حوارات المجلة

الأكاديمية الجزائرية الدكتورة شادية شقروش:

علمتني الحياة أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار البشري

حاورها: الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

المجلة الثقافية الجزائرية: نقطة البداية قبل أن ندلف إلى عوالم الأستاذة الدكتورة شادية الطاهر شقروش يرغب قراء المجلة الثقافية التعريف بنبذة من السيرة الذاتية الكريمة :

كانت سنواتي في الجامعة حافلة بالنشاطات البيداغوجية والعلمية

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش:  من مواليد قرية مرسط ولاية تبسة في 20جوان1962، تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط في قرية مرسط حيث اجتهد والدي الطاهر شقروش رحمه الله وسعى إلى فتح متوسطة في القرية ورفع انشغاله وأهل القرية إلى الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله، الذي استجاب للنداء وأرسل لنا أساتذة من مصر وسوريا والعراق. وكنا أول دفعة أختارت أن تكون معرّبة. ثم انتقلت إلى المرحلة الثانوية وزاولت تعليمي في ثانوية مالك بن نبي بمدينة تبسة تخصص رياضيات؛ وتُوّجت دراستي بشهادة الباكالوريا سنة 1981 في وقت كان من النادر جدا أن تنجح فتاة، وتذهب إلى الجامعة بحكم الأعراف والتقاليد، فكنت أول فتاة تنجح في البكالوريا في قريتنا، ثم انتقلت إلى مدينة عنابة لأدرس الطبّ في الجامعة، ولكن شاءت الأقدار أن أتزوج سنة1983وانقطع عن الدراسة الجامعية، لأنني اكتسبت قناعات في تلك الفترة بأن القرار في البيت هو الأمثل، وبعد غياب 12سنة أنجبت فيها ستة أولاد (أربعة ذكور وبنتين)، ومررت فيها بظروف صعبة جدا؛ عُدت إلى الجامعة لأدرس بعد تغيير التخصص إلى دراسة الأدب، أخذت الليسانس سنة1999،وانتقلت إلى التدريس في ثانوية زروقي عمار بمرسط، ودخلت مسابقة الماجستير في جامعة العقيد الحاج لحضر بباتنة سنة 2000 وكانت المنافسة قوية ولكنني نجحت. ومن حسن حظي كانت الدراسة يوم الإربعاء والخميس، وقد ساعدني مدير الثانوية لحكل رمضان جعل الله ذلك في ميزان حسناته، فكنت أعوض الدروس لطلبتي وأذهب يوم الإربعاء صباحا مسافة200كلم إلى مدينة باتنة مدّة سنتين، ثم ناقشت الماجستير في2002، حيث كان عنوان الرسالة :”الخطاب الشعري في ديوان مقام البوح دراسة سيميائية “بعدها توظفت في جامعة تبسة عام2003 ، ثم سجلت الدكتوراه في مدينة عنابة وناقشتها في2007، وكان عنوان الأطروحة “يوسف عليه السلام في الشعر العربي الحديث والمعاصر دراسة موضوعاتية، طبقت فيها المنهج الموضوعاتي المقارن والنقد الأسطوري. كانت سنواتي في الجامعة حافلة بالنشاطات البيداغوجية والعلمية، كنت أحاول التوفيق بين العمل والبيت، تدرجت في ترقياتي من أستاذ مساعد إلى أستاذ مكلف بالدروس ثم ناقشت التأهيل الجامعي إلى رتبة أستاذ محاضر “أ” في جامعة محمد خيضر بسكرة في2010، وبعد سنوات توجت بالترقية إلى أستاذ التعليم العالي (بروفيسور) سنة2016 .

المجلة الثقافية الجزائرية: أستاذة الأدب والنقد الدكتورة الكريمة / شادية شقروش والرحلة الطويلة الممتعة من التعليم العام كمعلمة في المرحلة المتوسطة إلى المرحلة الثانوية إلى التدريس في جامعة العربي التبسي ورئيس المجلس العلمي لكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية ما دور الأهل في الرحلة التعليمية؟ وما أهمية هذا التخصص اليوم للشباب ؟ وهل هناك إقبال وطلب من الطلاب والطالبات ؟

الأدب يبني الواقع الجميل ويصنع الممكنات، فيتحول الحلم إلى حقيقة

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: كانت رحلتي العلمية والتعليمية رحلة شاقة حيث توقفت عن الدراسة في السنة الثانية جامعي وانشغلت بأسرتي وأبنائي والتركيز على تدرسهم وتحفيظهم القرآن العظيم، الأمر الذي جعلهم من المتفوقين، ونظرا للظروف الصعبة التي مررت بها فإني انتقلت بأبنائي إلى بيت أهلي، فكانت أمي وأبي وإخوتي وأخواتي أحسن معين لي في هذه الحياة؛ فدرّستُ فترة وجيزة في المتوسط لغة فرنسية، ثم معلمة في الابتدائي، ثم شجعتني أمي للعودة إلى مقاعد الدراسة لأنها كانت ترجو من الله أن أكون دكتورة، فقامت بمهمة حضانة أبنائي ورعايتهم بمعية أبي وإخواني فاهتموا بدراستهم، وعدت أنا إلى مقاعد الدراسة الجامعية وتلك كانت حكاية أخرى: يعود الفضل فيها لأخي الدكتور عبد السلام الذي كان طالبا في الماجستير يومها، وكان يصغرني سنّا، حيث سعى جاهدا من أجل دمجي من جديد بعد12سنة من الغياب، فغيرت الشعبة القديمة إلى شعبة الأدب العربي، وتفوقت في دراستي لأنني خرجت من أجل هدف نبيل وهو أن آخذ الشهادة كي أعمل وأعتمد على نفسي في إعالة أبنائي. كان أخي عبد السلام حاضني وموجهي في مرحلتي العلمية واستمر في توجيهي إلى يومنا هذا .ثم رجعت من جامعة عنابة بشهادة الليسانس ودَرَّسْت في الثانوية، وكنت في تلك الفترة أدْرسُ الماجستير في مدينة باتنة وأعملُ في الثانوية في قرية مرسط، كنت أقوم برحلة ماراتونية للدراسة ذهابا وإيابا؛ وفي فترة سفري كل أسبوع كنت أقرأ كتابا في الطريق وأضع المعلومات المهمة. حدّدت هدفي وأنجزت رسالتي في الموعد يتقدير مشرف جدا( بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى)، ثم انتقلت من التعليم العام إلى التعليم الجامعي حيث توظفت في جانفي 2003في جامعة تبسّة، وبعد مدة وجيزة وبفضل قيادتنا الرشيدة في تلك الفترة أعطتني الدولة الجزائرية العظيمة سكنا وظيفيا في مدينة تبسة فانتقلت بأبنائي من القرية إلى المدينة لتبدأ رحلة الاعتماد على النفس. فكنت أُدَرِّسُ في الجامعة وأُحَضَّر رسالة الدكتوراه، كان بيتي يَعُجّ بالكتب، كنت أدْرُسُ أنا وأبنائي؛ كان عبد الله ابني البكر يدرس في الجامعة ثم التحق به محمد ثم هيبة الله ثم رحمة الله ثم عبد الفتاح ثم عبد الحفيظ الذي تعثر قليلا، كان شغلنا الشاغل العلم؛ علّمت أبنائي الاعتماد على النفس والتعاون في البيت، وكنت أنا وبناتي نتداول على الطبخ وكانت عندي عاملة لتنظيف البيت، عشت نعمة الحياة مع أولادي الستّة في كنف العلم والمعرفة والتعاون المتبادل، وكنت فخورة بأهلي الذين أوصلوني إلى برّ الأمان وفخورة بنجاح أبنائي، فأحسست أن سفينتي التي كادت تغرق في منتصف الطريق، قد وصلت إلى برّ الأمان بقائد واحد بعد أن سندني أهلي فكانوا قارب نجاة لي، أما أخي عبد السلام فهو الأيقونة الخفية والبوصلة التي كانت ومازالت توجهني إلى المسار الصحيح. كان تخصصي في الأدب العربي مهما جدا، لأنني عندما كنت علمية كنت أنظر نظرة استصغار للأدبِيين، لأننا في بلدنا مثل كل العالم العربي يتخصص المتفوقون في الطب والهندسة في حين يتخصص من من هم أدنى معدّل في الأدب العربي ؛ ولكنني عندما دَرّسْتُ الأدب أحببته، وكنت أعتقد أنه سهل ولكنني وجدته صعب جدا؛ فلابد للمتعلم أن يغوص في أسرار اللغة والأدب والمناهج النقدية كي ينجز رسالة أكاديمية مميزة، فالأدب ليس سهلا كما يعتقد معظم الناس ،بل هو علم ككل العلوم الأخرى وميزته أنه يصنع الإنسان، و التخصصات الأخرى تخدم الإنسان فالطبيب يعالجه والمهندس يصنع له الآلات والمعماري يصنع له بيتا، في حين أن الأدب يصنع الفكر، ويعلّمنا كيف نتكلم في المحافل العلمية، ويعلّمنا كيف نعبّر عن أفكارنا وندافع عن أوطاننا بأقلامنا، ويعلمنا كيف نستثمر تراثنا لنستشرف مستقبلنا هنا تكمن أهمية اللغة والأدب، فالأدب يبني الواقع الجميل ويصنع الممكنات، فيتحول الحلم إلى حقيقة، ومن شدة حبّي للأدب تخصص ابني عبد الله وابنتي رحمة الله في الأدب وهما الآن في إطار إنجاز أطروحة الدكتوراه، أما هيبة الله فناقشت الدكتوراه في إدارة الأعمال والتنمية المستدامة، وهي متعاقدة الآن مع جامعة جازان بالمملكة العربية السعودية. نصيحتي لكل الشباب أن لا يتخصصوا في الأدب إلا إذا كانوا يحبونه، لأن الحب يولّد الاجتهاد والمثابرة، وأن لايدرسوه مفروضا عليهم لأن معدّلهم لم يسعفهم لانتقاء التخصص المرغوب. وفي الحقيقة شباب اليوم لا حول لهم ولا قوة في اختيار التخصص، لأنهم مجبرون على الدخول في مسار معين، وتلك هي المشكلة ،فالشباب في مرحلة الباكالوريا يبنون صرحا من الأحلام ولكن سرعان ما تتلاشى ليصطدموا بالواقع، وشباب اليوم خاصة الطلبة لا يقبلون الأدب، ولا يُقبلون عليه ؛ لذلك نجد المدرجات في الجامعات الجزائرية بخاصة مليئة بالطالبات. فأصبح تخصص الأدب مؤنثا. ولا تستطيع أن تقنع شباب اليوم بتخصص الأدب لأنهم يبحثون عن تخصصات تساعدهم في سوق العمل، ونادرا ماتجد طالبا مقتنعا بهذا التخصص، ومع ذلك فقد كنت أوجه لطلبتي نصائحَ بأن أستاذ الأدب العربي مثله مثل أستاذ الرياضيات وأستاذ الفيزياء وأستاذ الإعلام الآلي ؛يتقاضون الراتب نفسه، بل إن راتب أستاذ الجامعة عندنا في الجزائر أكثر من راتب الطبيب في المستشفى. ولكن الطلبة في الجامعة يخافون المستقبل، بل إن الإحباط يحيط بهم لأن واقع بطالة الشباب الذين تخرجوا قبلهم فرض عليهم هذا الإحساس.

المجلة الثقافية : التدريس في الجامعة والمشاركة في التعليم والتنمية الاجتماعية والثقافية والمحاضرات والكتابة و التأليف هذه الرحلة الممتعة وما صاحبها من تحديات وصعوبات ماذا قدمت للدكتورة شادية؟ وما أهم الإنجازات والإصدارات التي صدرت؟ وكيف تتلقى أستاذة النقد النقد من الأسرة والجامعة في الإصدارات والمؤلفات ؟

درست كتابي “الخطاب الشعري في ديوان مقام البوح” كمشروع نقدي

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: كنت أستاذة في مدرجات الجامعة أقدم مادتي بحب متعلقة بطلبتي وهم متعلقون بي .  
– شاركت في العديد من الملتقيات الوطنية والدولية- منذ أن كنت طالبة في مرحلة الماجستير إلى يومنا هذا- في الجزائر ،تونس ،ليبيا ،المغرب ،الأردن ، سوريا ،مصر، الكويت ،المملكة العربية السعودية.
– نشرت أكثر من ستين (60) مقالا في مجلات دولية ووطنية محكمة.   
– ألفت مجموعة من الكتب :
– الخطاب السردي في أدب ابراهيم درغوثي ،دار سحر للنشر،تونس2005.
– خطاب الحداثة في الشعر التونسي المعاصر ، ،دار اشراق للنشر ،تونس 2009.
– سيميائية الخطاب الشعري في “ديوان مقام البوح “، عالم الكتب الحديثة اربد-الأردن2010.
– سلطة النص بين المبدع والمتلقي في القصة القصيرة جدا السعودية “رياح واجراس للقاص فهد الخليوي “مدار الكتاب الرياض، المملكة العربية السعودية،2011.
– سيرورة الدلالة وإنتاج المعنى في الأدب السعودي المعاصر، منشورات كرسي الأدب السعودي، مطابع دار جامعة الملك سعود2016.
– الرفض في الرواية السعودية المعاصرة كتاب مُحَكَّمْ ، الانتشار العربي بالشراكة مع نادي الباحة2017.
– تجليات يوسف عليه السلام في الشعر الحديث والمعاصر، مقاربة موضوعاتي ،تحت الطبع.
– موسوعة النقد الحداثي وجماليات الإبداع الأدبي مقاربات ومناهج سيصدر قريبا عن دار ابن بطوطة للنشر والتوزيع،عمان، الأردن.
قدم العديد من طلبة الماجستير والدكتوراه دراسات حول كتبي في مجال نقد النقد، خاصة في جامعة خنشلة، وتطرقوا إلى المنهج السيميائي الذي اتبعته في تحليل الإبداع الشعري والسردي، كما قدمت الباحثة بن ضحوى خيرة رسالة دكتوراه متخصصة في النقد المعاصر في جامعة سيدي بلعباس بعنوان “سيميائية الخطاب الشعري في النقد العربي”، وقد درست كتابي “الخطاب الشعري في ديوان مقام البوح” كمشروع نقدي مع مشروع الدكتور عبد الملك مرتاض والدكتور صلاح فضل والدكتور محمد مفتاح والدكتور محمد صابر عبيد، وكانت دراستها مميزة حيث استطاعت أن تتبع هذه التجارب النقدية التي من ضمنها تجربتي. وكذلك توجد دراسات عن كتبي في العراق، اكتشفت ذلك من الخلال البحث في قوقل.

المجلة الثقافية الجزائرية: عرف المنهج السيميائي في العقود الأخيرة من القرن العشرين تحولات عدة في التعاطي مع الخطاب الشعري الحديث على وجه الخصوص، وهذا ما أثار العديد من الإشكالات في كيفية مقاربة النص الأدبي مقاربة واعية على مستوى الأدوات الإجرائية، أو على مستوى التأويل واستنطاق النص بشكل لا يفسد من دلالة المعاني الحقيقية للبنى العميقة، ومن هنا كان نقد “الخطاب الشعري الحديث والمعاصر” من القضايا النقدية الهامة التي تناولها الناقدون، في ظل المنهج السيميائي الممارس في تحليل كيف ترى الدكتورة الحركة النقدية في الجزائر في العالم العربي؟ وكيف يمكن مقاربة هذا المنهج مع منتجات الحضارة الغربية والعقل العربي المحب للشعر والنثر على حد سواء ؟

لدينا نقاد درسوا في الغرب ونقلوا هذه المناهج إلى الجزائر

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: الحركة النقدية في الجزائر بدأت في سبعينات القرن الماضي، ولدينا نقاد درسوا في الغرب ونقلوا هذه المناهج إلى الجزائر والعالم العربي ومنهم من تعلم من الكتب النقدية الغربية وأسسونا، نذكر منهم د.عبد الملك مرتاض ود. رشيد بن مالك ود.عبد الحميد بورايو، عبد القادر فيدوح السعيد بوطاجين وغيرهم…، كانوا من الأوائل الذين كتبوا وقاربوا النصوص في ضوء المنهج السيميائي كما كانت مهمتهم تأطير طلبة منفتحين على الحداثة وما بعد الحداثة ،ونجمت عن ذلك مؤلفات وأطروحات عديدة ،وبالتالي نشطت الحركة النقدية الأكاديمية في الجزائر؛غير أننا لا نُسوّقُ لأنفسنا ،لذلك قد تسمع بنقاد في المغرب وتونس ولا تسمع بنقاد الجزائر، ولكن عندما تطورت وسائل التواصل الإلكترونية، بدأ النقد الجزائري ينتشر من خلال تلك الأطروحات الجامعية التي توضع على المنصات الإلكترونية للجامعات الجزائرية، كما ظهرت مؤلفاتهم من خلال الكتاب الإلكتروني. أما بالنسبة لتطبيق هذه المناهج فإنه لا مفر منها لأن الطريقة التقليدية في تحليل النصوص لم تعد صالحة ،فأليات هذه المناهج تكشف عن شعرية النص في أبعاده الغائرة ، فقد أثبتت نجاعتها على النصوص العربية الحديثة، وبعض النصوص القديمة غير أن خصوصية النص العربي أحيانا تفيض على المنهج فبعض المناهج كالمنهج السيميائي مبني على التضاد والصراع ومنطق القوة والاتصال والانفصال ولكن بعض النصوص العربية القديمة مبنية على التسامح، لذلك أحيانا لا نستطيع تطبيق جميع آلياته لخصوصية النص العربي. يختلف التفكير الغربي عن منطق التفكير العربي ولاشك في أن مناهجهم لها منابت فلسفية تختلف عن عقيدنا تماما، فالبنية المفاهمية الغربية ترتكز على البراغماتية كما أنها مبنية على الصراع والقوة والاتصال والانفصال والانتصار والهيمنة وتسمي ذلك تنافسا، وشكّلت نصوصها وفقا لهذا التصور. في حين أن البنية المفاهمية العربية الإسلامية مستمدة من عقيدتنا السمحاء تؤمن أنه بعد الصراع يكون التسامح والمحبة والإيثار، لذلك نجد بعض النصوص السردية القديمة لا تستجيب لمعظم آليات المنهج السيميائي، لأنها تبدأ باتصال وتنتهي باتصال. أما النصوص الشعرية الجاهلية فتستجيب لهذا المنهج، وبما أن المعارف إنسانية في اعتقادي لابد من توسيع هذا المنهج ومحاولة تطويعه لصالح النص العربي طالما نستخدم آلياته فقط بغض النظر عن منابته الفلسفية.

المجلة الثقافية: (الخطاب الشعري في ديوان مقام البوح لعبد الله العشي) كان العنوان لإطروحة الماجستير دراسة سيميائية و(يوسف في الشعر العربي الحديث والمعاصر) (دراسة موضوعاتية) كانت رسالة الدكتوراة على التأطير والتأصيل للمنهج الأدبي السيميائي في الدراسة للنصوص الشعرية والقصصية والرواية صنع الرؤيا النقدية العميقة كيف تطورت الدكتورة من الأدوات النقدية التي ساعدتها في التفاعل مع المنتجات الأدبية للشعراء والروائيين؟

انفتح الباحث العربي على البنيوية والأسلوبية والبنيوية التكوينية والسيمائية، والتداولية والحجاج والبلاغة الجديدة والاستعارة المعرفية

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: كذلك تكمن ضرورة هذه المناهج في التواصل المعرفي بين العرب والغرب ؛لأن المعارف إنسانية. وكل معرفة جديدة تضاف إلى حلقة المعارف الإنسانية المتسلسلة منذ أن بدأ الإنسان في التفكير والتطور، ولاشك في أن ذلك شغف الباحث العربي في ايجاد طريقة لتحليل النصوص بالإضافة إلى تطور الأجناس الأدبية وتداخلها واتساع الصور الشعرية واحتوائها لاستعارات موسّعة ممتدة وهي صور تختلف تماما عن الصور الشعرية القديمة (التشبيه والاستعارة والكناية) أدى هذا الأمر إلى البحث عن نقد جديد وعن بلاغة جديدة متمثلة في بلاغة النص المعاصر، فكانت المناهج النقدية الملاذ، وانفتح الباحث العربي على البنيوية والأسلوبية والبنيوية التكوينية والسيمائية، والتداولية والحجاج والبلاغة الجديدة والاستعارة المعرفية، وكلها آليات منهجية نسقية وسياقية تبحث في بلاغة النص المعاصر وليس عيبا أن نأخذ من هذه المناهج ما يَفِي بأغراضنا وما يتماشى مع خصوصيتنا وخصوصية النص العربي. تماما مثلما نستخدم السيارة والطائرة المصنوعة في الغرب؛ والمهم في كل ذلك أن نصل إلى أهدافنا. انفتحت على المناهج النقدية المعاصرة عندما كنت طالبة في جامعة باجي مختار بعنابة وكنت أميل إلى التأويل ،لذلك أنجزت مذكرة الليسانس بعنوان “معركة التأويل بين القدماء والمحدثين” وازداد شغفي بالمناهج الحداثية في مرحلة الماجستير، وكنت أجد صعوبة في مقاربة النصوص فاعتكفت على التعمّق في المنهج السيميائي والنقد الأسطوري والتناص فكان همي استنطاق النصوص بهذه الآليات؛ وقد اخترت في مساري الأكاديمي مدونة الشعر، لما يتميز به من تكثيف دلالي يتطلب إمعان النظر وآليات إجرائية لتفجير المعاني الخفية وتأويلها ،فتخصصت في سيماء الشعر ،والأمر نفسه في الدكتوراه حيث طبقت المنهج الموضوعاتي على المدونات الشعرية من أجل حصر المواضيع التي استلهمها الشعراء من قصة يوسف واستعنت آليات النقد الأسطوري وهي آليات تناصية تقيس شعرية النصوص، وتقارن بينها. وبقيت وفية للمنهج السيميائي في معظم مقالاتي ومداخلاتي وحاولت تطوير آلياتي بتطبيق التداولية والحجاج والتداولية المدمجة، أما بالنسبة للسرد فكانت دراستي له ذاتية وكان ديدني تطبيق سيمياء السرد (سيمياء غريماس)؛ لأنني أؤمن أن التطبيق هو الذي يوسع المدارك وحاولت أن أطبق هذا المنهج على الروايات والقصص والنصوص التراثية كي أعرف مدى استجابة النص العربي للمناهج الغربية، فعكفت على قراءة القصص والروايات وطبقت عليها المنهج السيميائي ،والتناص بحثا عن شعرية النص وجماليته، وقد كشفت لي تلك الآليات الإجرائية عن مناطق غائرة في النصوص ماكنت لأكتشفها بالطريقة التقليدية. طبقت على السرد الجزائري والتونسي والسرد السعودي

المجلة الثقافية الجزائرية: رحلة التعليم في الجامعات العربية خارج جمهورية الجزائر والتعاقد مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكلية الآدب ثم جامعة جازان في المملكة العربية السعودية كيف تقيمين هذه التجارب؟ وكيف كان أثرها على فتح آفاق جديدة وتجارب جديدة للدكتورة؟ وكيف وجدت الطلاب والطالبات في التعليم في المملكة العربية والسعودية؟ وأين تقف الجامعات العربية في هذا التخصص؟

تجربة تدريسي في الجامعات السعودية من التجارب التي أعتز بها جدا

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: كانت رحلة التعليم في الجامعات العربية ثرية جدا حيث تعاقدت مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ودرست مع أساتذة كبار كالدكتور محمد القاضي من تونس والدكتور سعيد يقطين من المغرب والدكتور صالح بن رمضان والدكتورة زاهية جويرو من تونس؛ حيث كنا نقدم لقاءات علمية في النادي الأدبي بالرياض وورش عمل في تحليل النصوص، ومداخلات علمية في التخصص، كما كان للنقاش الفعال في مجلس القسم حول خطط الطلبة والطالبات الدور الكبير في الاطلاع على انفتاح البحث العلمي وكيفية التفكير في كل بلد ومثلما أفدت استفدت؛ فوسَّعت النقاشات واللقاءات العلمية مع هذه المجموعة من مداركي المعرفية أكثر فعكفت على القراءة والتأليف، فألفت ثلاثة كتب عن الأدب السعودي. الرفض في الرواية السعودية حيث تتبعت فيه موضوع الرفض بنيويا من خلال الوقوف على بنية السرد وفنيات توظيف الموضوع وطرائق عرضه سرديا ثم طبقت المنهج السيميائي على موضوع الرفض من أجل استبطان الدلالات الخفية وما يقوله النص ثم انتقلت لمعرفة الأنساق الثقافية التي أدت إلى موضوع الرفض من خلال تطبيق مقولات النقد الثقافي؛ وبما أن المنهج الموضوعاتي يتيح التوسل بكل المناهج فقد حاولت أن أطبق تلك المناهج من أجل الإحاطة الشاملة بكل حيثيات الرواية والموضوع الباني لها، كان هذا الكتاب محكما ضمن مشاريع البحث التي تفتحها جامعة الإمام أمام الأساتذة كل سنة .كما ألفت كتابا آخر عنوانه سيرورة الدلالة وإنتاج المعنى في الأدب السعودي، وقد جمعت فيه كل مقالاتي التي أنجزتها عن الأدب السعودي، كما ألفت كتابا حول القصة جدا لفهد الخليوي وسمته بسلطة النص بين المبدع والمتلقي في القصة السعودية القصيرة جدا. كانت تجربة تدريسي في الجامعات السعودية من التجارب التي أعتز بها جدا، ومازلت أعتز بها؛ لأنها فتحت لي آفاق عديدة. أما بالنسبة لطلبة العلم في المملكة العربية السعودية فهم كغيرهم من طلاب العالم العربي، يسعون إلى المعرفة، ويحاولون اقتناء الكتب الكثيرة، ويحتاجون إلى من يوجههم، فشغف المعرفة ديدنهم؛ يحاولون الانفتاح على المناهج الحديثة التي لم تكن مستساغة في المملكة العربية السعودية في فترة من الفترات، ومع ذلك فقد طبقوا على رسائلهم وأطروحاتهم المنهج السيميائي والبنيوي والتداولية والحجاج، وسايروا الركب، لأن وتيرة المعرفة في العالم متسارعة جدا، ولأن المملكة استقطبت أساتذة من المغرب العربي الكبير ومن العالم العربي والغربي من أجل توسيع آفاق المعرفة والبحث العلمي.

المجلة الثقافية الجزائرية: في دراسة (ظاهرة الأدب السعودي شعراً ونثراً الحديث والمعاصر) لمعت شخصية الأستاذة الدكتورة شادية شقروش وتغذتْ في النواحي الفكرية والإبداعية النقدية فيه.. فكيف انعكس ذلك على أفق وعوالم أستاذة النقد والأدب؟ وهل أثرت على خطاها في التأليف والكتابة؟ وما تقييمكم للشعر والقصة في منطقة جازان؟

استطاعت الأندية الأدبية أن تلعب دورا مهما في تنشيط الحركة الأدبية في المملكة

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: اختزل الأدب السعودي الزمن واخترق الآفاق في الآونة الأخيرة وتطوّر تطورا بارزا إنْ على مستوى التقنيات أو على القضايا المحلية والإنسانية من حيث المواضيع المطروحة في الساحة ولذلك أثناء اطلاعي على الأدب السعودي وجدت بونا شاسعا بين البدايات الأولى للأدب السعودي المحتشم وبين الراهن الذي أصبح أكثر انفتاحا وجرأة، نذكر من ذلك على سبيل المثال :الفردوس “اليباب” و”جاهلية” لليلى الجهني ،كذلك أنثى العنكبوب لقماشة العليان، ما كتبه عبده خال وغازي القصيبي ومحمد حسن علوان وزينب حنفي وعائشة الحشر وغيرهم من الروائيين الذين كسروا الثلاثي المقدس من الطابوهات المعروفة (الدين والسياسة والجنس). تعمقت عظم الروايات السعودية في قضايا المجتمع وطرحت قضية المرأة التي لا تتزوج إلا من الأقرباء، وقضية الأعراف والتقاليد، وقضية التمييز بين الأبيض والأسود، وقضايا عديدة كانت تشغل المجتمع السعودي وكان لابد من معالجتها، ففجرت الرواية السعودية المكبوت ،ولعل الانفتاح الذي وصلت إليه السعودية اليوم ورؤية 2030 قد حقق الكثير من التطلعات التي كانت تطرحها الرواية السعودية. أما بالنسبة للشعر فالمملكة العربية السعودية مهد الشعر والشعراء، من الجاهلية إلى يومنا هذا وقد تدرج الشعراء من القصيدة الموزونة المقفاة إلى شعر التفعيلة إلى القصيدة الومضة، وقد أبدع الشاعر السعودي في معظم الأشكال الشعرية، وما لاحظته أنه توجد منافسة كبيرة بين الشعراء في إبراز قدراتهم الفنية، وقد انخرطوا في التجديد على مستوى الرؤية وعلى مستوى البنية، ومن بين هؤلاء نذكر أول المجددين :الشاعر محمد الثبيتي، ثم تلاه العديد من الشعراء؛ كالشاعر جاسم الصحيح، محمد إبراهيم يعقوب، حسن محمد حسن الزهراني، أحمد قران الزهراني، سلطان السبهان، عبد الله الفيفي، عبد الله بن سليم الرشيد، غازي القصيبي الذي جمع بين الرواية والشعر، وغيرهم من الشعراء، ولعل من يدخل تويتر سيجد أعدادا هائلة من الشعراء المميزين الذين لم تصل إليهم أقلام النقاد، فالمنافسة شديدة، ومسالك البروز صعبة؛ ومع ذلك استطاعت الأندية الأدبية أن تلعب دورا مهما في تنشيط الحركة الأدبية في المملكة ،كذلك ما حققته المهرجانات كمهرجان سوق عكاظ، الجوائز الأدبية، كل هذه الأمور أدت إلى ازدهار الأدب وتجديده في المملكة. أما بالنسبة لمنطقة جازان فهي بلدة الشعر والشعراء وكتاب القصة، ومهما ذكرنا من أسماء فلن نحصيهم ،فالشاعر القدير محمد الحربي، حسن بن عبده الصميلي، محمد حبيبي، حسن الصلهبي محمد إبراهيم يعقوب شاعر عكاظ ،الشاب إياد حكمي أمير الشعراء وغيرهم، ومن كتاب القصة نذكر حسن حجاب الحازمي وغيرهم الذي برز قاصا وناقدا أكاديميا.

المجلة الثقافية الجزائرية: الاهتمام بالنقد والتخصص فيه لا شك أنه يصنع تصوراً خاصاً ورأياً مختلفاً عن ما يُدرس من المناهج والمدارس النقدية فكيف ترى أستاذة الأدب والنقد هذه المدارس الأدبية المختلفة والمتباينة في نماذج الأدب العربي المعاصر؟ وكيف ترى القصيدة في الشعر العربي اليوم وهل الصراع بين محبي الشعر والنثر (القصة والرواية) ما زال قائماً؟ وما مدى تأثر المتلقي بالأجناس الأدبية المختلفة؟ وهل هناك مقاربات بين الشعر العربي بين الأقطار كما تحدثتي عن مقارنة ومقاربة بين الشعر الجزائري والشعر التونسي؟ وهل نستطيع القول أن لدينا: مدرسة أو منهج نقدي عربي خاص بنا ندرس النصوص الأدبية بناءً عليه وهو ملزم للجميع؟

التداخل الأجناسي والتناص من بين القضايا البارزة فهو أداة بانية للشعر العربي والرواية والقصة

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: يعد الشعر المغاربي (الجزائر وتونس والمغرب) بخاصة والعربي بعامة منفتحا على الأجناس الأدبية المختلفة، ولاشك في أن التداخل الأجناسي والتناص من بين القضايا البارزة فهو أداة بانية للشعر العربي والرواية والقصة؛ فعندما يستحضر المبدع شهرزاد من قصص ألف ليلة وليلة أو يستحضر أسطورة سيزيف، أويستحضر قصة من التاريخ ويبني عليها متخيله الشعري أو السردي، فإنه يمزج بين تلك الأجناس التي استحضرها من سياقات شتى ويقوم بتذويبها في سياق نصه فيغدو النص منسجما، لأن استحضار النصوص السردية والشعرية لها سياقاتها الخاصة في نصوصها الأصلية ولكن المبدع يفرغها من دلالتها الأصلية ويشحنها بدلالات أخرى تتماشى وسياقه وموقفه الاجتماعي. ولذلك انفتحت الأجناس على بعضها؛حيث تداخل الشعر بالسرد والعكس؛ ومع ذلك فقد حافظ كل جنس أدبي على خصوصيته ى وبنيته الخاصة ، فعندما تُبنى القصيدة على نص حكائي، فإنها تحافظ على الإيقاع الداخلي أو الخارجي والصورة الشعرية، ولا يمكن أن تذوب خصوصية الجنس بتداخله مع الأجناس الأخرى، ولذلك في اعتقادي لم تستمر قصيدة النثر في الظهور، ولم تلق رواجا إلاّ في بداية ظهورها ولن يستطيع أن ينظم قصيدة النثر إلا المقتدر العارف بخفايا الشعر ومع ذلك لا تستطيع أن تقول عنها قصة بل هي قصيدة، فروح الشعر المندسّ في تضاعيفها يصل إلى المتلقي على الرغم من امّحاء الحواجز. أما بالنسبة للنقد فقد كانت لدينا مدرسة ومنهج نقدي قديم في عصور مضت حيث تحول النقد إلى بلاغة، وتوقف العطاء العربي .أما اليوم فلا توجد لدينا مدرسة أو منهج نقدي عربي خاص بنا ، لأننا نستخدم المناهج الغربية المعاصرة التي استحدثت نظرا لتغير الأجناس الأدبية. قديما كانت البلاغة تفي بالغرض لأن الصورة الشعرية كانت تهتم بالكلمة والجملة أما اليوم فقد تغير الوضع فأصبح الناقد يبحث عن بلاغة النص وينظر إليه على أنه جملة كبيرة ،فكيف سيتعامل مع الآليات القديمة التي لم تعد تفي بأغراضنا ،فكان لابد من اتباع المناهج الغربية. دعني أقول لك مع احترامي لرأيكم ولشخصكم الكريم: إننا لا ينبغي أن نفصل بين العرب والغرب في المعارف الإنسانية فهي حلقات أسهم فيها العرب والغرب،على حد سواء، فعندما طوّر أرسطو البلاغة في العصر اليوناني جاءت عصور الانحطاط فقُبرت كتبه تحت الأرض بسبب رفض الفلسفة في تلك العصور .وعندما جاءت الحضارة الإسلامية استخرج المسلمون تلك الكتب التي كانت مدفونة تحت الأرض ثم درسوها وكانت سببا في تطور النقد والبلاغة العربية، ووصلت البلاغة العربية قمة التطور في القرن الخامس الهجري مع الجرجاني ونظرية النظم، وكان الغرب يدرسون عندنا في الأندلس، فأخذوا تلك المعارف وطوّروها ومنذ سقوط الحضارة الإسلامية والغرب يتدارسون معارفنا في شتى المجالات الطب والهندسة والفلك والنقد.. إلخ، بل كان نشاطهم متسارعا إلى يومنا هذا. فتشومسكي صاحب النظرية التوليدية التحويلية درس عن الجرجاني؛وغيره من العلماء أصحاب النظريات، إذن فالمعارف الإنسانية تراكمية ولا يمكن أن تُبنى المعرفة من فراغ، والبحث في بلاغة جديدة للنص أدى بالغرب منذ -ظهور كتاب دوسوسير (اللسانيات العامة) إلى يومنا هذا- إلى البحث في بلاغة جديدة للنص الأدبي، فاستحدثوا المناهج النقدية الحديثة من الأسلوبية إلى الحجاج. ولذلك لا نستطيع أن نفصل بيننا وبينهم لأنهم اتكأوا على معارفنا مثلما نفعل الآن وتبقى المعرفة العربية حلقة ضمن سلسلة المعارف الإنسانية، وليس معنى ذلك أنه لا توجد محاولات في تجديد المنهج العربي، بالعكس لدينا الدكتور الفيلسوف طه عبد الرحمن من المغرب حاول في جميع كتبه :- تجديد المنهج في تقويم التراث، والتكوثر العقلي وغيرها من الكتب- أن يطور آليات عربية المنبت من أجل الوصول إلى منهج خاص يؤطر الخصوصية العربية ومن بين النقاد الجزائريين نجد الدكتور حبيب مُونسي ،الذي يحاول ابتكار طريقة خاصة في تحليل النصوص ويسعى لخلق منهج خاص بنا.

 المجلة الثقافية الجزائرية: من خلال المشاركات المختلفة والإصدارات الأدبية هل الشعر و النثر والنقد اليوم بخير؟ وهل استطاعت المرأة الشاعرة والناثرة والناقدة أن تنقل الصورة كاملة لبنات جنسها وتتعايش مع همومهن وآمالهن؟ وهل لكم دراسات أو بحوث في المرأة الشاعرة والقاصة؟

الأدب يخلق العالم البديل، العالم الموازي

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: نستطيع أن نقول أن الشعر والسرد في الوطن العربي بخير، أما النقد فهو بين مدّ وجزر. أما السؤال الأخر :فلا فرق عندي بين الشاعر والشاعرة وبين القاص والقاصة، بل الفرق في وجهات النظر، وهذا الاختلاف تجده بين كاتب وكاتب آخر ،فقد تتحدث المبدعة عن هموم الوطن مثلما يتحدث المبدع، قد يتكتب الرجل عن المرأة والعكس ،وفي اعتقادي هذا التفريق جاءنا من الغرب بسبب نظرتهم إلى المرأة وتصورهم العقائدي عنها .
فهموم المرأة إذا نقلها الأدباء في ابداعاتهم أكثر من الأديبات، أما بالنسبة للنقد فإنه يتعامل مع النصوص ومع اللغة أي مع النسق اللغوي الحامل للإبداع ويبرز جماليات المتخيل، وقد يفرق النقد بين الواقعي والتخييلي ولكنه لا يعتبره واقعا متطابقا مع الواقع الحقيقي، فالأدب يخلق العالم البديل، العالم الموازي وما يجب أن يكون أو الممكن والنقد يضيء ذلك الممكن يخرجه من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. أما بالنسبة للدراسات النقدية حول الأديبات فقد قاربت روايات ليلى الجهني وعائشة الحشر وقماشة العليّان وغيرهن من الأديبات السعوديات، فوجدت كتاباتهن أكثر جرأة لأن عوالمهن البديلة تأسست على نقد الواقع، العادات والتقاليد، وبعض الأعراف الاجتماعية في تعاملها مع القضايا المرتبطة بالمرأة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف ننمي حاسة الذوق الفني النقدي عند الأطفال ؟ وكذلك عند المبدعين المنتجين للإبداع الذين يرون أن النقاد شركاء لهم في إيصال المعاني إلى المتلقي ؟

تنمية الذوق الفني لدى الطفا تكون بتنشئته على قراءة القصص

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: بالنسبة للطفل فإن تنمية الذوق الفني لديه تكون بتنشئته على قراءة القصص كأن تقرأ عليه أمه كل ليلة قصة عندما يكون صغيرا غير قادر على القراءة، وعندما يذهب للمدرسة تستمر والدته بتنمية فعل القراءة لديه فإذا شبّ على هذه العادة ستتوسع مخيلته ويصقل ذوقه، كذلك الأمر بالنسبة لقصص الميديا لابد من مراقبة الوالدين للقصص التي تعرضها القنوات، فالقصة سلاح ذو حدّين، فعندما تتشكل لديه ذائقة أدبية سيقع في المقارنة بين القصص التي قرأها فتتشكل له ذائقة نقدية فعقل الطفل خلاّق، أما بالنسبة للمدرسة فلابد من مسرحة القصص والحكايات، لأن تعوّد الطفل على التمثيل أم المعلم والمدير وزملائه، سيشجعه على قراءة القصص ويفتح له آفاق التخييل والثراء اللغوي .

المجلة الثقافية: تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وسهولتها في إيصال الفكرة والقصيدة والمقالة وأثرها على المتلقي كيف ترى ذلك الدكتورة ؟ وهل ساهمت في صناعات متلقي جديد ووسعت دائرة التأثير؟ وهل أصبح المتلقي ناقداً محترفاً؟

المتلقي الجديد دخل في متاهة كبرى لا يستطيع الخروج منها إلا بمرشد يرشدة إلى الانتقاء والسير بحذر لكي يستطيع أن يستفيد معرفيا

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: إن تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول إلى الأفكار وإلى المقالات والدواوين والروايات بصفة عامة قد فتح الباب على مصراعيه، واختلط المميز بالرديء، فاحتار المتلقي الجديد في هذا الثراء المتدفق، ولذلك يحتاج هذا التراكم الأدبي والنقدي إلى غربلة، لأن المتلقي الجديد دخل في متاهة كبرى لا يستطيع الخروج منها إلا بمرشد يرشدة إلى الانتقاء والسير بحذر لكي يستطيع أن يستفيد معرفيا. وبسبب تنوع هذه الوسائل تنوعت أشكال المتلقين، وكثرت الهسهسة وكثر النقد غير المؤسس في مواقع التواصل وضاع المتلقي الناقد المحترف وسط هذا الركام .

المجلة الثقافية: يعيش العالم اليوم جائحة (كوفيد 19) كورونا وقد تركت أثراً كبيراً في سكان الأرض.. فهل لها من إيجابيات على الحركة الأدبية والنقدية؟ وكذلك هل لها آثار إيجابية على المجتمعات؟ والمنتجات الثقافية ؟ وكيف ترين المستقبل بعد الجائحة؟

 التطور التكنولوجي جعل الإنسان ينتصر بالخروج من قوقعته عبر منافذ التواصل الافتراضي

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: على الرغم من أن جائحة كورونا قد حصدت أرواحا كثيرة وسجنت البشرية في بيوتها، إلا أن الإنسان بطبعه يكره التسييج ويسعى إلى التواصل والانفتاح؛ ونظرا للتطور التكنولوجي المتميز في العالم برمّته فقد انتصر الإنسان بالخروج من قوقعته عبر منافذ التواصل الافتراضي، التي كان يستخدمها سابقا لذلك انعكست جائحة كورونا ايجابيا على الحركة الأدبية والنقدية، حيث ابتكر الإنسان منصات الزوم ((zoomوقوقل ميت google meet) ) والبلاكبور وغيرها، من وسائل التواصل الفعال وخرج من قوقعته المفروضة عليه؛ فنشطت المهرجانات الشعرية واللقاءات الأدبية والنقدية والصالونات الثقافية والمؤتمرات المتخصصة عبر المنصات الافتراضية، بل إن هذة المنصّات جمعت بين مثقفي العالم العربي والغربي في لقاء واحد، فكانت نسبة حضور المثقفين والأدباء في هذه اللقاءات كبيرة جدا، والنقاشات ثرية جدا. كما ألّف المبدعون شعرا وسردا كثيرا حول هذه الجائحة وحول قضايا عديدة .
انعكست هذه الجائحة أيضا على المجتمعات الذين وجدوا منفذا آخر للتعليم فتكوّن التعليم الإلكتروني وقاعات التدريس الافتراضية بديلا عن التعليم المباشر ،ولم تتوقف عملية التعليم ولا اجتماعات مجالس القسم والكلية والجامعة. اتكلم من واقع عشته في المملكة العربية السعودية فجامعاتها كانت متطورة في مجال التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد قبل جائحة كورونا فاستثمرته في الجائحة ،كما أن العالم العربي حاول تطوير هذا التعليم الافتراضي بشتى الوسائل ، ولاشك في أن هذا الأمر سوف يكون له مردود ايجابي بعد انتهاء جائحة كورونا ومن هذه الإيجابيات:
أولا: يستطيع الأستاذ أن يقدم درسه مهما إن اعترضته الظروف، فمشكل الغياب وضياع الدروس في اعتقادي لم يعد مطروحا؛ وبالتالي لن تضيع الدروس عن الطلاب.حتى لو غاب الطالب نفسه ،لأنها سوف تكون مسجلة على المنصة يستطيع سماعها في أي وقت ولا حجة له بعد ذلك.
ثانيا :تستطيع الجامعات العربية أن تستقطب الكفاءات في مجالات التخصص المرغوبة وتستطيع أن تستفيد من العلماء عن بعد خاصة في المجالات النظرية دون تكاليف باهظة
ثالثا :تستطيع الجامعاتأن تقيم الندوات والمؤتمرات عن بعد دون أن خسائر مادّيةوقد شاركنا في ملتقيات في الهند عبر منصة الزوم .
رابعا :تستطيع الجامعات العربية أن تشكل شراكات بحثية وتبادل الخبرات بين الأساتذة ،وتبادل تأطير أطروحات الدكتوراه ومناقشتها عن بعد.
هناك مزايا عديدة جاءت بها جائحة كورونا وغيرت من مستوى تفكيرنا المنصبّ على اللقاء المباشر فحلت محله اللقاءات الافتراضية صوتا وصورة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الطموحات والمشاريع التى تعمل عليها الدكتورة هذه الأيام في مجال التخصص والأدب والنقد … وسوف ترى النور قريباً؟ وكونكم تمثلون عضو في المجلس الأعلى للمرأة الذي أسس في 7مارس2007.
– عضو في اتحاد الكتاب الجزائريين ، جوان 2009
– عضو شرفي في اتحاد الكتاب التونسيين، سبتمبر2009
– مشرفة على الدراسات النقدية في منتدى أوراق ممطرة ؟
هل هناك ملتقيات وبرامج ومشاريع تخدم هذه الجهات التي تمثلونها؟

استثمرت مواقع التواصل الاجتماعي في التواصل مع شريحة كبيرة من طلبة العلم والباحثين في الوطن العربي

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: كنت عضوا في المجلس الأعلى للمرأة، ولكنني ابتعدت عن السياسة ايمانا مني أن البحث الأكاديمي والاهتمام بشريحة الطلبة أنبل مهنة في الوجود. فعكفت على النشاط العلمي والإنتاج العلمي .
كنت عضوا شرفيا في اتحاد الكتاب التونسيين، كوني اشتغلت كثيرا على الأدب التونسي لأنني كنت كل أسبوعين أشارك بمداخلة عن الأدب التونسي؛ ويعود الفضل في ذلك إلى الروائي الكبير إبراهيم درغوثي الذي أهداني رواياته، عندما استضافته جامعة تبسّة ممثلة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في إطار النشاط الثقافي للقسم الأدب، وفي الحقيقة كان هذا الروائي يوجه دعوته لجميع الأساتذة الذين تعرّف عليهم في الجزائر للمشاركة في ملتقيات اتحاد الكتاب التونسي، وكان البعض يستجيب وكنت من بينهم فكانت فرصة أنني اطلعت على الأدب التونسي، فخدم هذا الروائي الأدب التونسي شعرا وسردا، لأنه كان يعطينا محاور الندوة ضمن نشاطات اتحاد الكتاب التونسيين ويرسل لنا دواوين الشعر والروايات التونسية وقد أُنجزت مؤلفات كثيرة ورسائل جامعية حول الأدب التونسي في الجامعات الجزائرية بفضل هذا الروائي، وقد جمعت مداخلاتي حول الأدب التونسي في كتابين :الأول : الخطاب السردي في أدب ابراهيم درغوثي ، 2005. وكان أول كتاب لي والكتاب الثاني: خطاب الحداثة في الشعر التونسي المعاصرسنة2009. بدأت بهذه المشاريع مسار حياتي، وكنت مشرفة على الدراسات النقدية في منتدى أوراق ممطرة الذي كانت تشرف عليه الدكتورة كوثر القاضي من السعودية، في زمن لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي متطورة فقرّب هذا المنتدى بين المتباعدين وتعرفتُ فيه على أدباء من الوطن العربي، وقمت بمقاربة بعض النصوص الشعرية والسردية التي كان أصحابها ينشرونها في المنتدى فحلّلت نصوصا لبعض المبدعين السعوديين كالشاعر أحمد قران الزهراني، والقاص فهد الخليوي والقاص مسعد الحارثي، وانفتح مجالي بفضل هذا المنتدى الثقافي إلى الكتابة في جريدة عكاظ، بسلسلة من المقالات التي قاربتً فيها قصصَ فهد الخليوي القصيرة جدا، وهذا ما شجعه على طبع مجموعته القصصية “رياح وأجراس، ثم جمعت تلك المقالات في كتاب وسمته ب:” سلطة النص بين المبدع والمتلقي في القصة القصيرة جدا السعودية “رياح واجراس للقاص فهد الخليوي “الذي صدر عن دار “مدار الكتاب بالرياض، المملكة العربية السعودية سنة2011. ثم تلته دراسات أخرى حول القصة القصيرة السعودية ومنه انفتحتُ على الرواية السعودية والشعر السعودي وانجزت كتابان: كتاب سيرورة الدلالة وانتاج المعنى في الأدب السعودي المعاصر سنة2016، وكتاب الرفض في الرواية السعودية سنة 2017، وحاولت مقاربة الأدب السعودي بكثير من المناهج النقدية المعاصرة. بالنسبة للمشاريع الجهات التي أمثلها فإن تمثيلي الوحيد وشغلي الوحيد في الراهن هو تيسير سبل المعرفة للباحثين. كما استثمرت مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر والواتساب والتلغرام في التواصل مع شريحة كبيرة من طلبة العلم والباحثين في الوطن العربي، وفتحت قناة في التلغرام أقدم فيها دورات في المناهج النقدية لطلبة العلم وركزت فيها التطبيق على النصوص الإبداعية القديمة والحديثة؛ فالباحث العربي في حاجة إلى التطبيق أكثر من التنظير.

المجلة الثقافية : ونحن نصل إلى نهاية الحوار والمقابلة معكم وقد رحلنا في عوالم العالمة الدكتورة الأديبة الكبيرة شادية شقروش … ترغب المجلة الثقافية الجزائرية في كلمة ختامية لكم .

علمتني الحياة أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار البشري

الأستاذة الدكتورة شادية شقروش: الحياة رحلة صعبة جدا ولكنني تعلمت منها أن من جدّ واجتهد وتوكل على الله حسن التوكل في كل أموره سيصل بإذن الله. علمتني الحياة أنه مهما كانت الظروف صعبة لا يجب أن استسلم، ومهما تعثرت لابد أن أقف من جديد، دون كلل أو ملل. علمتني الحياة أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار البشري، ولذلك ركزت هدفي على نجاح أبنائي فنجاح الأسرة من نجاحهم ،والأولاد زهور في حقل المجتمع فإذا انقذنا زهورنا سيفوح المجتمع عطرا. فإن ذبلت تلك الورود، فلك أن تتصور حقلا ذابلا والحديث قياس. علمتني الحياة أن مبدأ العطاء لا محدود، ولذلك لا أبخل بما تعلمته عن طالب العلم؛ لأن البخل في هذا المجال يعطّل المعرفة.
ومبدئي هو :
ازرع جميلا ولو في غير موضعه **فلن يضيع جميل أينما زُرِغَ
إن الجميل وإن طال الزمان به***فليس يحصده إلا الذي زَرَعَ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الأكاديمية الجزائرية الدكتورة شادية شقروش:”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …
    إدارة المجلة الجزائرية الثقافية الموقرة
    كل الشكر والتقدير لكم على نشر هذا الحوار الجميل
    مع الأدبية الأستاذة الدكتورة شادية الطاهر شقروش
    كان الحوار شاملاً وجميلاً وبديعاً مع الدكتورة .
    محبكم وأخوكم الشاعر الدكتور
    سالم بن رزيق بن عوض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق