قراءات ودراسات

ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟ (12)

غياث المرزوق

إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.
قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].
قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!
اَلْرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

(12)

قبلَ كُلِّ شَيءٍ، أيَّتُهَا القارئةُ الحَصِيفَةُ وأيُّهَا القارئُ الحَصِيفُ، لا بُدَّ لِي منْ أنْ أسْتَهِلَّ فَحْوَاءَ هذا القسمِ الثَّانِيَ عَشَرَ والأخيرِ (وليسَ الآخِرَ، بَتًّا وحَتْمًا مُتَحَتِّمًا) منْ هذا المقالِ، لا بُدَّ أنْ أسْتَهِلَّهُ بالتعبيرِ منْ أعْمَاقِ القَلْبِ عن مَدَى الشُّكْرِ والشُّكْرَانِ والتقديرِ لِكُلٍّ من الأخَوَاتِ الحَبِيبَاتِ المَعْنِيَّاتِ والإخْوةِ الأحِبَّاءِ المَعْنِيِّينَ، وقدْ سَاهَمْنَ وقدْ سَاهَمُوا أيَّمَا مُسَاهَمَةٍ بالعَزْمِ والحَزْمِ، ودُونَمَا تَوَانٍ أوْ تَهَاوُنٍ، بِكَمٍّ لافِتٍ من التعليقِ والتعقيبِ والتقريرِ والتنقيبِ والتذكيرِ والتصويبِ، وغَيْرِهِ وغَيْرِهِ، كَمٍّ لافِتٍ للعِيَانِ ليسَ لَهُ إلاَّ عَيْنُ الإثْرَاءِ في مَادَّةِ الفَحْوَاءِ كَيْفًا وكَيْفِيَّةً إثْرَاءً مباشرًا أوْ لامباشرًا، بالرَّغْمِ منْ أنَّهَا مَادَّةٌ لَمْ تُكْتَبْ، كَمَا تَرَيَانِ، هكذا كَمَا يُمْلِيهِ تَقْلِيدُ الكِتَابَةِ السَّائِدُ إمْلاءً بحُدُودِ، أوْ حتَّى بقُيُودِ، كُلٍّ من الشَّكْلِ المَنْضُودِ والمَتْنِ المَعْضُودِ عَلى ذلك النَّحْوِ «الرَّسْمِيِّ» والسَّطْحِيِّ السَّمِيِّ والسُّمِّيِّ الذي تَنْحُوهُ بالعُنُوِّ، منْ دَاخِلٍ جَلِيٍّ أو منْ خَارِجٍ خَفيٍّ، جُلُّ الصَّحَائفِ والمَجَلاتِ والدَّوْرِيَّاتِ والدُّورِ العربيَّةِ (الخَاصَّةِ والعَامَّةِ مِنْهَا، عَلى حَدٍّ سَوَاءٍ)، إنْ لَمْ نَقُلْ كُلَّهَا مُجْتَمِعَةً ودُونَ سِوَاهَا كذلك دُونَمَا الاِسْتِثْنَاءِ، تَنْحُوهُ بالعُنُوِّ نَامُوسًا «مُقَدَّسًا ومُكَلَّلاً» للعَديدِ من الكُسَّابِ «مُنَزَّلاً» من السَّمَاءِ، وفَانُوسًا «مُهَجًّسًا ومُدَلَّلاً» للعَبِيدِ من الكُتَّابِ «مُحَلَّلاً» لِلإمَاءِ، في آلِيَّاتِ أوْ إوَالِيَّاتِ النَّشْرِ العربيِّ بالذاتِ – ومَا أدْرَاكُمَا، مَا أدْرَاكُمَا، مَا آلِيَّاتُ أوْ إوَالِيَّاتُ النَّشْرِ العربيِّ بالذاتِ، مَا أدْرَاكُمَا في هذهِ الدُّنْيَا قبلَ أنْ يَسْتَبِيئَهَا اسْتِبَاءَةً عِزْرَائِيلُ المَمَاتِ؟

كَما قلتُ في القسمِ الآنِفِ منْ هذا المقالِ (أيْ في القسمِ الحَادِيَ عَشَرَ منهُ بالذاتِ)، وخاصَّةً في مَعْرِضِ الكَلامِ عن ارتكابِ الخَطَأِ الفَادِحِ نَوْعًا جَرَّاءَ إجْرَاءِ ذلك «التَّحليلِ السِّياسيِّ» الاِنتقائيِّ والاِصطفائيِّ مُنَمَّقًا بفَيْضٍ، أوْ بفُيُوَضٍ، منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ التي تَنْجُمُ عنْ ذلك الحَمَاسِ المُفْتَعَلِ بالزَّيْفِ والإيهَامِ (أيِ مَا سَمَّيْتُهُ قَبْلاً بـ«الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» Hyper-Revolutionary Fervour) عَلى كُلٍّ من المُسْتَوَيَيْنِ الجَمْعِيِّ والفَرْدِيِّ، وفي مَعْرِضِ الكَلامِ كذاك حتَّى عن ازْدِيَادِ فَدَاحَةِ هذا الخَطَأِ النَّوْعِيِّ أكثرَ فأكثرَ حَائِدًا حينمَا يَصْدُرُ هكذا «تحليلٌ سياسيٌّ» عنْ مَصْدَرٍ مَرْبُوصٍ ومَحْسُوبٍ عَلى «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، إنَّ مُجَرَّدَ التركيزِ وخَالِصَ التشديدِ المُتَعَمَّدَيْنِ عَلى «أسْرَارِ التَّفَوُّقِ والتَّمَيُّزِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ أوْ حتَّى عَلى «أسْبَابِ الإخْفَاقِ والإحْبَاطِ» في سَائِرِ مَا خَلاهُ منْ مشاهِدَ ثوريَّةٍ شَعْبِيَّةٍ عربيَّةٍ قدْ تأجَّجتْ منْ قبلُ في المُقَابِلِ، ليسَ لَهُمَا، والحَالُ، إلاَّ أنْ يدخُلا في إطاراتِ ذلك الزَّخْمِ الرِّوَائِيِّ، أو «الشِّعْرِيِّ»، الدِّعَائيِّ والدِّعَاوِيِّ الذي تختصُّ بهِ وسَائلُ الإعلامِ الغَنِيَّةُ عن التعريفِ في الشَّرْقِ حتَّى قبلَ الغَرْبِ – منْ حيثُ قُدْرَتُهَا الوَلائِيَّةُ كُلاًّ عَلى الإشْهَارِ، إشْهَارِ فَرْدٍ أوْ جَمَاعَةٍ في حِينٍ، ومنْ حيثُ قُدْرَتُهَا العَدَائِيَّةُ كُلاًّ كذاك عَلى الإغْمَارِ، إغْمَارِ هذا الفردِ أوْ هذهِ الجَمَاعَةِ، أوْ حتَّى عَلى الإفْنَاءِ، إفْنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا إفْنَاءً كُلِّيًّا، في حِينٍ آخَرَ. فهَا هو، مثلاً لا حَصْرًا، مثالُ الباحثِ الجَامعيِّ (الماركسيِّ) جلبير الأشقر، في مقالِهِ المُطَرَّزِ في الخِتَامِ تطريزًا شِعْرِيًّا زَيَّادِيًّا «ارفعوا أيديكمْ عنْ شعبِنا في السُّودانِ!» (القدس العربي، 11 حزيران 2019)، هَا هو يناقضُ نفسَهُ بنفسِهِ حتَّى في سِيَاقِ الجُمْلَةِ ذاتِهَا، إنْ لَمْ نَقُلْ في سِيَاقِ الفِقْرَةِ أوْ حتَّى المَقَالَةِ كُلِّهَا، هُنا وهُناك منْ صَفَحَاتِ ذاك المِنْبَرِ المَعْنِيِّ أوْ حتَّى منْ صَفَحَاتِ هذا المِنْبَرِ اللامَعْنِيِّ بالذاتِ. فبعدَ تقريظٍ إغراقيٍّ لافتٍ كانَ قدْ أسْبَغَهُ أيَّمَا إسْبَاغٍ عَلى الدَّورِ التَّنْظِيمِيِّ والرَّأْيِيِّ الذي كانتْ تقومُ بِهِ إبَّانَئِذٍ «قيادةُ» ذلك الائتلافِ المورفولويِّ المُسَمَّى بـ«قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، بوَصْفِهَا منْ حيثُ التنظيمُ السِّياسِيُّ والرَّأْيُ البرنامجيُّ الجَلِيُّ، قيادةً «أثبتت أنَّها حقًّا متفوِّقةٌ عَلى كافَّةِ القياداتِ التي عرفتها السَّيْرُورَةُ الثوريَّةُ الإقليميَّةُ حتَّى يومِنَا [هذا]»، نَرَاهُ (نَرَى الباحثَ الجَامعيَّ المَعْنِيَّ) يُعْلِنُ إعْلانَ المُشَارِكِ الفِعْلِيِّ في حُشُودِ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السُّودَانِيِّ بالعَيْنِ عنْ كَثَبٍ أنَّ هذهِ القيادةَ ذاتَهَا قدْ «تمكَّنتْ، في وجهِ الأسلحةِ الناريَّةِ التي استخدمتْهَا قواتُ القمعِ في ارتكابِهَا مجزرةَ فضِّ الاعتصامِ السِّلْمِيِّ، تمكَّنتْ منْ أنْ تُشْهِرَ سِلاحَ الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]». تُرَى كيفَ يتراءَى للنَّاظِرِ أنَّ قيادةً ثوريَّةً منْ هكذا نوعٍ لافتٍ (ولا رَيْبَ، لا رَيْبَ، في كُلِّ خُطْوَةٍ إيجَابيَّةٍ كانتْ، ومَا زالتْ حتَّى حِينٍ قبلَ الاجتيَاحِ «الكورُونيِّ»، تخطُوهَا في مَسَارِ ذاك الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ، كَمَا سُوجِلَ وكَمَا شُدِّدَ عَلَيْهِ أكثرَ منْ مرَّةٍ قبلاً، حتَّى لا يُسَاءَ الظَّنُّ، هَا هُنَا)، تُرَى كيفَ يتراءَى لهذا النًّاظِرِ أنَّهَا تولَّتْ إشهارَ هذا السِّلاحِ، أعْنِي «سلاحَ الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]»، وقدْ تولَّتْ إشهَارَهُ بالفِعْلِ (أوْ، عَلى الأقلِّ بادئَ ذِي بَدْءٍ، بالقَولِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ بالتوثيقِ دُونَ الفِعْلِ ذاتِهِ) حُشُودُ الثائراتِ السُّودانيَّاتِ أنفسِهِنَّ والثائرينَ السُّودانيِّينَ أنفسِهِمْ طُرًّا، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ في مطلعِ ذلك الشهرِ المَشْؤُومِ من العَامِ المَاضِي، شهرِ حزيرانَ عَامَ 2019، عَنَاصِرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ منْ «قواتِ الدعمِ السريعِ» (أو منْ «ميليشياتِ الجَنْجَويدِ» تلك الشَّبِيهَةِ بـ«الشَّبِّيحَةِ»، سَابقًا)، بالإيعازِ «العربيِّ» المَرْئِيِّ وبالإشرافِ الغربيِّ اللَّامَرْئِيِّ، مثلَمَا أُشِيرَ إليهِمَا في مَوْضِعٍ آخَرَ، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ عَنَاصِرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ كهذهِ إلى ارتكابِ تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ بحَقِّ مَنْ كُنَّ يعْتَصِمْنَ، ومَنْ كانوا يعْتَصِمُونَ، اعْتِصَامًا سِلْمِيًّا في الخَارجِ منْ مَقَرِّ الدِّفَاعِ بالذاتِ، مِمَّا أسْفَرَ عنْ عَشَراتٍ من القَتْلى قابلةٍ للزِّيَادَةِ حَتْمًا وعنْ مِئَاتٍ من الجَرْحَى كذاك قابلةٍ للنُّقْصَانِ لكيمَا تزدادَ العَشَرَاتُ الأولى أكثرَ فأكثرَ (بِمَا فِيهَا حَالاتٌ مُوَثَّقةٌ شَتَّى من الإغْيَابِ والاغتصابِ القَسْرِيَّيْنِ، كذلك) – هذا عَدَا أنَّ هؤلاءِ الثائراتِ الصِّنْدِيدَاتِ لمْ يكنَّ راغباتٍ وأنَّ هؤلاءِ الثائرينَ الصَّنَاديدَ لمْ يكونوا راغبينَ، بَتَّةً، في إيقافِ ذينك «الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]» حتَّى حينَمَا أعلنَ، بالقَصْدِ والعَمْدِ، عنْ هذا الإيقافِ قادةٌ منْ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» بعدَ أيَّامٍ ثلاثةٍ، أوْ يزيدُ أوْ ينقصُ، مِمَّا حَدَا بِهِنَّ وبِهِمْ (أيْ بالثائراتِ وبالثائرينَ هؤلاءِ) كُلاًّ إلى الانجِرَارِ تلقائيًّا في التظاهُرِ النَّهَاريِّ وإلى حتَّى الاستمرَارِ تَشْيَائِيًّا في التظاهُرِ اللَّيْلِيِّ، عِلاوةً عَلَيْهِ، وعَلى الرَّغْمِ الرَّغِيمِ منْ لجُوءِ رَعَادِيدِ ذلك «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ»، أو «الانقلابيِّ» بالعُرْفِ المُعَارِضِ بالأصَحِّ، إلى قَطْعِ إرسَالاتِ الشَّبَكَةِ الدُّوَلِيَّةِ في طُولِ البلادِ وعَرْضِهَا بحُجَّةِ، لا بَلْ بأُحْبُولَةِ، أنَّهَا إرسَالاتٌ دِسَاسٌ تمثِّلُ «تهديدًا للأمنِ القوميِّ»، وأنَّهَا من ثمَّ إرسَالاتٌ أدَسُّ تُسَهِّلُ «تبديدًا للصَّالِحِ الوطنيِّ»، كذلك. يَعْنِي ذلك عَنْيًا جَلِيًّا أنَّ دَافِعَ، أوْ دَوَافعَ، مَا أُشِيرَ إلَيْهِ أكثرَ منْ مَرَّةٍ كذاك قَبْلَئِذٍ بـ«المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ» Collective Human Agency، وعَلى الأخَصِّ حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ، لا يأبَهُ، أوْ لا تأبَهُ، والحَالُ النفسيُّ-الاجتماعيُّ، بأيٍّ منْ تلك الإعلاناتِ «التَّرْشِيدِيَّةِ»، ولا بأيٍّ منْ تلك الإشْعَارَاتِ «التَّوْجِيهِيَّةِ»، عنْ إيقافِ تأجُّجِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ، مَهْمَا كانتْ أمثالُ هذهِ الإعلاناتِ وهذهِ الإشْعَارَاتِ بَادِرَةً منْ «قادةٍ» مدنيِّينَ نَاصِحِينَ ومَانِحِينَ، ولا يأبَهُ، أوْ لا تأبَهُ، فَضْلاً عنهُ، حتَّى بأيٍّ منْ تلك الفَرَمَانَاتِ «التَّهْدِيدِيَّةِ»، أوْ تلك القَرَارَاتِ «الوَعِيدِيَّةِ»، في قَطْعِ الإرسَالِ الإلكترونيِّ، مَهْمَا كانتْ أشكالُ هذهِ الفَرَمَانَاتِ وهذهِ القَرَارَاتِ صَادرةً عنْ «قادةٍ» عسكريِّينَ كَابِحِينَ وكَاسِحِينَ.

وللمشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ الجَزَائِرِيِّ، مُتَجَلِّيًا، بدَوْرِهِ هو الآخَرُ، في كُلٍّ منْ تجلِّيَاتِ هذا «اللاأَبْهِ» وهذا «اللااِلْتِفَاتِ» وهذا «اللااِكْتِرَاثِ»، ومُتَبَدِّيًا منْ ثَمَّ في كلٍّ مِمَّا يُقَابِلُهَا، عَلى النَّقِيضِ، منْ تَبَدِّيَاتِ الأَبْهِ والاِلْتِفَاتِ والاِكْتِرَاثِ منْ أجلِ تأريثِ الجِذاءِ من الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ مُسْتَدَامًا (بأيٍّ منْ تفعيلاتِهِ السِّلْمِيَّةِ في التَّظاهُرِ أوْ الاِحتجَاجِ أوْ حتَّى مُجَرَّدِ الاِعتصَامِ – ولَمْ يَزَلْ يَجْتَرِحُ المُعْجِزاتِ في التَّخَلُّصِ منْ رُمُوزِ النِّظَامِ البيروقراطِيِّ العَسْكَرِيِّ القَمِيءِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ)، ولهذا المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ أنْ يبرُزَ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ مثالاً واقعيًّا مَحْسُوسًا بِجَانِحَيْهِ المُتَوَازِيَيْنِ والمُتَوَازِنَيْنِ كـ«كُلٍّ واحِدٍ مُتَوحِّدٍ» على كلٍّ منْ ذلك الانجِرَارِ التَّلْقَائِيِّ إلى تَحْشِيدِ الحَرَاكِ السِّلميِّ كَمًّا وكَيْفًا على مستوياتِ «العَامَّةِ» منْ جَمَاهِيرِ الشَّعْبِ الجَزَائِرِيِّ الفِرْنَاسيِّ بِجُلِّ أطْيَافِهَا الثَّرَّةِ مِمَّن ثَارتِ ومَا زَالتْ تَثُورُ (حتَّى حِينٍ بالمِثْلِ قبلَ الاجتيَاحِ «الكورُونيِّ» ذاتِهِ)، منْ ناحِيةٍ أولى، وذلك الاستمرَارِ التَّشْيَائِيِّ في مُضَاعَفَةِ هذا التَّحْشِيدِ بالكَمِّ والكَيْفِ كذاك، إضَافَةً إلى ذلك كُلِّهِ، على مستوى «الخَاصَّةِ» من جَمَاهِيرِ هذا الشَّعْبِ الفِرْنَاسيِّ الخِنْذِيذِ بكُلِّ طَيْفِهَا الثَّرِّ، عَلى الأثَرِّ، من الطالباتِ الثَّائِرَاتِ والطُلابِ الثَّائِرِينَ، من ناحِيةٍ ثانيةٍ. وهكذا، وقدْ تخطَّى تَسْيَارُ ذاك الحَرَاكِ السِّلميِّ بالزَّمَانِ حَوْلاً كَامِلاً دُونَمَا حَدٍّ زَامِنٍ أوْ مُزَمِّنٍ (لولا ذلك الفَاصِلُ «الكورُونيِّ» بالذاتِ)، ودُونَمَا أيِّ شَيْءٍ يُذْكَرُ مِنْ قَبِيلِ وُجُودِ مَنْ «يَقُودُهُ» مِنْ قَادَةٍ مَعْنِيِّينَ مُعَيَّنِينَ، عَلى الأقَلِّ عَلى غِرَارِ أولئك القَادَةِ المَعْنِيِّينَ المُعَيَّنِينَ منْ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانِيِّ النَّظِيرِ – كمَا ذُكِرَ، فإنَّ مَا رَأيْنَاهُ إذَّاك رَأيَ العَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَيْنِ العَقْلِيَّةِ منْ ذاك المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ الجَزَائِرِيِّ المُنَاظِرِ قدْ بَرْهَنَ، ولمْ يَفْتَأْ يُبَرْهِنُ، للعَالَمِ كٌلِّهِ تلك المَقُولَةَ الثَّوْرِيَّةَ الفَذَّةَ التي قِيلتْ عَلى ألْسِنِةِ الكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ اليَسَارِيِّينَ (الماركسيِّينَ أوِ اللاماركسيِّينَ أوْ حتَّى «مَا بَيْنَ-البَيْنِيِّينَ») بأنَّ الثَّوَرَانَ الشَّعْبِيَّ، بأيٍّ منْ تفعيلاتِهِ السِّلْمِيَّةِ المُشَارِ إليهَا قَبْلَ قَلِيلٍ، إنَّمَا هو ثَوَرَانٌ «دَفْعِيٌّ عَفْوِيٌّ» Spontaneously Impulsive، بِطَبْعِهِ وتَطَبُّعِهِ، كَمَا يَسْتَعِيرُ هؤلاءِ المُحَلِّلُونَ السِّيَاسِيُّونَ في تَوْصِيفِهِم هذا منِ اصْطلاحَاتِ مَا يُسَمَّى بـ«عِلْمِ النَّفْسِ الحُشُودِيِّ (أوِ الجَمَاهِيريِّ)» Crowd Psychology، وقدْ كانَ من رُوَّادِهِ اللامِعِينَ الأوائلِ عَالِمُ النَّفْسِ الاجتمَاعِيُّ الفرنسيُّ شارل-ماري غوسْتاف لو بون (1841-1931). بصَرِيحِ الكلامِ، هَا هُنا، الثَّوَرَانُ الشَّعْبِيُّ ثَوَرَانٌ «دَفْعِيٌّ عَفْوِيٌّ»، بِطَبْعِهِ وتَطَبُّعِهِ، بمَعنَى أنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلى بَوَادِرِ أيَّةِ إرْهَاصَةٍ «لادَفْعِيَّةٍ لاعَفْوِيَّةٍ» بَادِرَةٍ، عَلى العَكْسِ، بُدُورًا منْ أيَّةِ «قِيَادَةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ» تُحَاوِلُ أنْ تَرْكَبَ أمْوَاجَ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ مَرْكبًا قِيَادِيًّا (ثوريًّا) تَنْظِيمِيًّا، فتسْعَى منْ ثَمَّ وَرَاءَ توجِيهِ دَفَّتَيْهِ إلى المَصِيرِ وبِالمَسَارِ اللذينِ تُريدُ منْهُمَا هكذا «قِيَادَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ»، لا إلى المَصِيرِ وبِالمَسَارِ اللذينِ تُريدُ منْهُمَا جَمَاهِيرُ الشَّعْبِ ذَاتُهَا وذَوَاتُهَا، مَهْمَا حَاوَلَتْ هكذا «قِيَادَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ» أنْ تَتَشَدَّقَ للآنَامِ برُمَّتِهَا، ومَهْمَا حَاوَلَتْ أنْ تَتَنَطَّعَ في تَشَدُّقِهَا هذا بأنَّهَا لا تَحْمِلُ بينَ طّيَّاتِ طَوَايَاهَا أيًّا منْ رَغَائبِ هذهِ الإرادةِ القِيَادِيَّةِ (الثوريَّةِ) التَّنْظِيمِيَّةِ. عَلى الخِلافِ المنطقيِّ منْ كُلِّ ذلك، فإنَّ المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، مثلَمَا يَحْلُو للبَعْضِ منْ أمْثَالِهِ اسْتِحْضَارُ هكذا نَعْتٍ نَاجِمٍ عنْ مَنْطُوقِ مَا يُعْرَفُ بـ«النَّقْدٍ الذَاتِيٍّ» Autocriticism، إنْ كانَ يدَّعِيهِ بالفِعْلِ مَنْطُوقًا تَقَدُّمِيًّا بنَحْوٍ أوْ بآخَرَ، فإنَّ هذا المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ بالذَّاتِ لَهُوَ الذي يُؤْمِنُ إيمَانًا رَاسِخًا رُسُوخًا إلى حَدِّ «التَّحَنُّطِ»، في حَدِّ ذَاتِهِ، بضَرُورَةِ الحُضُورِ القِيَادِيِّ (الثوريِّ) التَّنْظِيمِيِّ في قرينةِ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ المُتَحَدَّثِ عنهُ، هَا هُنا، لماذا؟ – لأنَّهُ يُؤْمِنُ إيمَانًا رَاسِخًا رُسُوخًا إلى حَدٍّ أشدَّ «تَحَنُّطًا» حتَّى بضَرُورَةِ الوُجُودِ القِيَادِيِّ (الثوريِّ) التَّنْظِيمِيِّ في سِيَاقِ ذاك الثَّوَرَانِ القَائِمِ بالقِيَامِ الجَسَدِيِّ والرُّوحِيِّ كُلاًّ وكُلِّيًّا عَلى طَيْفٍ مُحَدَّدٍ منْ أطْيَافِ جَمَاهِيرِ الشَّعْبِ، والحَالُ هذهِ، طَيْفٍ مُحَدَّدٍ جِدِّ خَاصٍّ يُطَبِّقُهُ تطبيقًا ويُبَوِّبُهُ تبويبًا، ويُعَرِّفُهُ تعريفًا منْ ثَمَّ بـ«الطبقةِ العاملةِ»، أوْ بـ«الطبقةِ الكادحة»، أوْ بـ«البروليتاريا» بالحَافِ، إذا أرَادَ أنْ يَتفَذْلَكَ بَعْضَ الشيءِ. وهذا الإيمَانُ الرَّاسِخُ بالرُّسُوخِ إلى الحَدِّ الأشدِّ «تَحَنُّطًا» حتَّى يعُودُ بتاريخِهِ التَّلِيدِ والعَتِيدِ، عَلى أقلِّ تقديرٍ، إلى أوائلِ التِّسْعِينِيَّاتِ من القرنِ التاسِعَ عَشَرَ، هذا إنْ لَمْ نُرِدْ أنْ نَذَهَبَ في التنقيبِ الزَّمَانِيِّ أبعدَ منْ باكورةِ أعْمَالِ فلاديمير لينين (1870-1924) حينمَا كانَ في ربيعهِ الثالثِ والعشرينَ، عَلى وَجْهِ التَّحْديدِ، ألا وهي كُرَّاسُهُ الشَّهيرُ الذي يحملُ العنوانَ الاِسْتِفْهَامِيَّ، عنْ قَصْدٍ وعنْ عَمْدٍ، هكذا: «مَنْ هُمْ «أصْدِقَاءُ» الشَّعْبِ؟» What the ‘Friends of the People’ Are، ذلك الكُرَّاسُ الذي يشيرُ، بالمُخْتصَرِ الشَّدِيدِ المُفيدِ، إلى مَدَى أهميَّةِ التكوينِ الأُسِّيِّ لأسَاسِ «حِزْبٍ قِيَادِيٍّ (ثوريٍّ) تَنْظِيمِيٍّ» يهدفُ، قبلَ كلِّ شيءٍ، إلى تَوْعِيَةِ هذا الطَّيْفِ المُحَدَّدِ والجِدِّ خَاصٍّ من العمَّالِ الكادِحينَ تَوْعِيَةً بالواقعِ المَرِيرِ الذي يرزحُونَ تحتَ نيرِهِ بسببٍ منِ استغلالِ ثَمَرَاتِ أتْعَابِهِم استغلالاً سَافرًا منْ لَدُنْ فَلٍّ مُعَيَّنٍ منْ أنْجَاسِ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ المَنَاكيدِ الذين كانوا يتظاهرُونَ بالنقيضِ منْ كلِّ هذا، حِينَذَاك: وهؤلاءِ الأنْجَاسُ الرأسماليُّونَ «الشَّعْبَوِيُّونَ» المَنَاكيدُ ليسُوا في شَيْءٍ منْ أصْدِقَاءِ الشَّعْبِ الحَقيقيِّينَ، بتاتًا – وكانَ ذاك، معَ الاحترَامِ الكُلِّيِّ لكلِّ مَا تستحقُّهُ الطبقةُ المَعْنِيَّةُ منْ حَقٍّ فرديٍّ وجَمْعِيٍّ ومنْ عَدَالةٍ اجتمَاعيَّةٍ، وكانَ ذاك في زمنٍ كانَ مُسْتَوى مَا يُدْعى بـ«الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» Collective Consciousness، في أدْنَى مُسْتَوَيَاتِهِ (سَأعُودُ، بِشَيْءٍ من التَّفْصِيلِ، إلى هذهِ النقطةِ الهَامَّةِ، عَمَّا قليلٍ). منْ هُنا، ونحنُ هُنا الآنَ نتحدَّثُ عنْ شَعْبٍ جَزَائِرِيٍّ أوْ شَعْبٍ سُودَانِيٍّ أوْ شَعْبٍ لِيبِيٍّ أوْ شَعْبٍ يَمَانِيِّ أوْ شَعْبٍ سُورِيٍّ، إلى آخِرِهِ، إلى آخِرِهِ، بأكْمَلِهِ وبكافَّةِ أطْيَافِهِ الجَمَاهِيرِيَّةِ «العَامَّةِ» و«الخَاصَّةِ» بالفحْوَائَيْنِ المقْصُودَيْنِ (بمَا فيهَا ذلك الطَّيْفُ المُحَدَّدُ والجِدُّ خَاصٍّ من طَيْفِ العمَّالِ الكادِحينَ)، ونحنُ هُنا الآنَ نتحدَّثُ عنْ كُلٍّ منْ هذِهِ الشُّعُوبِ وقدِ ارتقتْ إلى مُسْتَوًى لافتٍ للانتبَاهِ منْ هذا «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» بوُجُودِهَا المَسْلوبِ، مُسْتَوًى لافتٍ لَمْ تَكُنْ قدِ ارتقتْ إليهِ منْ قبلُ سِوَاهَا من الشُّعُوبِ الأُخْرَى، فإنَّ ذاك المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، إنَّمَا يُخَاطِبُ الذَّاتَ أوِ الآخَرَ بلسَانٍ أيديولوجيٍّ ليسَ لَهُ إلاَّ يُوَلِّدَ حَيِّزًا هَائلاً بينَ الرُّوحِ الفَرْدِيِّ الكامِنِ في هذا اللسَّانِ الأيديولوجيِّ وبينَ الرُّوحِ الجَمْعِيِّ الكَنينِ الذي تنطوي عَلَيْهِ مشيئةُ الجَمَاهيرِ بِدَفْقِهَا اللُّجِّيِّ: ذلك لأنَّ الجَمَاهيرَ، في يقينِهِ، تتأسَّسُ في «جَمَاهيرِ» العمَّالِ الكادِحينَ، وتتقدَّسُ بالتالي في قُدْسِيَّةِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُسَمًّى لهذهِ «الجَمَاهيرِ»، ولا جَمَاهيرَ، لا جَمَاهيرَ، في الأخيرِ، غَيْرُ هذهِ «الجَمَاهيرِ». وهكذا، فإنَّ ثَمَّةَ فارقًا جِدَّ مُهِمٍّ بينَ نَوْعِ التَّفَكُّرِ «الشَّعْبِيِّ» Popular الذي يأخذُ بعَيْنِ الاعتبارِ عُمُومَ أطيَافِ الشَّعْبِ بكُلِّيَّتِهَا (بمَا فيهَا طَيْفُ العمَّالِ الكادِحينَ بجُزْئِيَّتِهِ) وبينَ نَوْعِ التَّفَكُّرِ «الشَّعْبَوِيِّ» Populist الذي يأخذُ بلُبِّ الحُسْبَانِ خُصُوصَ طَيْفِ العمَّالِ الكادِحينَ بجُزْئِيَّتِهِ، ويدَّعي في الآنِ ذَاتِهِ الاِهتمَامَ بعُمُومِ أطيَافِ الشَّعْبِ بكُلِّيَّتِهَا، مَثَلُهُ تمامًا كمَثَلِ ذلك الفارقِ المُهِمِّ جِدًّا بينَ شَكْلِ التَّصَوُّرِ «التَّجْرِيبِيِّ» Empirical الذي يعتني بتجربةِ الواقعِ صُورةً كمَا هي كائنةٌ بتَعْمِيميَّتِهَا وبينَ شَكْلِ التَّصَوُّرِ «التَّجْرِيبَوِيِّ» Empiricist الذي يهتمُّ بتجربةِ الواقعِ صورةً كما هي مُكَوَّنةٌ بتَبْعِيضِيَّتِهَا – وليتَ ذاك المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، لَيْتَهُ يَعِي لماذا كانَ جوزيف ستالين (1878-1953) ذَاتُهُ يُخَاطَبُ، حِينًا بعدَ حِينٍ، باسْتِهْجَانِيَّةِ هذا المُصْطَلَحِ الأخيرِ مَنْعُوتًا نَعْتًا بعبَارَاتٍ من مثلِ «التَّجْرِيبَوِيُّ الحَرُونُ»، إيحَاءً أيَّمَا إيحَاءٍ بِحِرَانِ الجَحِيشِ والبِغَالِ!

يَسْتَتْبِعُ مِمَّا تقدَّمَ، إذنْ، أنَّ قرَارَ أيَّةِ قيادةٍ ثوريَّةٍ يَسَارِيَّةٍ تَسِيرُ تَسْيَارًا جَسَدِيًّا وَ/أوْ رُوحِيًّا مُوَازِيًا لتَسْيَارِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ في السُّودَانِ (أوْ في أيِّمَا بلدٍ عربيٍّ، أوْ لاعربيٍّ، آخَرَ ثائرٍ في هكذا أوَانٍ، كمثلِ الجزائرِ أوْ حتَّى كمثلِ جزيرةِ هونغ كونغ، بقَدْرِ مَا يَخُصُّهَا الأمْرُ، كذلك) إنَّمَا هو قرَارٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَا يُقِرُّهُ الشَّعْبُ الثَّائِرُ إقرَارًا، أوَّلاً وآخِرًا، بمَا يقتضِيهِ في قَرَارَتِهِ منْ ذلك الكُمُونِ العَامِليِّ التأليفيِّ والتَّوْحِيدِيِّ الذي تَصَدَّى لَهُ بالبَحْثِ وبالتَّنْقِيبِ الجَادَّيْنِ عَالِمُ الاجتماعِ الفرنسيُّ، إميل دوركايم، في كتابِهِ الشهيرِ «تقسيمُ الشُّغْلِ الاجتماعيِّ» De la Division du Travail Social، ذلك الكُمُونِ العَامِليِّ الذي سَمَّاهُ تَسْمِيَةً اصطلاحِيَّةً بـ«الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» (أوْ، بالحَرِيِّ، بِـ«الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ» Conscience Collective، حَسْبَمَا يعْنِيهِ الأصْلُ الفرنسيُّ أيضًا)، والذي عَرَّفَهُ منْ ثَمَّ بكُلٍّ منْ غَرَزِيَّتِهِ وعُضْوِيَّتِهِ في إطارِ فِعْلِهِ النفسَانيِّ الوَاعِي (أو المُضْمِرِ)، من طَرَفٍ أوَّلَ، وفي إطارِ تَجَلِّيهِ بهَيْئَاتِ شُغْلٍ اجتماعيٍّ قابلةٍ للتَّهَيُّؤِ تأليفيًّا وتوحيديًّا، من طَرَفٍ آخَرَ. وهكذا، بصَريحِ الكَلامِ عنْ تَسْيَارِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ في السُّودَانِ بالذاتِ، فإنَّ هذا القرَارَ القياديَّ الثوريَّ المُتَكَلَّمَ عنهُ، هَا هُنَا، إنْ هو، قبلَ أيِّ شيءٍ آخَرَ، إلاَّ قرَارٌ مَرْهُونٌ بِإقرَارِ، أوْ بإقرَارَاتِ، هذا «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ»، أو هذا «الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ»، سَوَاءً كانَ فِعْلُهُ النفسَانيُّ الوَاعِي (أو المُضْمِرُ) غَرَزِيًّا أمْ عُضْوِيًّا، وليسَ بالغِرَارِ العَكْسِيِّ – وليسَ ثَمَّةَ أوضَحُ، منْ هذا الخُصُوصِ، مِمَّا قدْ صَرَّحَ بِهِ عَيْنُ الأمينِ العَامِّ لـ«الحزبِ الشيوعيِّ السُّودَانيِّ»، محمد مختار الخطيب عَيْنِهِ، قبلَ سُوَيعَاتٍ (منْ كتابَةِ هذهِ «العَيْنِ» الأخِيرَةِ) قائلاً بحَرْفِيَّتِهِ، عَلى المَلَأِ الأدْنَى، هكذا: «فالشعبُ [السُّودَانِيُّ] هو الذي انتفضَ وصنعَ التغييرَ، والكلمةُ الأعلى لهُ، بعدَ أنْ أسقطَ نظامَ الرأسماليةِ الطفيليةِ الذي جثمَ على صدرهِ ثلاثينَ عامًا. […] والكلُّ يعلمُ أنَّ الشعبَ [السُّودَانِيَّ] صنعَ الانتفاضةَ تحريرًا لإرادتهِ المغتصبةِ […] وهدفَ لفترةٍ انتقاليةٍ تؤسِّسُ دولةً مدنيةً ديمقراطيةً […] وقدْ أدركتِ الجماهيرُ بحسِّهَا الثوريِّ كلَّ المراوغاتِ في تسليمِ السُّلطةِ، مِمَّا دعَاهَا إلى الاستجابةِ للاضرابِ حفاظًا عَلى [سَيْرُورَةِ] الانتفاضةِ». وإنْ دَلَّ هذا التصريحُ عَلى شيءٍ، بعدَ مُضِيِّ كَمٍّ من الزَّمَانِ لافِتٍ للانتباهِ «المَحَلِّيِّ» والدُّوَلِيِّ، فإنَّهُ يدُلُّ عَلى ضَرُورةِ اتِّخَاذِ المَوْقِفِ الصَّحِيحِ والصِّحِّيِّ إزَاءَ أيٍّ من هذهِ الثوراتِ الشَّعْبِيَّةِ العربيَّةِ، أو اللاعربيَّةِ، وقدْ طَفِقَتْ تَشُبُّ بالفِعْلِ شُبُوبًا سِلْمِيَّ الفُؤادِ والمُحَيَّا في أنْحَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ عِدَّةٍ منْ هذهِ الدُّنْيَا، ألا وهو: الوُقُوفُ الآنَفِيُّ، بكلِّ الجَوارِحِ والجَوَانِحِ كُلِّهَا، إلى جَانِبِ تلك الإرْهَاصَاتِ الحَقيقيَّةِ التي ليسَ لَهَا سِوَى أنْ تنبثقَ انبثاقًا غَرَزِيًّا وَ/أوْ عُضْوِيًّا عنْ شتَّى مَنَابِعِ «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ»، أو «الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ»، مَهْمَا كانتْ طبيعةُ الوُقُوفِ اللاحِقيِّ إلى جَانِبِ تلك الإسْنَادَاتِ الواقعيَّةِ التي تقترنُ اقترَانًا بشكلٍ أوْ أكثرَ منْ أشكالِ التمثيلِ السياسيِّ، أوْ حتَّى منْ أشكالِ التَّبَنِّي اللاسياسيِّ، منْ لَدُنْ أيَّتِمَا جهةٍ كانتْ. فَفِيمَا لَهُ مِسَاسٌ بالصِّرَاعِ شِبْهِ الحَتْمِيِّ حَولَ أشكالِ التمثيلِ السياسيِّ في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ دُونَ غيرِهَا، عَلى أقلِّ تَخْمِينٍ، ثَمَّةَ فارقٌ مبدَئيٌّ لَهُ دَلالَةٌ اِسْتِقْبَالِيَّةٌ (كَيْلا نقولَ «تنبُّئِيَّةٌ» أوْ حتَّى «تكهُّنِيَّةٌ»، هَا هُنا) من الأهميَّةِ والخُطُورَةِ بمَكَانٍ، ثَمَّةَ فارقٌ مبدَئيٌّ بينَ الوُقُوفِ إلى جَانِبِ شَعْبٍ ثائرٍ مُعَيَّنٍ، كمثلِ الشَّعْبِ السُّودَانيِّ، يَسْعَى إلى تمثيلهِ السِّيَاسِيِّ ائتلافٌ مورفولوجيٌّ مُعَيَّنٌ، كمثلِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، وبينَ الوُقُوفِ (العَكْسِيِّ) إلى جَانِبِ ائتلافٍ مورفولوجيٍّ مُحَدَّدٍ، كمثلِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، يسْعَى إلى تمثيلِ شَعْبٍ ثائرٍ مُحَدَّدٍ، كمثلِ الشَّعْبِ السُّودَانيِّ، تمثيلاً سِيَاسِيًّا. وعَلى الرَّغْمِ منْ أنَّ هكذا فارقًا مبدَئيًّا قدْ يتبدَّى للناظرِ بالعَيْنِ البَصَرِيَّةِ، لا بالعَيْنِ العَقْلِيَّةِ، فارقًا «ظاهريًّا» وفارقًا «سَطْحِيًّا» للوهلةِ الأولى، إلاَّ أنَّهُ سُرْعَانَ مَا يشتدُّ عُمْقًا وسُرْعَانَ مَا يَحْتَدُّ غَوْرًا حينمَا يتأتَّى الحَدِيثُ (حتَّى الحَدِيثُ العَابِرُ) عنْ وُجُودِ تلك الأعْدَادِ غيرِ القليلةِ، بَتَّةً، منْ سَائِرِ أنواعِ الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةِ الأصليَّةِ وشِبْهِ الأصليَّةِ والفرعيَّةِ وشِبْهِ الفرعيَّةِ (وحتَّى شِبْهِ شِبْهِ الفرعيَّةِ) الأُخرى والأُخْرَيَاتِ هناك في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ، في حَدِّ ذاتِهِ. وأخُصُّ بالذِّكْرِ، في هذا السِّيَاقِ الشَّائكِ جدًّا جدًّا، عَلى الأدْنَى تلك الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةَ التي تتولَّى (أوْ، بالقَمِينِ، تدَّعِي بأنَّهَا تتولَّى) زِمَامَ الرِّعَايَةِ انْضِواءً تَحْتَ رَايَةِ ذلك الاِئتلافِ المورفولوجيِّ المَعْنِيِّ تَسْمِيَةً بائتلافِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» منذُ أنْ أعْلَنَتْهُ تَسْمِيَةً فِعْلِيَّةً في اليومِ الأوَّلِ منْ شهرِ كانونَ الثاني من العَامِ الفائتِ 2019، وأخُصُّها بالذِّكْرِ اقتضَابًا عَلى النَّحْوِ التالي: أوَّلاً، «تجمُّع المهنيين السُّودانيين» الذي تُكَوِّنُهُ تَجَمُّعَاتٌ جُلُّهَا منْ مَعَاشِرِ الصِّحَافيِّينَ والمُحَامِينَ والطِّبَابِيِّينَ، وجُلُّ قادتِهَا كذاك أشخَاصٌ مَغْمُورُونَ عَلى الصَّعِيدِ الشَّعْبِيِّ، تحديدًا؛ ثانيًا، «تحالف قوى الإجماع الوطني» الذي تُشَكِّلُهُ تَحَالُفَاتٌ مِمَّا لا يَنْزُرُ عنْ سَبْعَةَ عَشَرَ حِزْبًا «لايَسَاريًّا» تتخلَّلُهَا أرْبَعَةُ أحْزَابٍ من «اليَسَارِ الماركسيِّ» أو «اليَسَارِ اللاماركسيِّ» أو الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»؛ ثالثًا، «تكتُّل نداء السُّودان» الذي تُجَسِّدُهُ تَكَتُّلاتٌ منْ مُخْتَلِفِ الأطْيَافِ الوطنيةِ ضَامَّةً بذاك تنظيمَاتٍ مَدَنِيَّةً مُسَالِمَةً وحَرَكَاتٍ شَعْبِيَّةً مُسَلَّحَةً، عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ رابعًا (وأخيرًا، وليسَ آخِرًا)، «التجمُّع الاتحادي المعارض» الذي تُجَسِّمُهُ تَجَمُّعَاتٌ مِمَّا يَرْبُو عنْ ثمَاني فَصَائلَ اتِّحَادِيَّةٍ لا تَرُومُ التَّدَخُّلَ في شؤونِ أيٍّ من الأحْزَابِ الأُخرى، إلى آخِرِهِ، إلى آخِرِهِ – نَاهِيكُمَا، بالطَّبْعِ، عنْ أنَّ بقاءَ هكذا إعلانٍ مفتُوحًا لكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أنْ يُصيبَ مِنَ النظامِ الأتوقراطيِّ العسكريِّ المَقِيتِ المَقَاتِلَ كُلَّهَا ليسَ لَهُ إلاَّ أنْ يُخَلِّقَ، والحَالُ هذهِ، نوعَيْنِ مِمَّا يُمْكِنُ أنْ نُسَمِّيَهُ بـ«الخِلافِ السَّبَبِيِّ التَّعَاوُرِيِّ» Alternately Causative Discordance، نوعَيْنِ، أقُولُ، منْ هذا «الخِلافِ» عَلى أقلِّ تقديرٍ هُنَا: ثَمَّ خِلافٌ سَبَبِيٌّ تَعَاوُرِيٌّ بينَ كلٍّ منْ هَاتِهِ الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةِ وبينَ ذاتِ «المجلسِ العسكريِّ الانقلابيِّ» في مَسْألَةِ الاِخْتِلاءِ الثنائيِّ حَوْلَ التَّبَاحُثِ والتَّفَاوُضِ، منْ جَانبٍ أوَّلَ، وثَمَّ خِلافٌ سَبَبِيٌّ تَعَاوُرِيٌّ كذاك بينَ هذا الاِئتلافِ المورفولوجيِّ السِّينِيِّ وبينَ ذاك الاِئتلافِ المورفولوجيِّ العَيْنِيِّ في قَضِيَّةِ الاِخْتِلاءِ الأُحَادِيِّ حَوْلَ التخطيطِ والتدبيرِ، وبالأخصِّ فِيمَا يخُصُّ هكذا خِلافًا سَبَبِيًّا تَعَاوُرِيًّا فِيمَا بينَ أحْزَابِ «اليَسَارِ الماركسيِّ» و«اليَسَارِ اللاماركسيِّ» والـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ» ذَوَاتِهَا، منْ جَانبٍ آخَرَ.

يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ، وآنَ الآنَ للحَقِّ عَلى شَفِيرِ هذا «الشِّقِّ» أنْ يُقَالَ، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ من اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ في الآلِ والمَآلِ، خَلا، حَقًّا، أيِّ شَيْءٍ يَتَشَيَّأُ بالقُوَّةِ، دَعْكُمَا مِنْ تَشَيُّئِهِ بالفِعْلِ، عنْ أولئك الزَّاعِمِينَ والمَزْعُومِينَ عَليهِ منْ سَائِرِ الاِزدواجِيِّينَ والاِنتهازيِّينَ والاِنهزاميِّينَ والاِنكسارِيِّينَ والاِنكشارِيِّينَ، ومنْ سَائِرِ أمْثَالِهِمْ كذاك، بطبيعةِ الحَالِ. بَيْدَ أنَّ من الأغلاطِ الجِسَامِ، الجِسَامِ اللواتي يرتكبُهَا هذا اليَسَارُ الماركسيُّ الحَقِيقِيُّ الحَقِيقُ، وترتكبُهَا كذلك سَائِرُ «مُشْتقَّاتِهِ» ارْتِكابًا لاوَاعِيًا في بلادِ الغربِ بالذاتِ (بِمَا فيها حتَّى تلك «المُشْتقَّاتُ» الأصليَّةُ والفرعيَّةُ والفرعيَّةُ-الفرعيَّةُ، وهْيَ تظهرُ حِينًا بعدَ حِينٍ بانضوائِهَا البَيِّنِ تحتَ لِوَاءِ اليَسَارِ التروتسكيِّ، أوِ اليَسَارِ الأَنَارْكِيِّ، أوْ أيٍّ منْ أمثالِهِمَا، كذلك)، من الأغلاطِ الجِسَامِ مَا يَتَكَمَّنُ في الاِختلاقِ الوَاعِي، عَلى النَّقِيضِ، لذلك البَوْنِ الأيديولوجيِّ شَاسِعًا شُسُوعًا إلى حَدٍّ لا يقبلُ المِرَاءَ ولا يقبلُ الجِدَالَ، فِيمَا يبدُو، بينَ «الثِّقَالِ» منْ تلك الآثامِ والشُّرُورِ التي تتخصَّصُ بِهَا أنظمةُ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ نَهْجًا مُنْتَهَجًا (بأيٍّ منْ شَكْلَيْهَا «البَرَّانِيَّيْنِ» المُكَمِّلَيْنِ لِبَعْضِهِمَا البَعْضِ، شَكْلِهَا الليبراليِّ الاِتِّبَاعِيِّ، أو القَدِيمِ، وشَكْلِهَا الليبراليِّ المُحْدَثِ، أو الجَدِيدِ)، مُنْتَهَجًا في ذلك العَالَمِ «الديمقراطيِّ» المصنَّفِ «عَالَمًا أوَّلَ»، خاصَّةً، منْ جِهةٍ أولى، وبينَ «الخِفَافِ» منْ تلك الآثامِ والشُّرُورِ ذَوَاتِهَا التي تتعمَّمُ بِهَا أنظمةُ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ-التقليديَّةِ (المُنْضَوِيَةِ) نَحْوًا مُنْتَحًا بشَكْلٍ «دَوْلِيٍّ-مَرْكَزِيٍّ» سَارِدٍ، أوْ بالعَكْسِ «مَرْكَزِيٍّ-دَوْلِيٍّ» سَادِرٍ، شَكْلٍ آخَرَ ثالثٍ يُسَمَّى تَسْمِيَةً قَرْنِيَّةً خَاصَّةً بـ«رأسماليَّةِ الدولةِ» State Capitalism، مُنْتَحًا في هذا العَالَمِ الأتوقراطِيِّ المصنَّفِ «عَالَمًا ثَالِثًا»، عَامَّةً، منْ جِهةٍ أُخْرَى. وهكذا، عَلى سبيلِ التمثيلِ لا التحصيرِ، في أثناءِ تأجِيجِ تلك التَّدَاعِيَاتِ الإقليميَّةِ والعَالَمِيَّةِ التي تَأَتَّتْ عنْ حَرْبِ الخَلِيجِ الأولى عامَ 1991، تَأَتَّتْ في الضَّرَّاءِ لا في السَّرَّاءِ، وفي إبَّانِ تَهْجِيجِ تلك المُظَاهَرَاتِ الغربيَّةِ التي قِيمَ بِهَا احْتِجَاجًا وسَخَطًا عَلى شَنِّ هذهِ الحَربِ البربريَّةِ الشَّعْواءِ (وعَلى الأخصِّ تَهْجِيجَ تلك المُظَاهَرَاتِ التي قِيمَ بِهَا في فرنسا وإنكلترا دُونَ غيرِهِمَا، إبَّانَئِذٍ، في كافَّةِ الأطرَافِ والآنَاءِ)، لَمْ يَلْبَثِ المُتَظَاهِرُونَ، ولَمْ تَلْبَثِ المُتَظَاهِرَاتُ، منْ ذاك اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ أنْ رَفَعُوا يَافِطَاتِهِمْ وعَقَائِرَهُمْ، وأنْ رَفَعْنَ يَافِطَاتِهِنَّ وعَقَائِرَهُنَّ، بأعْلَى مِمَّا تُطيقُ الأيَادِي والحَنَاجِرُ تنديدًا شَدِيدًا بأمريكا جورج هربرت بوش (الأبِ)، وكذاك بكُلٍّ منْ تلك الحَلِيفَاتِ منْ بلادِ «الغُرْبَانِ» ومنْ بلادِ «المُسْتَغْرِبِينَ» قَاطِبَةً، مِنْ زَاوِيَةٍ أولى، وتأييدَا وتسْنيدًا أشدَّ منهُ بشدِيدٍ، منْ ثَمَّ، لعِرَاقِ صدام حسين (الآبِ والاِبْنِ والرُّوحِ المُقَدَّسِ، ذاك الذي «تحَدَّى، بالمُفْرَدِ، أيَّمَا تَحَدٍّ» أرَاهِيطَ الأبَالِيسِ، «جَمْعًا مَجْمُوعًا»، من الغَرْبِ الإمبرياليِّ المُدَنَّسِ)، دُونَمَا تَطَرُّقٍ إلى أيَّةٍ من تيك الخَصِيمَاتِ والغَرِيمَاتِ الشُّؤْمَيَاتِ الأُخْرَيَاتِ منْ بلادِ «العُرْبَانِ» ومنْ بلادِ «المُسْتَعْرِبِينَ» بَتَاتًا، منْ زَاوِيةٍ أُخْرَى، كذلك – وذلك فيمَا يُمْكنُ أنْ نَدْعُوَهُ الآنَ، منْ هذهِ الزَّاويةِ الأَخِيرَةِ بالذاتِ، بـ«المُقَابِلِ المَوْضُوعِيِّ» Objective Contradictive، حَسْبَمَا يَدُلُّ عَليهِ المفهُومُ النَّظِيرُ دَلَالاً خَفِيًّا في خَفَايَا الاِستدلالِ المنطقيِّ بالعَيْنِ، وحَسْبَمَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ استئناسًا جَلِيًّا كذاك بمَا يُدْعَى دُعَاءً نَحْتِيًّا أجَلَّ بِـ«المُعَادِلِ المَوْضُوعِيِّ» Objective Correlative، يُدْعَى في كُلٍّ من مَجَالِ النقدِ الفنيِّ الآلْسْتُونِيِّ (نَسْبًا إلى الرَّسَّامِ والشَّاعِرِ الأمريكيِّ المَغْمُورِ واشِنْتُون آلْسْتُون (1779-1843) ومَجَالِ النقدِ الأدبيِّ الإلْيُوتِيِّ (عَزْوًا إلى الشَّاعِرِ والنَّاقِدِ الأمريكيِّ-البريطانيِّ المَشْهُورِ توماس سْتيرْنْز إلْيُوت (1888-1965)). صَحِيحٌ أنَّهُ، في مَرَاحِلِ طُغْيَانِ أنظمةِ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ طُغْيَانًا بتَوَحُّشِهَا وتَحَوُّشِهَا الجَارِفَيْنِ، أنَّ عَلى البشريَّةِ جَمْعَاءَ أنْ تختارَ بينَ «الاِنتقالِ الدَّلِيلِ إلى النِّظَامِ الاِشتراكيِّ» وبينَ «الاِنْخِزَالِ الذَّلِيلِ إلى المَشَاعِ البَرْبَرِيِّ»، كمَا كانَ المُعَلِّمَانِ الصَّدِيقَانِ كارل ماركس (1818-1883) وفريدْريك إنْغِلْز (1820-1895) يُحَذِّرَانِ الآنَامَ، عَلى الدَّوَامِ، تَحْذِيرًا منْ مَغَبَّاتِ هذا الطُّغْيَانِ الرأسماليِّ التقليديِّ الذَّمِيمِ والدَّمِيمِ، وكمَا كانتْ كذلك عَيْنُ التلميذةِ الصَّدُوقِ روزا لَكْسِمْبُورْغ (1871-1919) تُؤَكِّدُ تَأْكِيدًا كذاك، بالمِرَارِ والتَّكْرَارِ، عَلى هكذا تحذيرٍ دُونَمَا كَلالٍ، أوْ مَلالٍ، منْ خِلالِ مَنْشُورَاتِ كُرَّاسِهَا الثوريِّ الشَّهِيرِ بالعنوانِ الجَهْرِيِّ «أزْمَةُ الديمقراطيةِ الاِجتماعيَّةِ في ألمانيا» Die Krise der Deutschen Sozialdemokratie، والأكثرِ شُهْرةً حتَّى بالعنوانِ السِّرِّيِّ «كُرَّاسُ يونْيوس» Junius-Broschüre (والاِسمُ «يونْيوس»، أوْ «جونْيوس»، عَلى فكرَةٍ، هو الاِسمُ القَلَمِيُّ المُسْتَعَارُ الذي كانتْ روزا لَكْسِمْبُورْغ تستخدمُهُ لِذَاتِهَا تلميحًا تفاؤليًّا إلى مؤسِّس الجمهوريَّةِ الرُّومَانيَّةِ الأولى، لوشْيوس جونْيوس بروتوس (545-509 ق.م.)). ولٰكِنَّهُ صَحِيحٌ كذاك، لا بَلْ أصَحُّ بكَثِيرٍ، أنَّهُ، في أطْوَارِ عُدْوَانِ أنظمةِ الإمبرياليَّةِ الحَدِيثَةِ عُدْوَانًا بتَوَغُّلِهَا وتَغَوُّلِهَا العَارِمَيْنِ، وفي أطْوَارِ بُغْيَانِ أنظمةِ الفاشيَّةِ «الحَثِيثَةِ» بُغْيَانًا بتَوَغُّلِهَا وتَغَوُّلِهَا الأشَدِّ عُرَامًا، أنَّ عَلى هذهِ البشريَّةِ جَمْعَاءَ كذلك ألاَّ تختارَ إلاَّ المَوْقفَ الرَّافِضَ رَفْضًا قَطْعِيًّا لِكُلٍّ من «الاِنْبِيَاعِ اللَّكِيعِ لِلنِّظَامِ الإمبرياليِّ البَرْبَرِيِّ» و«الاِنْصِيَاعِ الوَضِيعِ لِلنِّظَامِ الفاشيِّ الهَمَجِيِّ»، كمَا كانَ الرَّاحِلُ الفَذُّ إدوارد سعيد يُنَبِّهُ «اليَسَارَ» الغَرْبِيَّ (حتَّى قَبْلَ «اليَسَارِ» الشَّرْقِيِّ) بالذاتِ، عَلى اختلافِ تَحَزُّبَاتِهِ وعَلى ائتِلافِ تَكَتُّلاتِهِ، تَنْبِيهًا مُسْتَدِيمًا منْ مَطَبَّاتِ هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ السَّقِيمِ والخَمِيمِ، هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ بينَ شَرَّيْنِ شِرِّيرَيْنِ لا يَنِيَانِ يَجْنِفَانِ بكُلِّ الشُّرُورِ، وكلٌّ بأُسْلُوبِهِ السُّلُوكِيِّ اللاإنْسَانِيِّ واللاأخْلاقِيِّ المَسْعُورِ، جَنَفًا جَنُوفًا عن الحَقِّ الفَرْدِيِّ والجَمْعِيِّ وعن العَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ أنَّى تَوَاجَدَا (إنْ تَوَاجَدَا، فِعْلِيًّا) في هذهِ الدُّنْيَا، وعَلى حِسَابِ أيٍّ منْ تلك الجَمَاهِيرِ التي ثارتْ، ومَا زالتْ تَثُورُ، منْ أجلِ هذا الحَقِّ ومنْ أجْلِ هذهِ العَدَالَةِ، ولَوْ بالإتْيَانِ والمَأْتَاةِ بَدْءًا بالحُدُودِ الدُّنْيَا، كبدايةٍ لحَاضِرٍ جَديدٍ وبدايةٍ لمستقبلٍ مَجيدٍ – وقدْ أعَادَ إدوارد سعيد ذاتُهُ هذا التَّنْبِيهَ بنَحْوٍ حتَّى أكثرَ اسْتِدَامَةً في مُسْتَهلِّ إحْدَى رَائِعَاتِ مُحَاضَرَاتِهِ الرِّيثِيَّةِ (نِسْبَةً إلى جون تشارلْز وُولْشَامْ ريث (1889-1971)، بوَصْفِهِ أوَّلَ مُديرٍ عَامٍّ مُؤَهَّلٍ بجَدَارَةٍ لهَيْئةِ الإذَاعةِ البريطانيَّةِ BBC، الغَنِيَّةِ عن التَّعْرِيفِ)، تلك المُحَاضَرَةِ التي ظَهَرتْ بتَرْتِيبِهَا السَّادِسِ والأخِيرِ تحتَ العنوانِ الدَّالِّ «الآلِهَةُ التي تفشلُ دَائمًا» Gods That Always Fail، في كُتَيِّبِهِ الشَّهِيرِ جَامِعًا هذهِ المُحَاضَرَاتِ كُلَّهَا، وحَامِلاً كذاك عنوانَ المُحَاضَرَةِ الأولى الأكثرَ دَلالّةً، «تَمَثُّلاتُ المُثَقَّفِ» Representations of the Intellectual – وفيمَا يلي، هَا هُنَا أدْنَاهُ، بِضْعَةٌ منْ أمثلةٍ مَلْمُوسَةٍ عَلى هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ بينَ الشَّرَّيْنِ الشِّرِّيرَيْنِ المَعْنِيَّيْنِ بالذَّاتِ، أمثلةٍ مَلْمُوسَةٍ مُسْتَقَاةٍ منْ صَفَحَاتِ ذلك المِنْبَرِ المَعْنِيِّ بالذَّوَاتِ:

هكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَخْتَلِفُ بَتَّةً، منْ حيثُ الجَوْهَرُ، عنْ مَوْقِفِ البَاحِثِ الجَامِعِيِّ «اليَسَارِيِّ الماركسيِّ» جلبير الأشقر لَدَى تَرْوِيجِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الجِدِّ وَاضِحٍ، عَلى لِسَانِهِ بالذَّاتِ، لقوَّةِ إيرانَ «الجمهوريةِ الإسلاميَّةِ» بالفَرْضِ الكِفَائِيِّ والكِفَاوِيِّ أوْ، بأدْنَاهُ، بفَرضِ العَيْنِ، ولقدرَتِهَا «عَلى إشْعَالِ منطقةِ الخَلِيجِ بأسْرِهَا» قُدَّامَ المَشْرِقَيْنِ وقُدَّامَ المَغْرِبَيْنِ، رَغْمَ الصَّوَابِ في كلامِهِ الانتقادِيِّ عنْ أمريكا بذَاتِ الذَّاتِ وعنْ سِيَاسَةِ «البَلْطَجَةِ»، أوْ بالقَمينِ سِيَاسَةِ «الخُوَّةِ»، التي تَسُوسُهَا «مُتَعَنْطِزَةً» وتُسَيِّسُهَا «مُتَمَضْرِطَةً»، عَلى أكثرَ منْ صَعِيدٍ، في تلك الفَلاةِ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَهُ: «ترامب، كثورٍ في متجرِ خزفٍ»، القدس العربي، 14 أيار 2019). وهكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَفْتَرِقُ البَتَّةَ أيضًا، منْ حيثُ الأسَاسُ، عنْ مَوْقِفِ الكاتبِ الإعْلامِيِّ «اليَسَارِيِّ اللاماركسيِّ» فيصل القاسم إزَاءَ تَدْوِيرِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الأوْضَحِ منْ آنِفِهِ، منْ لَدُنْهُ هو الآخَرُ، لوَضْعِ اللائِمَةِ، كُلِّ اللائِمَةِ كُلِّهَا، عَلى أولئك الآمِرِينَ مِمَّنِ اصْطَنَعُوا الطُّغَاةَ العُتَاةَ، لا عَلى هؤلاءِ المَأْمُورِينَ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ أنفسِهِم بالإثْبَاتِ والدَّلِيلِ، ولاتِّهَامِ كُلِّ مُحَلِّلٍ، أوْ مُعَلِّقٍ، سِيَاسِيٍّ يلُومُ هؤلاءِ المَأْمُورِينَ الأوَاخِرَ لَوْمًا دُونَ أولئك الآمِرِينَ الأوَائلِ بالخِدَاعِ والتَّضْلِيلِ، رَغْمَ السَّدَادِ في حَدِيثِهِ المَلامِيِّ عنْ أولئك الآمِرِينَ الأوَائلِ، في حَدِّ ذَوَاتِهِمْ، بوَصْفِهِمْ سَبَبَ البَلاءِ والبَلْوَى كُلِّهِمَا، في مَقَامٍ أسْبَقَ منْ مَقَامِ طُغَاتِهِمْ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَهُ: «لا تلوموا كلابَ الصيدِ بلْ لوموا أصحابَها»، القدس العربي، 10 أيار 2019). وهكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَتَبَايَنُ بَتًّا كذلك، في لُبَابِهِ، عنْ مَوْقِفِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ «اليَسَارِيِّ الماركسيِّ-اللاماركسيِّ» صبحي حديدي جَرَّاءَ تَدْوِيلِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الأشَدِّ وُضُوحًا منْ آنِفَيْهِ، منْ طَرَفِهِ هو الآخَرُ، لِلسَّمَاحِ لنفسِهِ (وهو مُحِقٌّ كُلَّ الحَقِّ في ذلك) بإدَانَةِ «العُرْبَانِ» في المَمْلكاتِ والإمَارَاتِ منْ منطقةِ الخَلِيجِ، كمثلِ آل خليفة وأمثالِ «الآلاتِ» الآخَرِينَ، بِمَا فَعَلُوهُ في تلك «الورشةِ الاقتصاديةِ المَنَامِيَّةِ» منْ أفْعَالٍ في التَّحْرِيفِ والتَّسْريعِ الكَارِثِيَّيْنِ منْ مَسَارِ الشَّعْبِ الفلسطينيِّ نَحْوَ مَصِيرٍ مَجْهُولِ الهُوِيَّةِ لا مُؤدًّى لَهُ إلاَّ إلى الهَاوِيَةِ، ولِعَدَمِ السَّمَاحِ لنفسِهِ منْ ثَمَّ، في المُقَابلِ المُدَاهِنِ أيَّمَا مُدَاهَنَةٍ، بإدَانَةِ «العَرَبِ» و«المُسْتَعْرِبينَ» منْ أزلامِ «القياداتِ الفلسطينيَّةِ» أنْفسِهِمْ من البَائدينَ كياسر عرفات ومن السَّائدِينَ كمحمود عباس، عَلى حَدٍّ سِوًى، عَلى الأقلِّ بَدْءًا مِمَّا سَبَّبُوهُ منْ كوارثَ أفظَعَ جَرَّاءَ الرُّضُوخِ لتوقيعِ اتِّفَاقِيَّاتٍ هَوَانِيَّةٍ، كاتِّفَاقِ مُعَسكر داوود واتِّفَاقِيَّةِ أوسْلو، ومَا شَابَهَ ذلك، ظَانِّينَ أنَّهُمْ سَيَحْصُلُونَ عَلى مَا خَالُوهُ منِ امتيازاتٍ منْ خلالِ «بُنُودِ السَّلامِ» لِعَجْزِهِمْ عنْ حُصُولِهِمْ إيَّاهَا مِنْ خلالِ الحُرُوبِ الضِّرَامِ – وهناك من المُحَلِّلِينَ والمُعَلِّقينَ السِّيَاسيِّينَ مِمَّنْ هُمْ عَلى يَقِينٍ تَامٍّ منْ أنَّهُ لَوْ كانَ ياسر عرفات عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ، في هذا الزَّمَانِ، الزَّمَانِ المَوَاتِ، لكانَ قدْ أوْصَلَ الشَّعْبَ الفلسطينيَّ إلى جَحِيمٍ أسْوَأَ بكثيرٍ مِمَّا يفعلُهُ الآنَ بِهِ «عُرْبَانُ» الخَلِيجِ أولئك «الآلاتُ»، بحُضُورِ «شَخْصِيَّةِ» المِهْرَجَانِ العَجِيِّ الدَّاشِرِ جارد كوشنر، صِهْرِ دونالد ترامب الهَكَّةِ الأدْشَرِ– وهناك كذاك من المُحَلِّلِينَ والمُعَلِّقينَ السِّيَاسيِّينَ مِمَّنْ هُمْ عَلى يَقِينٍ أتَمَّ منْ أنَّهُ لَوْ كانَ شارل ديغول عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ، هو الآخَرُ الذي يُدَوِّلُ لَهُ صبحي حديدي «اليَسَارِيُّ الماركسيُّ-اللاماركسيُّ» عَلى الغِرَارِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ ذاك عَلى اعتبارِهِ بالحَرْفِ الحَدِيدِيِّ « مُحرِّرَ فرنسا من الاحتلالِ النازيِّ»، لَوْ كانَ شارل ديغول عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ بضَمِيرٍ إنْسَانِيٍّ حَقِيقِيٍّ كضَمِيرِ نْعُوم تشومسكي، مثلاً لا حَصْرًا، لَهَزِئَ كُلَّ الهَزْءِ وكُلَّ الهُزُوءِ وكُلَّ المَهْزَأَةِ كُلِّهَا منْ هكذا تدويلٍ دِعَائِيٍّ ودِعَاوِيٍّ لشَيْءٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ بَتَاتًا، في وَاقِعِ الأمْرِ، بَلْ قَامَ بِهِ أولئك الجُنُودُ الذينَ جُلِبُوا عَنْوَةً منْ أرْحَامِ المُسْتَعْمَرَاتِ، أيَّامَذاك، وأغلبُهُمْ كانوا منْ آنَامِ الجَزَائرِ والمَغْرِبِ، عَلى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، أولئك الجُنُودُ الذينَ أُرْغِمُوا عَلى الخَوْضِ في غِمَارِ حَرْبٍ لَمْ يكونوا، في الأصْلِ، يُرِيدُونَ الخَوْضَ في غِمَارِهَا، منْ قريبٍ أوْ بعيدٍ، أولئك الجُنُودُ الذينَ قاتلوا النَّازِيِّينَ بِبَأْسٍ شدِيدٍ كَانَ الفَصْلَ الحَاسِمَ والفَيْصَلَ المَحْسُومَ في مَسْألَةِ «الانْتِصَارِ»، وكانَ الرَّأيُ الفرنسيُّ العَامُّ قَدْ أَجْحَفَ، عنْ قَصْدٍ وعنْ عَمْدٍ، بحَقِّهِ أيَّمَا إجْحَافٍ منْ أمَامِ كُلِّ المَدَائنِ والأمْصَارِ، أولئك الجُنُودُ الذينَ قاتلوا النَّازِيِّينَ بأشدِّ مَا أُوتُوا منْ ذلك البَأْسِ الشدِيدِ لأنَّهُمْ كانُوا قَدْ خُدِعُوا وقَدْ وُعِدُوا باسْتِقْلالِ بلادِهِمْ، في المُقَابلِ الأَعَزِّ والأغْلَى، فكانوا يقاتلونَ النَّازِيِّينَ بأشدِّ مَا أُوتُوا منْ ذلك البَأْسِ الشدِيدِ وكأنَّهُمْ كانوا يقاتلونَهُمْ منْ أجْلِ تَحْرِيرِ بلادِهِمْ، ليسَ إلاَّ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَيْهِ: «المنامة: طنينُ آلِ خليفة في ورشةِ آلِ ترامب»، القدس العربي، 27 حزيران 2019؛ «اليمينُ الفرنسيُّ بينَ مطرقةِ ماكرون وسندانِ ديغول»، القدس العربي، 13 حزيران 2019). حتَّى طَاقِمُ التَّحْريرِ المَعْنِيُّونَ، طاقِمُ تَحْرِيرِ هذهِ «القدس العربي» الذينَ يدَّعُونَ باسْتِحْسَانِ «الاِستقلالِ السِّيَاسيِّ» عنْ سَائرِ الطُّيُوفِ من «اليَسَارِ» وعنْ كافَّةِ الصُّنُوفِ من «اليَمينِ» وعنْ مُجْمَلِ المَعْطُوفِ واللامَعْطُوفِ منْ رُفُوفِ أوْ منْ دُفُوفِ الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، حتَّى طَاقِمُ التَّحْريرِ المَعْنِيُّونَ هؤلاءِ، والأنْكى منْ ذلك كُلِّهِ، لا يتردَّدُونَ ولا حتَّى يتلكَّؤونَ في اسْتِنْفَارِ مَلَكَاتِ «المَوْهُوبِينَ» منْهُمْ، إنْ كانَ ثَمَّةَ بينَهُمْ «مَوْهُوبُونَ» حَقًّا، في السَّبْكِ الكلاميِّ الإعْلاميِّ المَبْتُورِ لأحْقَرِ مَا يُمْكِنُ أنْ يكونَ نَعْتًا نَمُوذَجًا للمَوْقِفِ «المَبدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ المَسْتُورِ مَا بينَ هذا وذاك المُبْتَدأِ المُبْتَدَى ومَا بينَ هٰذاك المُنْتَهَى من السُّطورِ، ترويجًا دِعَائِيًّا ودِعَاوِيًّا جَلِيًّا لِمَا يُمْلَى عَليهِمْ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ من «العُرْبَانِ» المُمَوِّلِينَ، وتَسْحِيجًا كِنَائِيًّا وكِنَاوِيًّا خَفِيًّا لِمَا يُتْلَى عَليهِمْ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ من «العُرْبَانِ» اللامُمَوِّلِينَ، تَرَيَانِهِمْ (أيْ تَرَيَانِ طَاقِمَ التَّحْريرِ المَعْنِيِّينَ هؤلاءِ) يجْرُؤُونَ بالجَرَاءَةِ المُشْتَرَاةِ، إبَّانَ «الحُرُوبِ الدَّاحِسِيَّةِ والغَبْرَائِيَّةِ حَوْلَ انْبِثَاقِ الهِلالِ»، يجْرُؤُونَ عَلى شَنِّ الهُجُومِ المَنْظُومِ عَلى «العُرْبَانِ» في المَمْلكاتِ والإمَارَاتِ بالـ«آلِ» والـ«آلِ»، يجْرُؤونَ (وهُمْ، لاكْتِمَالِ المَهَازِلِ، مُصِيبُونَ) عَلى شَنِّهِ بالحِجَاجِ والتَّحَجُّجِ أنَّ هذهِ «الآلاتِ» لَمْ تَفْتَأْ تُعَجِّلُ بالخُطَى نَحْوَ ذلك «التَّطْبِيعِ» الذَّلِيلِ، ولا يتجَرَّؤُونَ، كَمَا الفِئْرَانِ الخِنَاسِ، بأيِّ تَجَرُّؤٍ عَلى شَنِّهِ، في المُقَابِلِ الأنْكَى، عَلى «الآلاتِ» من «العُرْبَانِ» في الدُّويْلاتِ بالذَّوَاتِ وهُنَّ «المُطَبِّعَاتُ» الأُولَيَاتُ، بلا مُنَازِعٍ، معَ تلك الدُّوَيْلَةِ التي يَدْعُونَهَا «إسرائيل». كَمَا نَوَّهَتْ إحدى المُعَلِّقَاتِ الفَطِينَاتِ عَمَّا مَعْنَاهُ هُنَا، لا أظنُّ أنَّ هناك «مُحَلِّلاً سِيَاسِيًّا»، أوْ «كاتبًا صِحَافِيًّا»، عربيًّا شريفًا في أيِّ طَاقِمِ تَحْرِيرٍ عربيٍّ لأيَّةِ صَحِيفةٍ رَسْمِيَّةٍ عربيَّةٍ، حتَّى لَوْ شَهِدَتْ كلُّ مَعَاشِرِ الإِنْسِ والجِنِّ عَلى «شَرَفِهِ»، من المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى – والافتتاحِيَّاتُ منْ طَاقِمَ التَّحْريرِ المَعْنِيِّ اللواتي تَدُلُ عَلى هذا التَّنْوِيهِ بالبُرهَانِ القَطْعِيِّ أيَّمَا تَدْلِيلٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى!

وفي الأخيرِ، تستمرُّ أمريكا ترامب في الالتذاذِ باللَّعِبِ اللامرئيِّ معَ إيرانِ الخامنئي (لا الخميني، كما يغرِّدُ المَسْطُولُ الأوَّلُ)، تستمرُّ أمريكا في تلعيبِ إيرانَ عَلى أحبالٍ لامرئيَّةٍ كذاك ثَمَنًا لتَسْلِيمِ الأولى الأخيرةَ العراقَ «عَلى طَبَقٍ منْ ذَهَبٍ، أوْ منْ فِضَّةٍ»، كمَا يَحْلَوْلِي للكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ استعْمَالُ هذا التعبيرِ العُبُودِيِّ قلبًا وقالبًا. وهذا الالتذاذُ باللَّعِبِ اللامرئيِّ، ها هُنا، إنْ هو إلاَّ شكلٌ من أشكالِ النُّزوعِ إلى التلاعبِ بالتباسيَّةِ الدالِّ اللاواعي، كأمرٍ مقضيٍّ، شكلٌ من نزوعٍ من العسيرِ جدًّا فَصْلُهُ فَصْلاً كُلِّيًّا عنْ جِنْسَانِيَّةِ كلٍّ من الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ (ترامب والخامنئي، والحالُ هذهِ، على الترتيبِ)، شكلٌ من نزوعٍ سمَّاهُ المُحَلِّلُ النفسانيُّ الفرنسيُّ، جاك لاكانُ، تسميةً بالنَّحْتِ المُركَّبِ Jouissance، في اللغةِ الفرنسيَّةِ، وسمَّيتُهُ، بدَوْرِي، تسميةً بالنَّحْتِ المُركَّبِ «الرَّعِبُ»، في اللغةِ العربيَّةِ، لكيْ يُوِحيَ إيْحَاءً جِنْسَانِيًّا بكُلٍّ منْ دلالةِ «الرَّعْشَةِ» ودلالةِ «اللَّعِبِ» في آنٍ واحدٍ – وكأنَّ ترامب والخامنئي كِلَيْهِمَا، بالتعبيرِ النفسانيِّ الصَّريحِ، يُمَارِسَانِ الجنسَ الذُّهَانِيَّ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» عَلى الطريقةِ الإنجيليَّةِ-الصَّفويَّةِ (الشِّيعِيَّةِ)، لأنَّ منْ مقتضيَاتِ هذا الالتذاذِ باللَّعِبِ اللامرئيِّ أنْ يشتدَّ الانجذابُ الجنسيُّ الذُّهَانِيُّ كلَّمَا احتدَّ العداءُ (المرئيُّ) بينَ الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ، تمامًا كمَا ينعتُ عَلَنًا كلٌّ من المَعْنِيَّيْنِ الآخرَ نَعْتًا تكفيريًّا استهجانيًّا بـ«الشَّيطانِ الأكبرِ»، أوْ بـ«الشَّيطانِ الأعظمِ»، وكلٌّ في الآنِ ذاتِهِ يلتذُّ التذاذًا «رَعِبِيًّا» بما يكتسبُهُ اكتسابًا ماديَّا و/أو معنويًّا منْ جرَّاءِ ذلك كلِّهِ، في آخرِ المَطافِ (كاجتياح إيرانَ لأربعٍ من العواصمِ العربيَّةِ حتَّى الآنِ، ومكتسباتُ أمريكا منْ «صَفْقَتِهَا التَّطْبِيعِيَّةِ» لمْ تعدْ خافيةً على أحدٍ، في هذا الأوَانِ). وفي الأخيرِ، من جهةٍ أخرى، تستمرُّ أمريكا ترامب في الالتذاذِ باللَّعِبِ المرئيِّ معَ تركيا أردوغانَ، تستمرُّ أمريكا في تلعيبِ تركيا عَلى أحبالٍ مرئيَّةٍ كذاك ثَمَنًا لتَنْدِيبِ الأولى الأخيرةَ على شمالِ سوريا إشباعًا لمآربِهَا التوسُّعيَّةِ، ولتَسْخيرِهَا منْ ثمَّ الأغلبَ و«الأقوى» منْ فصائلِ المعارضةِ السوريَّةِ، ولتَحْويلِهَا فضلاً عنْ ذلك كلِّهِ إلى فصائلَ مرتزقةٍ مأجورةٍ لا تختلفُ، منْ حيثُ المبدأُ الهمجيُّ والبربريُّ، عن «الكتائبِ الحَميدِيَّةِ» حينذاك، فصائلَ مرتزقةٍ مأجورةٍ لا تستخدمُها تركيا أردوغانَ القوميِّ الفاشيِّ منْ أجلِ تحريرِ الشَّعبِ السُّوريِّ منْ إجرامِ النظامِ الأسديِّ الطائفيِّ الفاشيِّ، هو الآخَرُ، بلْ منْ أجلِ القضاءِ على الشعبِ الكرديِّ بدلاً منهُ، بدءًا منْ وَحَدَاتِ الحزبَيْنِ الكرديَّيْنِ الشهيرَيْن، الأصلِ «حزبُ العمالِ الكردستانيِّ» PKK، والفرعِ «حزبُ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، ذينك الحزبَيْنِ اللذين لا ينيَانِ يقُضَّانِ مضجعَ «السلطانِ العثمانيِّ الجديدِ» في اليَقَاظِ وفي المنام – الجِمَاعُ الجنسيُّ بينَ ترامب وأردوغانَ، هَا هُنا، لا يحيدُ عنْ سَابقهِ كثيرًا (خصُوصًا وأنَّ الأوَّلَ مشهُورٌ بصِفَتِهِ «هَبِّيشَ» إباحيَّاتٍ من الدرجةِ الأولى)، الجِمَاعُ الجنسيُّ بينَهُمَا لا يحيدُ كثيرًا خَلا أنهُ جِمَاعٌ عُصَابيٌّ يمارسُهُ الاِثنانِ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» عَلى الطريقةِ الإنجيليَّةِ-العثمانِيَّةِ (السُّنِّيَّةِ)، نظرًا لأنَّ هذا الالتذاذَ باللَّعِبِ المرئيِّ لا يقتضي احتدادَ العداءِ (المرئيِّ) بينَ الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ، في هذهِ الحَالِ. والطُّغاةُ العُتاةُ المُصْطَنَعُونَ من «العُرْبَانِ» و«العَرَبِ» و«المُسْتَعْرِبينَ»، طُغاةُ التهدُّمِ لا التقدُّمِ، منْ طرفِهِمْ، ليسَ لهُمْ إلاَّ أنْ يمارسُوا الجِمَاعَ الجنسيَّ الذُّهَانِيَّ و/أو العُصَابيَّ فيمَا بينَهُمْ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» مرئيَّةً و/أو لامرئيَّةً عَلى الطريقةِ الوَهَّابِيَّةِ السَّلَفِيَّةِ أو الخَلَفِيَّةِ (المُحْدَثَةِ)، حَسْبَمَا يَنْتَوِيهِ حَالُ التظاهُرِ بـ«العَداوةِ»، تارةً أولى، وحَسْبَمَا يَبْتَنِيهِ حَالُ التَّمَظْهُرِ بـ«الصَّداقةِ»، تارةً أخرى. بَيْدَ أنَّهُمْ، رغمَ ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءِ ٱلْقَهْرِيِّ ٱلْتَّكْرَارِيِّ الذي يتَّصِفُونَ بهِ جَميعًا، ولا رَيْبَ فيهِ، بَيْدَ أنَّهُمْ مُخْلِصُونَ بـ«الذَّكَاءِ» المُقَابلِ كُلَّ الإخلاصِ العَضُودِ لِمَا يَرْمِي إليهِ بيتُ المتَنَبِّي المُغَمَّسُ بإكْسِيرِ الخُلُودِ: «وَمِنَ العَداوَةِ مَا يَنَالُكَ نَفْعُهُ / وَمِنَ الصَّدَاقَةِ مَا يَضُرُّ وَيُؤْلِمُ». وليسَ لهُمْ، في ذاك، منْ كُلِّ هذا التَّجامُعِ الجنسيِّ الذُّهَانِيِّ و/أو العُصَابيِّ، وليسَ لهُمْ منْ كلِّ هذا التظاهُرِ بـ«العَداوةِ»، أوْ منْ كلِّ هذا التَّمَظْهُرِ بـ«الصَّداقةِ»، سوى التَّسَانُدِ واالتَّعَاضُدِ الجِمَاعِيَّيْنِ الحَمِيمَيْنِ فيمَا بينَهُمْ سَعْيًا وَرَاءَ الاِبتكارِ اللاإنسانيِّ واللاأخلاقيِّ، لا بلْ سَعْيًا وَرَاءَ الاِبتكارِ مَا دُونَ-الحَيَوانيِّ ومَا دُونَ-البهيميِّ، لأحدثِ الأسَاليبِ وأنجعِهَا وأكثرِهَا دَمَويَّةً ووَحْشِيَّةً وحُوشِيَّةً وبربريَّةً منْ أجلِ القَمْعِ والسَّحْقِ «النِّهَائِيَّيْنِ» لكلِّ ثَوَرَانٍ شَعْبِيٍّ يهدِّدُ وُجُودَهُمْ ويَهُزُّ كِيَانَهُمْ ويُقَوِّضُ عُروشَهُمْ، في أيِّ صُقْعٍ منْ أصْقَاعِ هذا العَالَمِ العَرَبيِّ الرَّثِيمِ – فالطاغيةُ المصطنَعُ عبد الفتاح السيسي، من جَانِبِهِ، يُضَاعِفُ منْ حَالاتِ الاعتقالِ والإخْفاءِ القَسْرِيِّ والقتلِ الفُجَائيِّ بالعَشَرَاتِ وبالمئاتِ، بلا توقُّفٍ، وبالأخَصِّ بعدَ أنْ لَقِيَ الرئيسُ الأسبقُ محمد مرسي حَتْفَهُ وهو في قفصِ الاتَّهَامِ، ذلك الحَتْفَ الذي سَيَبْقَى وَصْمَةَ عَارٍ وخِزْيٍ في جَبِينِ هذا النظامِ السيسيِّ الفاشيِّ إلى أنْ يأتيَ آنُ زَوَالِهِ بسَواعِدِ المصريَّاتِ والمصريِّين، لا مَحَالَ – والطاغيةُ الأكثرُ اصْطناعًا بشار الأسد، منْ طرفِهِ، يُوَاصِلُ، بالسِّلاحِ والعَتادِ الرُّوسِيًّيْنِ جَوًّا والإيرانيَّيْنِ برًّا، يُوَاصِلُ التفنُّنَ، دُونَمَا انقطاعٍ، في ارتكابِ المَجَازرِ تلوَ المجَازرِ في الشَّمَالِ والشَّمَالِ الغربيِّ منْ سُوريا، ووَسْطَ صَمتٍ قُبُوريٍّ في كلٍّ من العَالَمِ الغربيِّ «الديمقراطيِّ» والعَالَمِ الشرقيِّ الأوتوقراطيِّ، ووَسْطَ بُزوغِ إرهَاصَاتٍ من الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ هُنَا وهُناكَ رَغْمَ كُلِّ ذلك – وثَمَّةَ قتلٌ في ليبيا اللَّهِيفَةِ بالجُملةِ منْ لَدُنِ الحَفْتَرِيِّينَ، وثَمَّةَ قتلٌ وقتلٌ في اليَمَنِ «اللاسعيدِ» بالجُملةِ والمُفَرَّقِ منْ قِبَلِ الحُوثِيِّينَ، وثمة قتلٌ وقتلٌ وقتلٌ في غزَّةَ الحَزينةِ حتَّى بالوصَايةِ المُثْلَى، وبالوصَايةِ اللامُثْلَى، وعلى أيْدِي الإسْرَائيليِّينَ وألْسِنَةِ العَبَّاسِيِّينَ المُنَسِّقِينَ الأمْنِيِّينَ الفَتْحَاوِيِّينَ القادمينَ من أوْسَاطِ «اليَسَارِيِّينَ الماركسيِّينَ» و«اليَسَارِيِّينَ اللاماركسيِّينَ» و«اليَسَارِيِّينَ الماركسيِّينَ-اللاماركسيِّينَ»، إلى آخرِهِ، إلى آخِرِهِ.

مَرَّةً أُخْرَى، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ، وآنَ الآنَ للحَقِّ عَلى شَفِيرِ هذا «الشِّقِّ» أنْ يُقَالَ، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ من اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ في الآلِ والمَآلِ، خَلا، حَقًّا، أيِّ شَيْءٍ يَتَشَيَّأُ بالقُوَّةِ، دَعْكُمَا مِنْ تَشَيُّئِهِ بالفِعْلِ، عنْ أولئك الزَّاعِمِينَ والمَزْعُومِينَ عَليهِ منْ سَائِرِ الاِزدواجِيِّينَ والاِنتهازيِّينَ والاِنهزاميِّينَ والاِنكسارِيِّينَ والاِنكشارِيِّينَ، ومنْ سَائِرِ أمْثَالِهِمْ كذاك، بطبيعةِ الحَالِ. ولا أسْفَلَ، لا أسْفَلَ، منْ هؤلاءِ، ولا أفْسَلَ، لا أفْسَلَ، منْهُمْ (ومنهُنَّ، تَبْعًا بالإيحَاءِ والإيمَاءِ) سِوَى أولئك «المُتَمَرْكِسِينَ» و«المُتَمَرْكِسَاتِ»، أولئك «المُتَأَدْلِجِينَ» و«المُتَأَدْلِجَاتِ»، أولئك المُتَذَبْذِبِينَ والمُتَذَبْذِبَاتِ تَذَبْذُبًا ليسَ ثَمَّ بَعْدَهُ، وليسَ ثَمَّ قَبْلَهُ، منْ تَذَبْذُبٍ في المُنَاوَرَاتِ وفي المُحَاوَرَاتِ وفي المُؤَازَرَاتِ بَيْنَ أنْجَاسِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ العُرْبَانِيِّ والعِبْرَانِيِّ والغُربَانيِّ وأذْنَابِهِمْ وبَيْنَ أرْجَاسِ الظَّلامِ «الإسلاميِّ» والإيرانيِّ والعُثْمَانِيِّ وأرْبَابِهِمْ – هذا إنْ لَمْ نَقُلْ أيَّ شيءٍ آخَرَ عنْ سَفَالَتِهِمْ وسَفَالَتِهِنَّ وعنْ فَسَالَتِهِمْ وفَسَالَتِهِنَّ، وهُمْ يتشدَّقُونَ وهُنَّ يتشدَّقْنَ أيَّمَا تَشَدُّقٍ بعباراتِ «النقدِ الثوريِّ البَنَّاءِ والعَمَّادِ» وعباراتِ «النقدِ الثوريِّ النَّصَّاحِ والجَدَّادِ»، و«الحَرْبُ مَسْألَةُ القَطِيعِ لِمَنْ يَدُكُّونَ الجِيَادَ»، و«الحَرْبُ خَاتِمَةُ الجُنُونِ، وَبِالجُنُونِ يُحِيلُهَا السِّمْسَارُ مَائِدَةَ الجَرَادِ»، و«طَبِيعَةٌ ثَكْلَى، وَإرْمٌ لا تَقِرُّ بِمُسْتَقَرٍّ أوْ عِمَادٍ»، ومَا إلى هذا مِنْ صَخْرَةٍ في وَادٍ، ومَا إلى ذاك مِنْ حُفْرَةٍ في مِهَادٍ!

[انتهى القسم الثاني عشر والأخير من هذا المقال، وليس الآخر]

*** *** ***

غياث المرزوق
بلفاست

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق