ثقافة السرد

الأعمى في مكتب الكهرباء

البشير البقالي

وئيدا كان يمشي. تقوده خطوات الظلام والمجهول. يصارع ريحا تصد تقدم الجسد النحيل في جلباب أبيض يرفرف بعنف المنتفض. ترك العكاز في البيت، وتخلف عن موعده مرافقه الدليل، فاضطر إلى خوض الطريق بعينين فارغتين تغطيهما نظارة شديدة السواد. لم يدرك مأزقه إلا حينما توغل في دوامة الطريق والريح الغضبى؛ حيث إكمال المشوار صار أرحم من العودة. كانت الريح تزداد عنفا وبؤسا واختراقا لوجدانه المهزوز.. لذلك ركز كل اهتمامه على ألا يقع أرضا فيفقد بوصلة التركيز وزمام الاتجاه.. يخطو بحذر.. يمد قبضتيه إلى الأمام  كأنه يمسك بلجام الريح أو يلاكمها. عيناه لا تطرفان وفمه نصف مفتوح رغم صبيب الريح فيه، فيما رأسه المائلة مدفوعة إلى الأعلى كأنها تطمئن على وقع أقدامه. غالبه القهر والتذمر، فشرع يلعن في قرارة نفسه الجرأة التي أوهمته بيسر الطريق وقدرته على الوصول من غير عيون أو دليل. وعرته الوحشة حين أحس بخلو الطريق.. وحدها الريح كانت تعربد في الفضاء، تحدث أنينا وخشخشة جراء احتكاكها بالأرض والأوراق والأشياء…
تثاقلت خطواته لما سمع حشرجة سيارة تقترب منه. حاول تجنبها بحدسه لكنه خاف من التورط أكثر فتوقف مؤذنا باستسلامه للموقف تاركا المسؤولية للسائق ليختار طريقه. وحين مرت السيارة بجانبه تناها إلى سمعه من داخلها صوت “أم كلثوم” وهي تصرخ صرختها المشهودة؛ ( فات المعااااد). شق الصوت طريقه بعنف داخل نفسه المجروحة، وتفاقم لديه الإحساس بالوحشة والضعف. وشرع يمشي من جديد.. بتثاقل وإحباط.. مكتويا بالمواعيد الهاربة.
مواعيد كثيرة انسابت على حين غرة وانصهرت في دهاليز السنين النزقة التي لا تثمر إلا الرتابة والمواعيد المنفلتة أو غير المكتملة. وأحس فجأة أن الأرض ارتفعت تحت قدميه وهشّت.. صار كمن يمشي على جدار رخو.. والريح تصده، فتهاوى جسمه إلى الخلف وتمرغ في التراب. كان قد اعترضته شحنة من رمل البناء عبثت بخطواته وأرضخته للانهيار. سقطت نظارته فأخذ يبحث عنها بتسرع ونهم. وخُيل إليه أن الناس يتفرجون عليه ويضحكون.. سمع في نتوءات الريح همسات ووشوشات، فتضاعف ارتباكه وطفق ينبش بأظافره عميقا  في الرمل ويُذرّيه بخبرة مُتلمّس، إلى أن وجد النظارة. وضعها على عينيه واقتعد التراب. بدا وجهه مكفهرا، وفقدَ كل سمات المرح والابتسام التي تميز العميان عادة. وحدهما الأذنان كانتا مفتوحتين مليا؛ تغربلان أصواتا مدسوسة في نبض الريح.
فكّر في رفيقه.. الآن يعرف قيمته، رغم أنه  مؤخرا بدأ يغضب منه بعد أن شحت معلوماته حول المارة والطريق، وصار يحيّي الناس همسا ويتملص من إخباره عنهم.. لم يرقه أن يتحالف دليله مع المبصرين وهو الأحوج إلى التحالف.. لكنه الآن يعترف بخدماته ويبحث له عن مبررات أفعاله.. فالنور حصن الزيف؛ يحييك الواحد منا إذا رأيته، ويتفاداك حين لا تراه، ويتجاهلك بكل ثقة واطمئنان إذا كنت أعمى.. لا حيلة للرفيق المسكين إذا انخرط في السياق العام.. فعتاب المبصرين مؤكد ومحتوم، والتحالف  ضد العميان أخف ضررا طالما يعجزون عن رؤية التحالف. ولا ضير في  أن يكون الرفيق مبصرا خاضعا لطقوس الإبصار ومكره…
استفزته الوشوشات من جديد. تنبه إلى أنه ما زال يجلس فوق التراب الذي أطاح به خلسة وغدرا. حاول تخيل هيأة الموشوشين فلم يفلح إلا في افتراض أشكالهم. وتجرّع مرارة أن يسخر منك أشخاص، هم يعرفونك ولا فرصة لك في أن تعرفهم أو تراهم.
وقف ينفض الجلباب وهو يقاوم ضغط الريح الآتية من الخلف، إذ ذاك أدرك أن عليه أن يستدير ليواجهها كما كان الأمر قبل أن يسقط. تمنى من عميق ضعفه لو يمر شخص ينتشله من ظلمة التيه ويدله على مكتب الكهرباء. وتقدم خطوات وهو يستكشف الفضاء بأذنيه عله يلتقط حسيسا. كان على يقين بأنه اقترب من وجهته، فقد جاء مرارا رفقة دليله.. لكن ينقصه التحديد…
تنفس الصعداء حين سمع صوتا يشق الأجواء: « ماذا تفعل يا جلّول في فوهة الريح؟ تعال لتحتمي في مكتب الكهرباء». انتشى مليا رغم الخدش الذي أحسه جرّاء مناداته بغير اسمه.. أسماء كثيرة يطلقونها عليه، تُتبع عادة بالأعور… لكنه تجاهل الأمر واتجه صوب مصدر الصوت قائلا: « إنما جئت أصلا لأداء الفاتورة..». وجاءه الرد سريعا: « هيه .. بوار..!». لم يفهم ولم يهتم. وتقدم بحذر كي لا يتعثر في العتبات. كان بوده لو يمسك هذا المنادي بيده، إلا أن كبرياء العمى أبى عليه طلب المساعدة، فاكتفى باستدراجه إلى الكلام؛ أي كلام ليسترشد بصوته: «من أنت؟ ». وجاءه الرد قريبا هذه المرة: «لا يهم..». صارت خطواته أكثر حذرا.. يتحسس الأرض بقدمه قبل أن يضعها، إلى أن اعترضته العتبة الأولى فالثانية ثم الثالثة التي أسلمته إلى بهو المكتب. ما إن دخل حتى انهالت عليه الأسماء والعبارات؛ « مرحبا بك يا سلاّم..- نورتنا يا أبا العلاء..- هل جئت بالكهرباء يا بوشعيب؟.. – أتدري  يا حُمان النحس، كنا ننتظر الكهرباء فأرسلوا إلينا شمعة… »
نزلت عليه التهكمات والضحكات المقيتة كنبال طائشة تخترق الأذن والوجدان، قابلها بابتسامة مشدوهة لا تتحرك لها إلا الشفة العليا؛ كأنه كبش يضحك. واستند إلى الجدار مستنفرا كل جوارحه لتلقي طعنات أخرى ، مبديا مناعة صلبة اكتسبها من فرط التجارب.
عادت الأجواء للهدوء تدريجيا. واطمأن إلى أن دفعة الهرج الأولى انتهت، وعليه أن يتهيأ للآتي. تأمل كلامهم ففهم أن الضوء مقطوع، وأنهم ينتظرون عودته على شوك.. فاليوم آخر أجل للأداء، والتأخر يجازى بغرامة تثقل الفاتورة أكثر. ضغط على زر المنبه الصوتي لساعته اليدوية، واستسلم بدوره للانتظار رغم ضآلة الوقت المتبقي على الإغلاق. استند إلى شباك الأداء ينقر بأصابعه كأنه يعزف.. وعاودته نوبة التركيز بعد أن تناهت إلى مسامعه وشوشات أغلب الظن أنها غادرة كعادتها. وتمكن فعلا من التقاط نبال أخرى هامسة: « يلبس البلدي والرومي..- زهواني.. – يؤم المصلين أحيانا.. – يعشق الجمال، كما لو يشمه.. – هو خير من يوصل الخبز للفران..- كالبريد المضمون..- لا أحد يدري من أين تأتيه الحوالة…»
تسمّر جسمه النحيل تحت جلبابه، واستشعر حرارة الحرج تسري في كتفيه وأعلى أذنيه، فرفع طربوشه الأحمر عنهما قليلا. جف الريق في فمه، وأحس كأنه عارٍ في مأدبة المبصرين.. حزّ في نفسه أن تهاجمه الوشوشات كلما كان أعزل بلا دليل ولا عيون تحرس، وآلمه ألا تجامل العيون إلا العيون، ولا ترتعد العيون الصغيرة إلا أمام العيون الكبيرة!!. حز في نفسه أكثر، أن يتهموه بالوشاية أينما حلّ. وابتسم في وجه السقف ابتسامة صفراء حين غمرته الشفقة عليهم؛ إذ يخافون وشاية الأعمى !!. زمّ شفتيه إلى الداخل ورآى عبث الحياة ورجفة الناس من وهْم صدقوه. وقرر أن يواجههم بعيونه طالما يخافونها.. استدار واستند بمرفقيه على شباك الأداء.. قدّر أنهم جالسون على أخشاب الانتظار، فشرع يمرر وجهه يمينا وشمالا بتثاقل كما لو ينظر إليهم ويبتسم بشفته العليا. كانوا ينظرون إليه بإمعان متعَب وحذِر. وامتدت مواجهة الوجه للوجوه لحظات، إلى أن خرج أحد الجالسين عن الصمت بنبرة هازئة: « هل تقرأ تعاويذك علينا يا جلول؟». كانت العبارة بداية لدفعة أخرى من المزاح والتهكم، شايعها جالس آخر:« بل يفلسفنا بنظارته المعطلة..» وأردف ثالث: « كيف تدفع ثمن شيء لا تراه؟»، فرد عليه في ارتجال سريع:
– وهل ترى أنت كل ما تؤدي ثمنه؟؟..
بادره صوت آخر: « أخبرنا عن حكمة العمى يا سلاّم..». وتهيأ الجميع لسماع رده حين رأوه يمسح شفتيه بلسانه ليرطب جفافهما. وانطلق يتكلم وهم ينصتون في مقاعدهم كتلاميذ مرهقين:
– أبلغ الحكمة أنني لا أرى وجوهكم البئيسة ولا زيف عيونكم الواهمة. تظنون أنكم ترون، والحقيقة أن عيونكم  صاغرة.. لا تتجبر إلا علينا نحن العميان، وتقصر عن رؤية الحقيقة والبيان. تختفون منا وراء عيونكم، وتسخرون منا بضوء عالمكم . إنكم واهمون.. جوهر الأمر أن العمى درجات، وأقبح العمى عمى المبصرين!!. عالمكم ضوء.. والمنطق يقتضي أن من في الضوء يكون تحت مدى الرؤية في العراء. فهل تتوهمون أن المنطق يخالف نفسه؟؟…
توقف عن الكلام هنيهة، وتلمس صمتهم. أيقن أنه أصابهم في العمق. وتابع:
– لكني أشفق عليكم في هذه اللحظة بالذات، بعد أن انقطع عنكم الضوء، فصرتم عميانا مثل هذا الحاسوب … أهلا بكم في قلعة العميان..
كان على مقربة منه شاب يتابع قسماته باهتمام بالغ. ولما أنهى كلامه بادره الشاب: « لو تسنى لك يا جلول أن ترى وجهك في المرآة، لرأيت أنك تضحك بالشفة العليا وتتكلم بالسفلى!! ..». وباغته بسرعة:
– لو بصقت عليك الآن، سترى كم هما متضافرتان!؟…
وجاء صوت من أقصى الركن منبها: « احذر يا بني، فإن بصقة الأعمى لا تخطئ أبدا !».
تفجرت الضحكات السافرة وملأت المكان هرجا.. أوقفتها طقطقة لافتة كرطونية تحمل عبارة “مغلق”؛ وضعها العون بضغط زائد ومقصود كي يلفت انتباههم إليها معلنا أن موعد الإغلاق حان. نظروا إلى بعضهم تغالبهم ابتسامة الأسف.. سرعان ما تحولت إلى قهقهات عابثة تئنّ، فحققوا مصداقية المثل القائل بأن من الهم ما يُضحك. وهمّوا بالمغادرة، يتقدمهم الأعمى وهو ينشد بيت المعري:
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا  **  ونحن في حفر الأجداث أحيانا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق