ثقافة المقال

مفهوم الإنسانية في فيلم “قنديل أم هاشم”

بقلم د. نيفين عبد الجواد

في فيلم “قنديل أم هاشم” الذي تم إنتاجه سينمائيًا بواسطة شركة القاهرة للإنتاج السينمائي عام 1968م، نرى الشاب اليافع “إسماعيل” الذي نشأ في منطقة شعبية بسيطة يسود فيها ممارسة الطقوس الخاصة بالتبرك بالأولياء والصالحين وبكل متعلقاتهم وما ينتمي إليهم مثل زيت قنديل مسجد السيدة زينب، الذي يعتقد هؤلاء في قدرته على شفاء أمراض العيون ولا يصدقون أنه قد يسبب العمى لمن يستخدمه، مثلما حدث مع “فاطمة” ابنة عم “إسماعيل”.
لقد سمحت الظروف أن يتلقى “إسماعيل” العلم في بلادٍ تُعلي من قيمة العلم والعلماء فانبهر خلال رحلته التعليمية كي يصبح طبيب عيون بما رآه من تقدم في كافة المجالات. ومثلما انقاد إلى تقليد بعض سلوكيات ذلك المجتمع الغربي لم تستطع نشأته المتدينة أن تمنعه من مقاومة انجذابه للفتاة الألمانية الجميلة التي بادلها الحب طوال فترة دراسته هناك دون قيود أو استحياء.
وما أن عاد الدكتور “إسماعيل” إلى موطنه الأصلي حتى اصطدم بسلوكيات أهالي منطقته وخاصة أسرته تجاه زيت القنديل الذي وجدهم ما زالوا يتبركون به ويستخدمونه حتى في علاج العيون وما يصيبها من أمراض يجهلون عنها كل شيء. ونسي الدكتور “إسماعيل” لبرهة قصيرة التعلق القلبي لأهالي منطقته الشعبية بكرامات السيدة زينب التي يوقرونها ويجلونها، والتي تحتل منزلة كبيرة في قلوبهم قبل عقولهم، ونسي أنه ذهب من قبل بنفسه للإيفاء بالنذر في مسجدها فور نجاحه.
وبالفعل اصطدم فكر دكتور “إسماعيل” العقلاني بعدما عاد من الخارج بالموروثات الدينية والثقافية والاجتماعية لأهالي منطقته، والتي هي أيضًا موروثاته، ولكنه سرعان ما استطاع أن ينسلخ منها بعدما أصبح سلطان العلم أقوى عليه من أي سلطان آخر. وللأسف لم يدرك الدكتور “إسماعيل” في بادئ الأمر أن سلطان العادات والتقاليد وسلطان اتباع السائد والانقياد للمألوف ما زال يفرض سيطرته المُحكمة على أهله، وأنه من الصعب أن يخرجوا هم أيضًا من عباءة تلك الموروثات التي شكلت وجدانهم وفكرهم على مدار أجيال متعاقبة ما داموا لم يتلقوا نفس العلم الذي تلقاه، وما داموا يعيشون في مجتمعات لم يتغير فيها شيء سوى ذهابه هو وأمثاله لتلقي العلوم بالخارج ثم عودتهم محملين بعبء نشر ما تعلموه في مجتمعات ما زالت ترضخ تحت وطأة الجهل والرضا عن النفس وعن الحال، مهما كانت تلك النفس ضعيفة وذليلة وقليلة الحيلة ومهما كان ذلك الحال سيئًا وبذيئًا وغير آدمي.
ولكن هروب دكتور”إسماعيل” من أرض المعركة لم يستمر؛ بل إنه أصر على إعادة اكتساب ثقة وحب أهله الذين ضحوا من أجله ومن أجل أن يُكمل تعليمه في الطب، مثلما أصر أيضًا على إعلاء كلمة العلم فوق أي صوت عالٍ للخرافة والوهم. لذا فقد قرر في النهاية أن يحتال على أهالي منطقته كي يجذبهم لتلقي العلاج الطبي على أنه هو زيت القنديل الذي يؤمنون بقدرته على شفائهم لما له من بركة اكتسبها من بركة صاحبة المقام “أم العواجز”. إنها بركة السيدة زينب التي يؤمنون أنها قادرة على أن تمنحهم ببركتها الشفاء الذي هو بالأساس من عند الله، أو أن تكون هي الواسطة كي ينالوا ما يرغبون فيه، ومن ثم فالقنديل في حد ذاته وما يحتويه من زيت ليسا لهما أية قداسة أو بركة عندهم إذا كانا غير مرتبطين بها أو بأحد الأولياء الصالحين.
إن دكتور “إسماعيل” في هذا الفيلم يمثل كل طالب علم استطاع أن يتحرر من سجن الجهل في مجتمعه منطلقًا إلى رحابة التقدم العلمي في مجتمع آخر متقدم، ليعود بعد ذلك إلى وطنه الأم وهو يغمره الأمل في التغيير والنهوض، ولكنه سرعان ما يصطدم بأرض الواقع الذي يحتك به في بادئ الأمر بقوة وعنفوان ليجد نفسه بعد ذلك أمام خيارين عليه أن يفكر فيهما بإمعان، أولهما هو التخلي عن فكرة رد الجميل لأهله والاكتفاء بالانتساب للمجتمع الجديد الذي يفتح ذراعيه لكل راغب في العلم وعامل به مستفيدًا منه ومضيفًا إليه فيحيا مغتربًا بينهم منتصرًا بالعلم وبهم، ولكنه منهزمًا أمام نفسه بتخليه عن واجبه تجاه مجتمعه إعلاءً لأنانيته وحبه لذاته واستسلامًا لعدم قدرته على المواجهة وعدم صبره على المقاومة، والخيار الثاني هو مواجهة فشله مع أهله ومع مجتمعه مستحضرًا كل وسائل المقاومة وعدم الانسحاب من معركته ضد الجهل.
ولأن المواجهة صعبة واستمرار المقاومة أصعب كان الانتصار للإنسانية هو النهاية التي أراد الكاتب أن يقدمها من خلال هذا العمل الروائي المميز، والتي تجسدت بوضوح في هذا الفيلم السينمائي، والتي بالتحلي بها وبعدم التخلي عنها يحمل الطب معنًى ساميًا هو مساعدة المريض للشفاء وليس استغلال مرضه لتحقيق الثراء، وهذا ما قرر دكتور “إسماعيل” القيام به عندما فتح عيادته البسيطة في المنطقة الشعبية التي نشأ بها كي تخدم أهالي منطقته.
وفي ظل مفهوم الإنسانية هذا رق في النهاية قلب دكتور “إسماعيل” لابنة عمه “فاطمة” لأنه من الطبيعي أن يرق كل قلب صادق ومخلص لكل حبيب أحبه بصدق فأخلص له وضحى من أجله دون استجداء لأي مقابل. وما دام الانتصار للإنسانية هو الخيار فسيسهل حينئذٍ تحديد الموقف واتخاذ القرار بتكسير الحواجز وتحطيم الجدران تقربًا إلى الناس بدلًا من إقامة الحواجز والتخفي خلف الجدران بعدًا عن الناس واستعلاءً عليهم.
لقد اختار دكتور “إسماعيل” ألا يتخلى عن أهله وعن من أحبوه وضحوا من أجله، لذا فقد لجأ للاستعانة بزيت القنديل كي يوهم الناس بعلاجهم به تقربًا إليهم بعدما اكتشف أن مواجهتهم بالحقيقة مثَّل صدمة لهم ومن ثم كان منفرًا لهم من العلاج الطبي.
ولكن هل من الممكن أن يتحمل إنسـان واحد بمفرده عبء إعادة تأهيل جميع أهل منطقته
للحياة من جديد؟ فماذا لو كان غريبًا عنهم بفكره ومغتربًا عنهم بسبب ما أصبح يحمله من علم يجهلونه وليس متاحًا لهم أن يتعلموه؟ إنه لمن الصعب أن يأخذ بأيديهم دون أن يخرجوا هم خارج أسوار تلك الحياة المحدودة والضيقة التي فرضت عليهم الالتزام بكل ما هو موروث وسائد، والتي لم يتلقوا فيها من العلم ما يفتح لهم آفاق الحياة الرحبة والمتسعة، والتي لا يتمكن أن يحيا فيها إلا كل من يتمتع بالحرية اللازمة لتحمل تبعاتها، والتي برغم كل ما فيها من مشقة إلا أنها تحمل في طياتها السعادة التي لا يشعر بها سوى أصحاب العقول المستنيرة والضمائر اليقظة.
لقد أدرك دكتور “إسماعيل” أنه أمام مواجهة مع الجهل الذي سلم أهل منطقته للضعف والمذلة، والذي جعل منهم لقمة سائغة يطمع في ابتلاعها كل قوي يرغب في السيطرة على الجموع كي يقف بثبات هو وملؤه على رقابهم دون أن يُسمَع لأنينهم أي صوت سوى صوت البكاء استنجادًا بالموتى من الأولياء والصالحين الذين عند أضرحتهم تُسمَع على استحياء آهات الفقراء والمحتاجين وشكاوى المظلومين والمقهورين دون أن يكون لها أي صدًى يسمعه الأموات أو يستجيب له الأحياء.
وإذا كانت صرخة “فاطمة” قد علت مدوية –رغم خوفها من إجراء العملية– وذلك بسبب رغبتها العارمة في استرداد بصرها، فإن صرختها الفردية هذه قد أنقذتها بمفردها ولن تستطيع أن تكون صرختها بديلًا لصرخات تنطلق من حناجر الآخرين إلا إذا كانت بإرادتهم هم وبمحض اختيارهم. وما دامت كل الجهود للتغيير ستظل فردية فلن يتمكن فرد أو مجموعة أفراد من تغيير حال المجتمعات ما دامت الإرادة الجماعية والمجتمعية للتغيير غير موجودة، وما دامت الإرادة السلطوية تسعى للطبقية والاستعلاء وعدم الانتباه للارتقاء الحقيقي بوضع الغالبية العظمى الذين كلما عظم جهلهم كلما اشتد ضعفهم، ومن ثم ازدادت القدرة على التحكم فيهم وفي مصيرهم دون أي تدخل منهم.
ولذلك فإنه بالرغم من محــاولة دكتور “إسمــاعيل” للتقرب من أهــالي منطقته، وبالرغم
من رغبته الأكيدة في احتوائهم بكل سلبياتهم إلا أنه بالقطع لم يستطع أن يمحو الجهل السائد في منطقته أو أن يقضي على ما يسببه من ضعف ومذلة، لذلك فقد ظل الحال على ما هو عليه، وسيظل كما هو برغم وجود نماذج كثيرة تلقت العلم النافع مثل دكتور “إسماعيل”، ولكنها عجزت أن تغير بعلمها حال المجتمع الذي ستظل رغمًا عنها منتمية إليه وترغب في إصلاحه.
وستظل رواية “قنديل أم هاشم”، وكذلك الفيلم السينمائي الذي يحمل اسمها، من الأعمال الروائية والدرامية التي ستخلد اسم مبدعها وكاتبها “يحيى حقي”، بالإضافة إلى كل صناع الفيلم الذين ترجموا قصته للشاشة ترجمة بصرية ذات علامة مميزة، بدءًا من صبري موسى كاتب السيناريو والحوار، ومرورًا بفؤاد الظاهري صاحب الموسيقى التصويرية التي نقلتنا لجو المناطق الشعبية المصرية والتي تميز بها فؤاد الظاهري في أفلام مثل: الزوجة الثانية، وزقاق المدق، وبداية ونهاية، والسقا مات، وشباب امرأة، وكذلك في مسلسل عيلة الدوغري.
وبالقطع لا يمكن أن نتجاهل مبدعي فن التمثيل في زمنه الجميل والذين تألقوا في هذا الفيلم مثل: عبد الوارث عسر، وأمينة رزق، وشكري سرحان، وصلاح منصور، وسميرة أحمد، وماجدة الخطيب، وعزت العلايلي. هذا بالإضافة إلى مخرج العمل كمال عطية الذي بالرغم من استخدامه للكثير من الرموز المباشرة عوضًا عن التعبير بالكلمات والألفاظ، إلا أنه يظل حتى الآن صاحب العمل الذي لم تنتج مصر بعد أكثر من خمسين عامًا ما هو أفضل منه من حيث طرح ومعالجة تلك القضية الشائكة على المستوى الإنساني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق