قراءات ودراسات

رواية المسغبة لثائر الناشف سردية الحرب والحصار والجوع في الأدب العربي

إبراهيم يوسف*

لا يكاد الأدب العربي يحفل بالكثير من روايات الحرب مقارنة بالآداب الأوروبية؛ التي شهدت تحولات عميقة في مسار كتابة هذا النوع من الروايات التي تعتبر واحدة من أشق الأنواع الأدبية صوغًا ونسجًا وإخراجًا إلى الجماهير، غير أننا سرعان ما استيقظنا اليوم على وقع رواية المسغبة للكاتب السوري ثائر الناشف.
إن الخوض في روايات الحرب كما ظهر جليًا في سردية المسغبة؛ والتي امتدت صفحاتها لأكثر من ألف وثمانمائة صفحة يحتاج دون أدنى شك إلى جهود كبيرة، وخبرات حياتية متراكمة قد تختلف من كتاب لآخر، وقد لا تتوفر مطلقًا، فهناك الكثير من البلاد والشعوب التي شهدت حروبًا أهلية طاحنة، ولم يكن ثمة كاتب قد سطّر يومياتها، وسرد وقائعها مثلما حدثت في الواقع، ولذا فإنها سرعان ما ستندثر من ذاكرة الأجيال على أنها ستبقى مقتصرة على مناهج البحث التاريخي التي لا تشذ عن سياقات التوثيق المادي البحت الذي لا يثير العواطف والشجون في النفس الإنسانية، ولكن إن توفر مثل ذاك الكاتب، فستسرد الحرب في سياقها الأدبي الذي سينتهي به المطاف إلى الخلود في وجدان الشعوب.


هذه الإحاطة لا بد أن تقودنا الى النبش عن روايات الحرب في الأدب العربي كسرديات ملحمية مثلما قدمها الأدبان الروسي والفرنسي في روايتي البؤساء والحرب والسلام الصادرتين في القرن التاسع عشر، فإننا لا نكاد أن نعثر حقًا على مثل هذا النوع من الروايات في المكتبة العربية إلا ما هو متاح فيها من روايات حرب مترجمة في ظل تعطش القارئ العربي لقراءة كل ما هو جديد.
فالحرب بكل شرورها وبشاعتها هي مادة الكاتب، ولا عذر للكتّاب العرب في العزوف عن كتابة روايات الحرب، وإثراء المكتبة العربية فيها سوى إلى حالة التشرذم والتشتت التي أصابت الأدب العربي على مدى أكثر من نصف قرن، منذ أن ابتليت الساحة العربية بأنظمة ذات صبغة قومية؛ جرّدت الأدب من محتواه الإنساني، ووظفته في خدمة السلطة، ولذا فإن معظم مواضيع الحرب التي تناولتها الرواية العربية، هي في الواقع مجرد مواضيع ثانوية هامشية بما يرضي هوس السلطة أو ربما كانت مواضيع تاريخية مغرقة في القدم كي لا تثير الزوابع حول الكاتب نفسه.


ثلاثية المسغبة على سفح الجبل الشرقي ليست مجرد رواية حرب وحسب، بل هي سردية ملحمية لنص مليء بالأحداث والوقائع والشخصيات، فالجهد المبذول من قبل الكاتب في نسج خيوط هذه السردية لا يمكن التغافل عنه، كما أن تكثيف الفصول والمشاهد بحوارات مُبسّطة وأخرى منطقية أعطى للنص انسيابية في ربط خيوط الأحداث، غير أن الربط عينه اعتمد أساسًا على ما احتواه ذهن الكاتب من خيالات واسعة، والتي بدت واضحة من خلال استغراقه العميق في وصف ملامح الشخصيات، والتركيز الطويل على استعراض محتويات المكان، لكنها ليست خيالات صورية جامدة، بل إنها أشبه ما تكون بالخيالات الدرامية الواثبة التي يعتمد عليها السينمائي في صناعة أفلامه، فالقارئ الذي يتمتع بذائقة سينمائية نشطة لا يمكن أن تغفل عنه هذه المسألة الحاسمة.
أمّا معمار الرواية فقد جاء مختلف اختلافًا تامًا عن معمار الرواية التقليدية، ففصول الرواية تنتقل بنا من حدث لآخر، بحيث تظل الأحداث كلها في مناخ الحرب، وفي بؤرة الحصار المتمثلة بمدينتي الزبداني ومضايا، فهذا الانتقال السلس، رغم أنه قد يصرف انتباه القارئ -الذي اعتاد أن يقرأ الرواية ضمن حدث واحد لبطل واحد- عن متابعة الحدث الأساسي، فإن هذا النمط لم يكن متاحًا في هذه السردية الطويلة، ولعل السبب في ذلك التنويع والتغيير الجذري، أنّ الكاتب بوصفه أحد ضحايا الحرب السورية التي سببها الصراع على السلطة، إنما يحاول الهروب من فكرة الفردي المطلق إلى الجمعي، فعدم تقييد النص ببطل واحد، فكرة قد تبدو مقبولة في ظل تنوع مدارس السرد وأساليبه الفنية.


ورغم أن تنوع الفصول كما هو معروف قد يصيب النص بشيء من التفكك إلا أن النص يخلو من ذلك، لأن الشخصيات هي دعامات النص، كما أن الحرب هي دائرة الحدث الأساسية، والحصار هو حجر الزاوية الذي تأسست عليه الرواية، فالصورة الذهنية التي أراد أن يقدمها النص عن الأطفال الجوعى، صورة مؤلمة، ولذا فإنها سرعان ما سترسخ في الذاكرة، وربما كان رسوخها في ذهنية الكاتب قد انعكس على النص برمته.
تبدو رواية المسغبة أشبه بالحجر الثقيل الذي حاول الكاتب أن يلقيه في بركة ماء راكدة؛ ليلفت الأنظار إلى ضخامة إنتاجه الأدبي الذي استغرق منه وقتًا طويلًا في التحضير والإعداد؛ إنها تبدو كذلك حقًا بمقتضى هذا التشبيه، رغم صدور أكثر من أربعمائة رواية سورية منذ بدء الحرب في عام ألفين وأحد عشر وحتى الآن، إلا أن مواضيعها السطحية لم تكن لتتماشى وفق المفهوم الكلاسيكي لمقومات بناء رواية الحرب لكي يقال عنها ذلك، فقد ظلت معظم مواضيعها تدور حول البكاء على الأطلال، وكأن سوريا جنة الله على أرضه، وأن الحرب شر مقيت، فجاءت تلك الروايات لتنبه القارئ إلى فداحة الحرب دون أن تقدم حلولًا أو معالجة رصينة لمشاكل الحياة التي يلقي بها الواقع المرير على كاهل الإنسان السوري.


أدب الحرب هو الأدب الناقل لانطباعات الشعوب بشكل حي وصادق، بل هو الكاشف الحقيقي لسلوكياتنا، ربما أكثر بكثير مما يفعله الأدب الرومانسي، لأن النفس الإنسانية تبدو مكشوفة تمامًا في خضم الحرب، وهي لا تكلف الروائي عناءً كبيرًا مثلما هو الحال في أدب الرحلات أو حتى في أدب السجون.
رواية الحرب كما بدت في سردية المسغبة تحتاج إلى كاتب موسوعي؛ هادئ الطباع، حليم النفس، صافي الذهن بحيث لا يسهى عن مقاربة الأحداث بعضها في بعض، فضلًا عن فيض مشاعره الجياشة في تحسس أدوار الشخصيات التي تنهض بها الرواية، كما أن اتزان الشخصية، والابتعاد عن الانفعالية والصخب النفسي من شأنه أن يترك أبدع الأثر في لغة النص، فجمالية اللغة لا تخفي نفسها في سطور النص.

*كاتب وناقد سوري مقيم في ألمانيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق