ثقافة السرد

خلاط وثلاجة

حاتم السروي

لم يكن يصدق أذنيه عندما سمع مدير التحرير شخصيًا يقول بالحرف الواحد: وما الذي يمنع أن يقيم الشاب علاقة جنسية خارج إطار الزواج؟ الزواج لم يعد سهلاً ويحتاج إلى تكاليف باهظة، ثم ألا تتفقون معي أنه مؤسسة فاشلة؟ ألا ترون الخلافات التي لا تهدأ ولا تنتهي بين كل زوجين؟ ومحاكم الأسرة وقضايا الخلع والطلاق؟ انظروا معي وتأملوا جيدًا، الرجل يحب كل النساء ماعدا زوجته، والمرأة تعامل زوجها وكأنه عدو، وهي معه في حرب مستمرة سلاحها فيها النكد، نكد بلا نهاية. إنني أقول أحبوا كيف شئتم، وطالما كانت العلاقة الجنسية بالتراضي وطالما أن الحياة قصيرة، فاستمتعوا، ملعون أبو الدنيا. دعوكم من شعارات الوهم، لقد خدعونا باسم الطهارة، ولكن أليس من الطهارة أن نحب..

كان الخجل يستولي عليه وهو يستمع إلى هذا الكلام الجرئ لحد الوقاحة، الغريب لحد الجنون، أصابه الوجوم، والصدمة جعلته أبكما، فقط يحملق في ملامح الصحفي الهمام وهو يلقي دانات مدفعيته ويحيل نفسه أنقاضا..لم يدرِ كيف يرد؟ ماذا يقول وكل ما يمكن أن يقال ذكره مراراً قومٌ آخرون، والموضوع لا يحتاج إلى ردٍ من الأساس، فهل معنى وجود المشاكل في الحياة الزوجية أن يُلغى الزواج؟! حينها قرر أن يركب سيارة مدير التحرير بعد الانصراف ليصل إلى منزله، قرر أن يمارس دوره الصحفي في التفتيش والبحث، في الوصول إلى الحقيقة، حقيقة المدير، أليس المدير مثلنا، إنسان له أنف وأذن وحنجرة، يأكل ويشرب ويبكي ويضحك، أما الهيبة فما عاد لها عنوان، لقد تبخرت، قتلتها السفالة.

فليكن هو الصحفي ومدير التحرير هو السائق، وما أجدره أن يكون سائقا.. إنه يبدو كسائقي عربات الميني باص والأجرة، شتائم يطلقها معظم الوقت على خصومه وأحبابه سواءً بسواء، سُبَاب يخرجه من فمه تلقائيًا ودون تفكير، لا يتورع أبدًا عن قذف الآباء والأمهات، فإذا أغضبه أحدهم جعل من أمه زانية، وإذا رأى صديقه قد عاد بعد غياب جعل من أمه زانيةً أيضًا! وفي كل الأحوال الرجال عنده شواذ والنساء مومسات! والعجيب حقًا أنه لا يجد أدنى مشكلة في المطالبة بالحرية المطلقة، فهو يرى أن الزنا حقٌ مشاع، وأن المثلية كما يسميها أمر طبيعي لدى فئة من الناس، وطالما لا يتأذى الغير من علاقة بين رجلين، فلهما كل الحق في المتعة، هكذا يقول علانيةً ودون خوفٍ ولا وجل، ولكن المنطق حزين، كيف يرى الزنا حرية ثم يجعل منه سُبَّةً ينال بها من شرف الخصوم؟!.

انتهى وقت العمل ومدير التحرير في مكتبه يثرثر في الهاتف كعادته، وحتى يكون لصاحبنا عذر في تأخره بعد أوقات العمل الرسمية، مثل دور المشغول والمتفاني الذي لا يعنيه أن يعود إلى بيته بقدر ما يعنيه أن ينجز ما عليه من أعمال، هذا رغم السهولة المفرطة لما يقوم به الصحفيون، كان يتأمل فيما حوله من أوضاع ويقول لنفسه: إن الصحفي من هؤلاء يستطيع أن يكتب الواجب في غضون ساعة على الأكثر ثم يعود إلى بيته، ومع هذا تجد مسئولي الشئون الإدارية يعاملونه كما لو كان موظفًا! ويربطونه بالمواعيد ويخصمون من راتبه إذا تأخر في الحضور.. آه، فهمت، يفعلون هذا من أجل الخصم وليس من أجل الضبط.. الصحفي يا عزيزي لا ضابط له ولا رابط، إن روتين الحياة لا يسري عليه، ومنظومة العادات هي خصمه اللدود، وهو يشعر بأن له أهمية تجعله في حل من الالتزام بأي شيء، والشعور بالعظمة يستوطنه دائمًا مع أنه يكتب كلامًا من الممكن ألا يقرأه أحد، ولن يتأثر أحد إذا لم يقرأه، بل إنه من الممكن جدًا أن يمر القارئ صباحًا على بائع الصحف فيلقي نظرة على العناوين فلا تعجبه صحيفة ولا مجلة فيوفر جنيهاته ويكمل مشواره، أليس هذا ما يحدث؟!.

ويبدو أن صاحبنا يجيد التمثيل إلى جانب الصحافة، كان يمثل طول الوقت أنه طيب وفي حاله، وهو في الحقيقة لا يريد أن يشارك في هذا الجو الملوث، لا يريد أن يكتب تحقيقًا في نصف ساعة ويدخن مع زملائه في ساعتين، لا يريد أن تكون له علاقة ولو بالسلام العابر مع صحفية من جريدته، مع فتاة هو يعرف وهي تعرف أنهما لن يتزوجا أبدًا، ومن الذي يمكنه أن يقامر بحياته فيتزوج صبية رصيدها من الجرأة أعلى من هيفاء وهبي؟ إن من يتزوجها حمارٌ ولا شك.

وأدمن صاحبنا التمثيل..على مدار ستة أعوام كان يحضر في الصباح فيضع بصمته في جهاز الحضور ثم يكتب موضوعاته ويمثل بقية اليوم أنه يعمل، مع أنه لا عمل هناك ولا يحزنون، ولكن ما البديل؟ البديل هو أن يدخل في دوامة من الكلام الفارغ، في علاقات غريبة ومعقدة مع صحفيين يقيمون (شِللًا) أو مجموعات يتبادلون فيها المصالح ويحاربون غيرهم ممن هو محسوب على شلة أخرى، وشعارهم: “من ليس معي فهو ضدي”.

كان المفترض أن ينهي مدير التحرير خطبته التليفونية ثم يهم بالانصراف والنزول فيلحق به ويفتعل أي سبب ويصيغ طلبه في مسكنة ظاهرة ويدعي أن الأمر جلل حتى يركب معه في سيارته، لكن مدير التحرير لم يُنْهِ المكالمة، وطال حديثه جدًا حتى أصابه الملل.. ذهب إلى البوفيه وأحضر كوبًا من الشاي وأخذ يرتشفه بهدوء، ثم رن هاتفه.

– الحق ابوك يا مصطفى، أبوك بيموت.

– حاضر جاي أهوه، يا ساتر يارب، الطف بينا يارب.

دخل بيته فوجد أقربائه كلهم.. لقد جائوا من أطرافٍ شتى ليودعوا كبير العائلة، عميد آل يوسف، صاحب محلات بيع الأجهزة الكهربائية، والحاصل على توكيل شركات ألمانية ويابانية، رجل أعمال متألق يطفئ الموت سراجه الآن.. الحزن يعلو وجوه من في البيت، حزن يستعد حتى يتحول إلى نحيب وبكاء عما قليل، وهو يمضي رويدًا رويدًا إلى غرفة أبيه، وقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.. أبويا يارب، أبويا يارب، جعل يرددها في ضراعةٍ وأمل.

وعندما دخل الغرفة، وجد أباه وهو يحتضر، مشهد لن يمحى من ذاكرته أبدا، الشيخ ينظر كثيرًا نحو السماء والعرق يعلو جبينه، وليس على لسانه إلا: يارب، هاتولي مصطفى.. يارب، هاتولي مصطفى.

– أنا اهوه يا حبيبي، أنا معاك، مالك يا بابا؟ شد حيلك، دا انت أجدع واحد شفته، انت اللي علمتنا نبقى رجاله.

– مصطفى يا ابني، الحمد لله إنك جيت، اسمع مني يا حبيبي، الموت نهاية كل حي ولكل أجلٍ كتاب، وانا لما كافحت مكانش عشاني، كان عشانك انت وأمك واخوك، انتو كل ما ليا، وزي ما انت شايف أنا بودع خلاص، بس انا زعلان منك، ولما هموت روحي هتفضل زعلانه وربنا مش هيرضى عنك، يا ابني انت كنت بتساعدني ياما، واتعلمت أصول الشغل، وكنت كويس وبتفرحني، سبت كل حاجة وروحت للمخروبة اللي اسمها الصحافة، المهنة اللي مالهاش أي فايدة ولا بييجي منها إلا وجع القلب، يا ابني انت حر، بس لو بتحب أبوك اللي قضى عمره يعرق عشانك سيب الجرنان وامسك المحلات، ماعادش باقي غيرك، أخوك عمل لنفسه مصنع بلاستيك لوحده وبقى صعب إنه يجمع بين شغله وبين المحلات، هتسمع كلامي يا مصطفى؟ هتكمل مشواري يا ابني؟ قول يا حبيبي.

– هكمله يا بابا، اللي تقول عليه يا حبيبي، أنا ماليش بركة إلا بيك، واللي تقوله يمشي على رقبتي.

– ربنا يعمر بيتك يا ابني، انت كده إبني بصحيح، دلوقتي هموت وانا مستريح، وافتكر اللي بقولهولك، مدير التحرير اللي بتتمنى يقول لك صباح الخير، هييجي عندك ويشتري وتبقى انت الباشا.

ثلاثة أشهر بعد الوفاة.. ثلاثة أشهر لم يُضِع فيها مصطفى يوسف وقتًا، عملٌ حقيقي، وإشرافٌ على الباعة، ودبلوماسية رائعة مع الزبائن، لقد أصقلت التجارة موهبته في التمثيل، أصبح فنانا، فنان يمسك الدفاتر، ويجرد المخازن، ويبيع ويكسب، ثم يعود آخر اليوم براحة بال وضمير لا تجلده سياط اللوم والتأنيب، ثلاثة أشهر حَصَّلَ فيها من الخبرة ما لم يحصل عليه في بلاط صاحبة الجلالة التي مسحت به البلاط.

وفي تمام السادسة والنصف مساء الأربعاء، دخل عليه مدير التحرير، مدير التحرير يريد أن يشتري خلاطًا ليس أكثر، مدير التحرير لا يعرف من هو صاحب المحل.

– مصطفى، انت فين يا راجل؟ وإيه اللي جابك هنا.

– لا ولا حاجة يا دكتور، دا الحكاية وما فيها إني صاحب المحل.

علامات الذهول ترتسم على وجه الكاتب الصحفي، لقد سيطرت عليه المفاجأة، وانعقد لسانه فليس إلا الصمت، ليس إلا أن يشخص إليه البصر.. من يكون صاحب المحل؟ مصطفى؟! الصحفي الشاب الذي كنا لا نهتم بوجوده، الصامت عادةً، مصطفى الذي كنا نوبخه فلا يرد، الذي كنا نخصم من راتبه الهزيل فلا يتذمر ولا يعترض؟؟ مصطفى الأهبل؟؟؟. هكذا كان يكلم نفسه.

نظر إليه ثم قال متلعثمًا: وبقيت صاحب المحل ازاي.

– لا أبدًا، أبويا اللي كنت بساعده في نفس المكان اللي احنا فيه، مات، الله يرحمه، وحلفني أسيب الصحافة اللي مش جايبه همها وامسك الشغل من بعده.

الكاتب الصحفي يتحول ذهوله إلى حقد.. نظر إلى مصطفى بخبثٍ وقال: بس الصحافة أهم من إنك تتحول لبياع.

– بياع؟! أولاً أنا عندي خمس محلات في عين العدو دا غير التوكيلات، وثانيًا لما اكون بياع خلاط وتلاجة وبوتاجاز أحسن ما اكون بياع كلام.

مدير التحرير يحاول أن يكظم غيظه، أن يلجم حقده فلا يظهر، أن يداري خيبته فتختبئ، ينهي الحوار بكلمة واحدة، بكلمتين في الواقع: – ربنا يوفقك.

خرج مندفعًا والغضب يظهر على مشيته، ومصطفى يضحك ويضحك البائعون.. لقد انهزم الوهم و تبعثرت الخديعة، الحق خدعها.

نظر مصطفى إلى عم علي الفراش وقال مبتسمًا: طالما مش هنعرف نكتب كلمتين ينفعوا الناس يبقى نبيع لهم حاجة تنفعهم، مش كده يا عم علي.

– الله عليك يا ابو المفهومية، هو دا الكلام.

*تمت*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق