الموقع

مذكرات المجاهد علي مزوز قراءة في صفحات من تاريخ قرية “يابوس” المنسية

عرض وتقديم: لمباركية نوّار ـ باتنة

في زمن قريب جرّ أذياله، وأدار وجهه وولّّى مدبرا إلى غير رجعة، وهو الزمن الزاهي والمحدد بثمانينيات وبداية مطلع تسعينيات القرن المنصرم، عدّ مقر محافظة حزب جبهة التحرير لولاية باتنة جامعة مفتوحة ومؤقتة لكثرة ما كان ينعقد في أرجاء قاعتها الكبرى من ملتقيات ولقاءات تاريخية تبحث في يوميات الثورة التحريرية المجيدة، وبشكل أخص في الولاية الأولى “ولاية الأوراس”. وكنت، وقتذاك، من الذين يسعدون كلما تقدم المجاهد عمي علي مزوز معقبا على كلام غيره، أو مبتغيا إسقاط غشاوات الالتباس وإجلاء ضباب الغموض عنه، أو راميا إلى سدّ ما يرى فيه من نقص معيب، أو هادفا إلى تصويب ما يغشاه من تحوير وخلط. وكثيرا ما كانت تدخلاته الموفقة تحمل في جعبتها القول الذي قلما يخضع للأخذ والرد. فلقد كان المجاهد عمي علي مزوز يعظّم الشهادة، ويتحرى سبل الصدق للإدلاء بها ببصر عفيف وفكر حصيف. ولا يتكلم إلا بما يعلم، ولا يرائي ولا يداهن. فالصدق الصراح في الكلام كان حلة من بين حلل أخلاقه. ويعود الفضل في كل ذلك إلى تربيته المستقيمة وذاكرته الحافظة والذكورة التي لم تصَب، وإلى اليوم، بآفة النسيان المتعبة. وكم من مرة سمعته يسترجع تواريخ أحداث الثورة وأماكنها وصانعيها ونتائجها وكأنه يقرأ من كتاب مسطر ومفتوح أمامه.

تعتبر المزية السابقة مزية كافية  لترغّيب كل من تعرفوا إلى المجاهد عمي علي مزوز وتحريك فضولهم وتوجيهه نحو الانكباب على قراءة مذكراته التي صدرت منذ أسابيع ماضية قليلة؛ لأنهم سيجنون منها خثارة معلومات يصعب الطعن فيها. وهي المذكرات التي غطت أكثر من ثلاثمائة صفحة مكتوبة من الحجم المتوسط، وتعدت أربعمائة صفحة لما تحسب مختلف الوثائق التي أرفقت بها.

بعد أن أنهيت قراءة الفصول الأولى من هذه المذكرات، تبيّن لي أن المجاهد عمي علي مزوز الذي يعرف بتواضعه الريفي الشريف، كذلك، قد استصغر جهاده أمام ما قدمه رجال ونساء قريته الجبلية والمعروفة بطيبة أهلها، وهي قرية “يابوس” التي تضم مقبرتها، إلى اليوم، رفاتي الشهيدين علي النمر والحاج عبد المجيد عبد الصمد، وهما من هما في سفر الجهاد الأوراسي. وهو الأمر الذي جعل حبر قلمه يتدفق في طلاقة وعفوية منفتحا على غيره. ولما فاتحته الأمر، اعترف بأن ملاحظتي لم تخالف الصواب. وزاد عن ذلك بأن أخرج مكنون لوم خفيف من صدره ضمنه عتابا أخويا لكل أولئك الذين تصدوا لكتابة تاريخ الثورة في الأوراس الجليل، ولكنهم غضوا أطراف العيون وأخرسوا عن إسماع قرائهم جهاد رجال ونساء قرية “يابوس” الصامدة التي اعتبرها قطب الرحى ومنارة الثورة في هذه الولاية التي تقدمت الصفوف في طوع رفيع حاملة بسواعدها ألوية الجهاد النوفمبري. وحسب تعبيره، فمثلما تلعب سرة الحميل في بطن أمه دورا في نقل الغذاء ونشره في كل أطراف جسمه، فإن قرية يابوس رأفت هي الأخرى بالثورة في الأوراس عبر كل فترات الارتعاش الصعبة التي مرت بها وفي أيام العسر التي سقطت فيها المصائب الحالكة والمتاعب الماحقة كسفا على رأسها. وأضاف قائلا: (لعلّ محاولتي المتواضعة ترقع الخرق وتداوي جرح النسيان أو التناسي، وتسدد نصيبا من الدين الذي أراه مطوّقا عنقي).

كلفت كتابة هذه المذكرات صاحبها اشتغالا متواصلا دام ست سنوات انفق ساعاتها في الترحال والبحث والتسجيل والمقابلة بين المرويات وتعديلها وتنقيحها. وكانت في المنطلق مَهِمَّة مشتركة انبرى لمواجهة أعبائها مع أخيه المجاهد والعميد في الجيش الوطني الشعبي المرحوم بلقاسم مزوز (1941 ـ 2008م). ولما حل الموت المفاجئ مسرعا لطي صفحة أخيه، ولم يمنح له فرصة إبراز بصمته في الكتاب إلا في الفصل الذي عنوانه: (في الأسر.. الطريق إلى جهنم) الذي كتبه بمفرده، وتحدث فيه عن معتقل قصر الطير الجهنمي وعن يوميات أخيه علي الذي نزل أسيرا حائرا في ظلمته كما رواها له بمشاقها وعذاباتها. وبذلك، كتب لعمي علي أن يكمل مشوار السير نحو الهدف المسطر غير مكترث بعوائق النهوض بهذا العمل الثقيل، وارتضى لنفسه أن يمخر عباب بحره الهائج وحيدا.

ضرب المجاهد عمي علي مزوز بالتقليد المعهود والعرف المتبع في كتابة المذكرات عرض الحائط، ونفر من صوغ فصول حياته وفواصلها صياغة بارزة ومعجبة نكرانا للذات. ولم يخصص، على استحياء، سوى بضع صفحات سطرها بأصابع عجلى لمسيرة حياته. وأحيى في نفسه النظرة الجماعية التي كانت سائدة أثناء الثورة، وكتب عن كثير من الشهداء والمجاهدين كتابة خلت من التمييز وتجردت من التصنيف كمن يريد أن ينسب الأفضال إلى أصحابها. ومثلما كتب عن قادة المنطقة الثانية “منطقة شليا” من ولاية الأوراس، وهم: الشهيد عمار معاش والشهيد عبد الصمد عبد المجيد والشهيد عمار عشي والشهيد علي شباطي والشهيد محمد عرعار والمجاهد المرحوم موسى ردّاح، فإنه  أماط اللثام عن سير عدد من المجاهدين من الرعيل الأول، ومنهم: يحي مجي، محمد سامر، محمد بن أحمد مزوز، المكي غيلاني، بلقاسم بلخيري، بلقاسم بن الطيب مزوز، الطيب مزوز وعمار بن الطيب مزوز.

ولما كان أبناء عائلة مزوز من أباة الضيم الذين تسري في دماء عروقهم الفائرة ذرّات حب الوطن نقية كندائف الثلج مما جعلهم ينطلقون كالفيضان الموار لخدمة الثورة عن بكرة أبيهم وكأنهم الطيور لما تصف أجنحتها في انبساط وحبور، وقدموا من أجل تبليغها أهدافها النفس والنفيس ليبعدوا عنها عوائق التعثر التي تجعلها تعرج في مشيتها أو ترتجف في وقفتها، وتنال منها مسببات التقعر والعور والتراجع والتقهقر، فقد خص شهداءها الذين بلغ عددهم ثمانية عشر شهيدا بصفحات تعريفية موجزة ركز فيها على شمائلهم وبطولاتهم الجهادية التي سارت في أحاديث الناس كأروع أمثلة وأنصعها، وهم: إبراهيم مزوز، عمر مزوز، علي بن بلقاسم مزوز، سعيد بن أحمد مزوز، المبارك مزوز، أحسن مزوز، بلقاسم “بوحفص” مزوز، سليمان مزوز، الصالح مزوز، الطيب مزوز، محمد مزوز، عبد الحميد مزوز، عمار مزوز، عبد الله مزوز، المسعود بن الطاهر مزوز، علي بن الطاهر مزوز، محمد بن الطاهر مزوز والمسعود بن بلقاسم مزوز. ولم يبخل المجاهد عمي علي مزوز من التنقيب في سيرة حياة بعض الأسماء التي سربلها الغموض مثل أبو بكر سالمي الملقب بـ:”الممرض”.

دعا المجاهد عمي علي مزوز المعارك التي خاضها جيش التحرير الوطني ضد عساكر المستعمر بالملاحم التي طفح فيها البلاء الحسن والمواجهة المستميتة والمنازلة الندية في صلابة بالرغم من تفاوت موازين القوى البشرية والمادية ورجحان كفتها إلى جانب المحتل الغاصب، وتوقف عند المعارك التي كانت المنطقة الثانية من الأوراس مسرحا لها، ومنها: معركة لحليق التي اشتد أوارها في اليوم الخامس من نوفمبر من نفس سنة اندلاع الثورة التحريرية 1954م بالقرب من قرية يابوس مما يعني السبق المبكر لأبناء هذه القرية في امتطاء ركب الثورة ، ومعركة جبل خالد الأولى ومعركة جبل خالد الثانية ومعركة ذراع “الشكريد” بمنطقة “تخابيت” ومعركة” شليا الكبرى” التي يعتبرها، من وجهة نظره، من أكبر المعارك التي تنافس معركة الجرف الشهيرة من حيث الضراوة وسخونة الوطيس واحتدام النزال. وهي المعركة الشهيرة التي دامت سحابتها أربعة أيام لم تنقطع قعقعات السلاح ولم يخمد صفير الرصاص في فضاء ساحتها. وعرج ذاكرا معركة جبل “أم الكماكم” التي حضرها وخاضها مع إخوانه المجاهدين لما كان ضمن كوكبة دورية عائدة من تونس في شهر مارس الذي صادف صيام رمضان من سنة 1958م. وقد أشبع هذه المعارك تفصيلات ثرية علّم فيها دقائقها وتطوراتها ونتائجها المتمخضة عنها.

أفرد المجاهد عمي علي مزوزي عدة صفحات في كتابه للحديث عن عدد من الماجدات من نساء قرية “يابوس” وضواحيها اللائي احتشدن إلى جانب الثورة في شهامة وعفة غير مباليات بأساليب البطش الآثم التي لجأ إليها المستعمر في غلوه وغلوائه. وتظرا لمشاركة رجال قرية “يابوس” منذ انطلاقتها بأعداد كبيرة، فقد كان رد فعل المستعمر وأذنابه مخيفا وتعسفيا وانتقاميا لزرع بذور الارتباك وفرض التخلف والقعود وإشاعة التولي، وامتدت يده إلى اعتقال معظم الرجال حتى غدت معظم العائلات اليابوسية من دون معيل وصدر حام ويد تدفع عنها الأذى وتصون حرمتها. إلا أن النساء المقدامات لم يمتلكهن الخوف والعجز، وانخرطن في العمل الثوري يعملن في صبر وطول نفس وأناة. ومن هؤلاء البطلات ذكر المجاهدة جمعة بوجزة أرملة الشهيد عمار بن بلقاسم مزوز والشيخة مجي التي منحها لقب: “خنساء الأوراس”، والمناضلات سايبة مزوز وهنية مزوز وفاطمة بنت مسعود مدّور وعائشة بنت علي معاش حرم القائد عمار معاش وعائشة بنت عمار مدّور. وفي هذا السياق، أورد واقعة تثبت صلابة عود المرأة اليابوسية ووقوفها مقدامة وناصعة الجبين وتفانيها في البذل وتحديها للغازي المحتل، نوجز فحواها منقولا في مايلي: فبعد معركة “خنقة بلوكيل” بشليا، أقدم العدو في موقف المتباهي والمفاخر بجمع جثامين الشهداء التي تضرجت بدمائهم الزكية في وسط قرية يابوس بعد أن تعرف على أسمائهم بمساعدة مخبريه الأنذال. وأسدى ضابط العدو إلى جنوده أمر جمع السكان وإرغامهم على معاينة مناظر الموت المؤذية بالرصاص الذي شق أجساد الشهداء لتخويفهم وجعلهم ينكفئون على أنفسهم جبنا واستسلاما. وكان من بين الحاضرين المناضلة الشيخة مجي التي منحت للثورة تكرما زوجا هو المجاهد الحاج بلقاسم بولعزيز وأربعة شهداء من بذور رحمها منهم المبارك والطيب اللذين سقطا في المعركة المذكورة. وفي جسارة نادرة يعز نظيرها تقدمت هذه المناضلة في ثقة، وانحنت على جثماني ابنيها وقبلتهما، وبعد أن كفكفت دموعها بمنديلها، أطلقت صوت زغاريدها التي شقت هدوء المكان، ثم صاحت بصوت أجش ومسموع: والله، لو كنت قادرة على الإنجاب، لأنجبت رجالا آخرين، ووهبتهم للثورة سيرا على خطى إخوتهم الذين سبقوهم  في هذه الطريق رغبة مني في تحرير وطننا المفدى. وما كادت أن تكمل كلماتها التي كانت أحر من رصاصات البنادق حتى تعالت التكبيرات والصيحات والزغاريد من كل صوب مناصرة لها. واندهش الضابط الفرنسي بعد أن استمتع بلحظات من اللهو والشجو، وأمر جنوده بإخلاء المكان، وطالبهم في رعونة وعجرفة باعتقال المناضلة الشجاعة “خنساء يابوس” التي سارت بينهم سير المطمئن الذي تمكن من إخماد جذوات الرعب والخور حتى في زفير أنفاسه. ويروى في ما تسلل إلى الأسماع من أسرار أن هذا الضابط قد أسر إلى أحد الحركى بعد افتراق الجموع مؤكدا له أن استقلال الجزائر قادم لا محالة، وهو قاب قوسين أو أدنى.

سيجد قارئ كتاب المجاهد عمي علي مزوز إشارات عن عدد من أحداث الثورة التحريرية في الأوراس التي يحتاج تعميق الفهم حولها إلى مزيد من التحري والتمحيص في الروافد والموارد التي كانت سببا مباشرا أو غير مباشر في حصولها. ولعل الظلم الذي نال منه المجاهد عمي علي مزوز نفسه  في السنوات الأولى من الاستقلال، كما ذكر، تندس جذوره في تربة هذه الملاحظة التي لا تتحرج من التمديد والتوسيع في كل المسالك الخفية والجلية.

تعتبر، في نظري، مذكرات المجاهد عمي علي مزوز رشاحة  ذاكرة معقودة تموج بالحيوية والحركية قد يتزود منها المؤرخون والمهتمون، وينتفع منها القراء العاديون. وإن كان جهده مشكورا ومبللا بعطر الثناء من حيث المضمون، فإن الجوانب الأخرى كالجانبين المنهجي في معناه المبسط واللغوي لا ينبغي إطالة الوقوف أمامهما طويلا من طرف طبقة القراء المتميزين والمزودين بحاسة نقد حادة لا تمل من كثرة التقليب وإطالة الغوص، وأن يرصدوا له الأعذار تلو الأعذار. ومن المحتمل أن يكون تضييقه في طلب المعونة والمؤازرة، وتفضيله عجن خبزه عجنا ذاتيا بيديه نابعين من فرط محافظته على التبليغ من دون زيادة أو نقصان، أو إضافة أو حذف، وعملا منه بالقول القائل: (من سرّجها هو من يركبها). ولكن، من غير المستبعد أن يكون هذا التصرف سببا في زرع هنات لن تغفل عنها عيون القراء الحاذقين. كما يبدو من جانب آخر، أن بعضا من أصحاب الفضل الذين احتمى بهم أشاروا عليه بملاحظات لم تنزل في محلها. ونستطيع أن نقرأ ذلك، مثلا،  من عنوان غلاف الكتاب المركب، والذي تزاوجت فيه الدلالات، وكأنه لحقه استدراك متخلف جرّ معه استبهاما مقلقا بعد أن فتح الباب أمام تعدد التأويلات. ولما نتفهم أن إضافة عبارة: (الثورة التحريرية في منطقة الأوراس ـ بلدية “يابوس” أنموذجا) إلى العنوان الأصلي قد أراحت صاحب المذكرات؛ لأنها عبّرت عن واحد من أهداف عمله غير المصرّح بها؛ فإننا نشير إلى أن مثل هذه العناوين التي تبحث عن إسقاطات تبرز في مناويل بحثية مختارة هي أقرب وألصق بالبحوث الأكاديمية المتينة التي ترمي إلى التدريب والتمرين على مناهج البحث العلمي. ومهما، كان الأمر، فلا تثريب على صاحب المذكرات الذي أسر لي أن عدد السنوات التي قضاها على مقاعد الدراسة لمزاولة تعليم شبه منتظم لم تتجاوز أربع سنوات بالكاد. فقد جلس بين يدي ابن عمه الشيخ الشهيد إبراهيم مزوز خريج جامع الزيتونة التونسي متعلما لبعض مبادئ اللغة العربية وفنونها لمدة سنتين في مدرستي “تكوت” و”بوحمامة” في عهده التعليمي الأول في طور طفولته. وتعلم لسنتين أخريين بعد استرجاع الاستقلال في مدرسة ليلية حرة. نسأل الله أن يجعل هذه المحاولة الجادة للمجاهد عمي علي مزوز من بين أعماله الصالحة والمبرورة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “مذكرات المجاهد علي مزوز قراءة في صفحات من تاريخ قرية “يابوس” المنسية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق