ثقافة المقال

شكرا عزيزي أحمد وأهنئك

ابراهيم مالك*

نصٌّ نثري قديم جديد، استوْحيتُهُ من أعمالٍ كثيرةٍ للفَنّان التشكيلي من مدينة طمرة الرَّسّام النَّحّات أحمد كَنَعان، رأيتُها كثيرًا وتأملتُها طويلًا وكانَ آخرها منحوتة استوقفتني أكثر من مرَةٍ، أحاول أنْ أفهمَ ما تعنيه ، وهي منحوتة خشبية ، رأيتها أوَّلَ مَرَّةِ في معرَضٍ فنٍّيٍّ شاركَ فيه في كفرياسيف ونشرتها في مِلَفِّ فنانٍ من بلدي في موقع ” كتابُنا ” وسأعيدُ نَشْرها اليوم في الموقع الحالي هذا الشهر.
أكثر ما لفتَ انتباهي هو البوحُ العقلي لِأسئلةِ قلقٍ عقلِيٍّ، قلقِ حياة، الذي يُمَيِّزُ الفنان والشاعر، خاصة أحمد وابراهيم، وسنجد هذا البوح المُمَيِّز، كُلَّما تأملنا أكثر أعمال الفنان وبعضَ قصائد الشاعر. فالفنان يحاوِرُ حجَرهُ، خشبه، قِماشَهُ ألوانه وإزميله، ليعبِّرَ عَنْ قلقِهِ، ويَتَحاورُ الشاعِرُ مع عقلهِ هامسًا صارِخًا بقلمه وورقه ولُغَتِهِ وثقافَته.
وحين تأمَّلتُ المَنْحوتَةَ وأعمالًا فنِّيَة كثيرةً أخرى للفنان الصديق أحمد، ازْدَدْتُ قناعةً أنَّ حصارَ إنسانيتي لَنْ يَنهارَ ولن يَنفكَّ ولن يزولَ، إلّا حين تَبدَاُ إنسانِيَّتي بالتَّعَلُّمِ من حِكمٍ كثيرةٍ يَجْدُرَ بنا مَعْرِفَتَها وفهمَها والتواصل الإنسانيِّ، إنسانِيِّ الملامَحَ والسلوكِيّات بعيدا عن عَقْلِيّاتِ جَشَعٍ عنيفٍ ، كما باتَ اليوم أكثر إنسانِيَّتِنا.
وأوَّل هذهِ الحكم ما تتحَدَّثُ عَنْهُ تجربَةُ مسار حياةِ الطّائرِ الإنسانِ الفينيقي الكَنعاني
القديم القديم ،الذي تَعَلَّمَ من تجربته ضرورة أن تتجَدَّدَ حياتُهُ دائمًا ، فيحترق ذات زمَنٍ ويبدَاُ الانتَفاضَ على ما باتَ حولَ ذاتهِ من رمادٍ وموبِقاتِ حياة مُشَوِّهَة للحياة . فَفينيق رأيتُ فيهِ حِكْمَةً تَحِثُّ على قبولِ التضحية بالذّات لِتَتَجَدَّدَ وتبدَاَ التحليق ، فالتحليق الدّائمُ هو شرطُ حياة ، والعقل ، دائمُ التَّجَدُّد والبَحْثِ عن مَعْرِفة هو شرطُ التَّحْليقِ وتوسيعِ ثقافةِ إنساننا وتقوية ملامح التواصل الإنسانِيِّ النَّيِّر والمنير .
عزيزي أحمد، يا أخي وبنَ إنسانيةِ وطني وعالمي ، كُلَّما تأمَّلْتُ مَنْحوتَتَكَ الرائعة والموحِيَة ، تَذكَّرْتُ كثيرًا قصيدَتين كتبتهما ذات يوم عن ” إرادةِ الحَياة ” والإرادة الواعية حَقًّا هِيَ أكثر ما تحتاجُهُ إنسانيتي للإفلات من قفصٍ حَديدِيٍّ صرنا نعيش فيه وعن الشافعي ، مُعَلِّمي وصاحبي :
أيَّةُ إرادة ؟
( من وحي صورَةٍ التقطتها عدسة ولدي المصور الهاوي هاني مغربي المقيم في برلين )

أيَّةُ إرادَةِ حَياة هِيَ هذِه ؟
سألْتُ نَفْسي لَحْظَة رَأيتُ ” نَبْتَة الْعِلْتِ البَرّي “
تُغالِبُ شُقوقَ الحَجَرِ الصَّخْرِيِّ لِتَنْعَمَ بِألَقِ حَياة
فَتَكْتَسِبَ أوراقُها خُضْرَةً مُتَوَهِّجة ، بَعْدَ طولِ يباس ،
وتعيشَ أمَلاً بِمَجيءِ أوانِ إزهارٍ وتَفَتَّح رَبيع .
لَحْظتها ألَحَّ عَلَيَّ سُؤالُ نفسي
كمْ يجْمُلُ بإنسانِيَّتي التائهة في صَحْراءَ
جَشَعٍ ، عُنْفٍ وسرابِ شَهَوات
لَوْ أنَّها تتَسَلَّحُ بِهذِهِ الإرادَةِ
فتَعيشُ إطْلالةَ ربيعٍ حَقيقِيٍّ
يَتَجَدّدُ بَعْدَ كُلِّ يباس !

ـ يا شافِعي
يا شافعي !
كَمْ هَزَّتْ حِبالَ عقلي دائِمَةَ التَّساؤلِ رَوْعَةُ أحاديثك
وقد رأيْتُ فيها عامودَ نارٍ هامِسِ التَّوَهُّجِ :
يا نار صيري دِفْئًا ونورا
بِتُّ عِنْدَها دائِمَ الْبَحْثِ عَنْ رَكوَة أدَبِكَ الإنساني
عَلّي أصيرُ واحِدًا مِنْ قِلَّة صَحْب جالِسينَ يُصْغونَ لِبَعْضِ شَدْوِك
” إنّي رأيْتُ وُقوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ … “
لِنَنْهَضَ بَعْدَها نُسائِلُ أنْفُسَنا عَن السَّبَبِ في كَبوَةِ مُجْتَمعاتِنا الإنْسانية
وفي انْتِشارِ ما فيها مِنْ أدرانِ فَسادٍ وإفْساد ،
عَلَّنا نَعي أينَ ” الْعَيْبُ فينا … ” !

وثاني هذه الحكم التي أرى في معرِفَتِها ضرورة حياة للإفلاتِ مِمّا نحنُ فيه هي ما يتحدَّثُ عنها أخي وبن أمّي هوميروس اليوناني الإغريقي القديم . قيل عنهُ أنَّهُ هبطَ من عليائهِ ونصح صحبهُ ـ إنْسانَنا ـ أن يَتَعلَّم كيفَ يَجِدُ النارَ ، لِيَحْميَ نفسَهُ من شَرِّ العتمة الوَحْشِيَّة ، فتصير النار نورا يُلَوِّنُ عتمة الحياة وتصير العتمة والنور شَرْطَي حياة ، كالليل والنهار ، فلن يكون شيءٌ إلّا إذا انوجَدَ ذاتٌ أخرى ، هي نقيضه . فما توصي به هذه الحكمة هو التواصل الإنساني بين لون ولون بين عقلٍ وعقل ـ بينَ ذاتٍ وأخرى .
وأمّا الحكمةُ الثالِثة فهي ما صاحَ به أخي ، مُعَلِّمي وصديقي أبو ذرِّ الغفاري:
أعجَبُ كيف بقِيَ إنسانُنا جائعًا ، لا كِسْرةَ خُبْزٍ في بيتِه وبقي حابِسًا نَفْسه ، فلا يَخْرُجُ شاهرا عقلَهُ لِيَبْدَأَ التَّعَلُّمَ مِمّا هتف به صاحِبُ زمني ذاتَ يَوْم حينَ أدركَ ما عَلَّمتْ دروسُ حياة :
” ما شبع غنيٌّ ، إلّا بِما جاعَ فَقير “
وكم كانَ يَلزَمُ التَّعلُّمَ ساعتها وفي كل ساعة من واحِدٍ حكيمٍ من مُعَلِّمي إنسانِيَّتِنا مُنْذُ القديم القديم وقدْ تَمَنّى لو عَلّمَ أكثرَ صَحْبِهِ وناسِهِ ما هَمَسَ ذات زمن :
” ليس بالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيا الإنسان “
فالخُبزُ هُوَ من ضرورات الحَياة ، لكنَّ أكثَرَ ما يحتاجُهُ إنسانُ عالمِنا هو العيش الكريم ولن يكون هذا العَيْشُ ، إلّا كانت بصحْبَتِهِ الحُرِّيَّة الحقيقية ، حَرِّيَّة العقل والتواصل الإنساني الذي لا يعرفُ الجشعَ والعَنْفَ .
والحرية هِيِ شَرْطُ حَياة ولن تكونَ حياة دائِمَة التجَدُّدِ ، إلّا إذا تَوَفَّرَت ثقافَةُ عقليةٍ إنسانية الملامِح والأحلام .
وكم كان يجْدُرُ بإنسانِيَّتي الإصغاءَ بفَرَحٍ مُفْرِحٍ حقا لما قالَهُ مُعَلِّمٌ آخر قبلَ زَمَنٍ قَريب :
” وجادِلْهُمْ بالتي هي الأحْسنُ “
فهذا الجَدَل هو الحوار الضروري وهو أكثر ما نحتاجه ونتمَنّاه اليوم لِنبدَأ عيشًا إنسانيًّا كريمًا ونَبْدَأَ الإفلاتَ من حِصارنا الموجِعِ والمدَمِّرِ لإنْسانِيَّتِنا العزيزة .
عزيزي وصديقي أحمد أنا فرح بعملك وأتمنّى لكَ النجاح ، فالفنُّ كالأدبِ والفكر والثقافة عامة ، هو أكثر ما نحتاج للخروج والخلاص مما نحن فيه .
ابراهيم مالك*

* كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق