجزات، والمراسيم، والعقاب والثواب الإلهيين. ثم ندم على إقحامه نفسه فيما لا يعنيه، وعاد إلى جزيرته، وعاش مع آسال يرافق الحيوانات الوديعة والعقل الفعال، وظلا على هذه الحال يعبدان الله حتى وافتهما المنية!.

التأثير:
ومن المفكّرين المشهورين الذين جلّبهم “حي بن يقظان” ابن رشد, وتشهد عليه مؤلّفاته البارزة : تهافة التهافة وفصل المقال ورغم عنهما صنّف كتابا شرحًا ل “حيّ بن يقظان” .
ومنهم الشاعر الفارسي “ نور الدين الجامي ” المشهور باسم “جامي ” انه خلّد الفتيان “سلمان وابسال ” من الرواية بتسمية شعره اسم هذين الفتيين.
ومنهم علاء الدين بن نفيس انه كتب نقدا لحي بن يقظان باسم ”الرسالة الكاملية في السيرة النبوية ” متساويا لاثر القصة.
كانت هذه الرواية عاطفية للعقلاء المهرة في أوربا, ومنهم : آلبير مَاكْنَسْ, سَنْتْ تُومَسْ آقِنَسْ, وُلْتَيْرْ, رُوسُو, دِدَرُو.
التأثير في الرواية:
ومن الروايات التي صنّفت بتأثير ”حي بن يقظان“
روبنسن كروسو
ليف اوف بي
جنكل بكس
تارزن
روعة الأدب:
انّ حي بن يقظان” لؤلؤة من أعذب لآلئ الثرات العربي, تثق في سلامة الفطرة وحرية الفكر أو الرأى والكلمة. تستحق بجدارة أن يجهد المرء نفسه لتأمل فصولها، والاستمتاع بقراءتها. لقد اوضح ابن طفيل في هذه الرواية المراتب التي يتدرج بها العقل في سلم المعرفة من المحسوسات إلى الجزئيات إلى الأفكار الكلية.
لعل أهم ما يميز قصة “حي بن يقظان” التفرد في اعتماد الفكرة، والابتكار في البناء الفني، والبراعة في المعالجة، والفعالية في الإيحاء.
​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​

*قسم اللغة العربية، جامعة دار الهدى الاسلامية
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “روعة الأدب في حيّ بن يقظان لإبن طفيل”

  1. الحمد لله، هذه المقالة مما تشتاق اليها القلوب والافئدة وتجلب القراء إلى ميدان واسع فكرا وجدلا، الكاتب زين العمل بجمع الكنوز المدفونة تحت قوى السيطرة ونور العالم الثقافي والتدبير الى مجال متميز لترتيب رائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق