ثقافة المجتمع

همم الرجال تهدم الجبال

خواطر من صيد الخاطر لابن الجوزي

سعيد بن يونس الهدوي
 
كنت أتصفح أوراق “صيد الخاطر” للإمام الحافظ ابن الجوزي، فعثرت على كلمات مدهشة أثارت استغرابي لضعف همم أمثالنا من الطلاب وأبناء عصر الإنترنت الذي لطالما أبعدنا من القراءة العميقة والمراجعة الأصيلة. يقول رحمه الله مشيدا بعلو همم السلف:
كانت همم القدماء من العلماء عالية، تدل عليها تصنيفاتهم التي هي زبدة أعمارهم، إلا أن أكثر تصنيفاتهم اندثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطالبون بالاختصار ولا يجهدون أنفسهم في التفاصيل، ثم اكتفوا بما يدرسونه، فتراجعت الكتب. إن سبيل طالب العلم هو الإطلاع على الكتب التي قد تخلفت عن المصنفات، ليكثر من المطالعة، إذ يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد فلا يخلو كتاب من فائدة… إن الاكثار من مطالعة كتبهم يشبه رؤيتهم، كما قال: فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلني أرى الديار بسمعي.
وإني أخبر عن حالي: أنا لا أشبع من مطالعة الكتب، وإن عثرت على كتاب لم أقرأه، فكأني وقعت على كنز.
لقد نظرت في ثبَت الكتب الخاصة بالمدرسة النظامية، إذ بها تحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبَت كتب أبي حنيفة، وكتب الحُميدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد الخشاب، وغير ذلك من الكتب المتاحة،
ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد، أو أكثر، فأنا بعد في خانة الطلب.
فيا لله لطلاب أبناء زماننا!! كيف لا وهو كلام واحد من أعلام القرن السادس الهجري، نابغة زمانه وإمام عصره، مفخرة العراق الذي كان يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب في اليوم أربع كراريس، له في كل علم مشاركة، كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية، وله في الطب كتاب من مجلدين، يشهد له سبطه أبو المظفر: سمعت جدي على المنبر يقول: بإصبعي هاتين كتبت ألفي مجلدا، وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفا. ولوكان اليوم حيا لخر صعقا! ومات هما!! ولأقلقه صنيعنا ويزعجه تكاسلنا وعكوفنا أمام الشاشات.
وبتتبع كتب التراجم والسير، يبدو أمامنا مظاهررائعة ونماذج فذة تمثل مدى تضحية أعلام التاريخ ورجالات الفكر في مجال الاستفادة والمطالعة، يقول الزبير بن أبي بكر بكار: أخذت ابنة أختي تثني علي أمام زوجتي تقول: خالي خير رجل لأهله لا يتخذ ضرّة ولا يشتري جارية فأجابت زوجتي: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. وهذا الإمام هو تلميذ الشافعي لا يكل ولا يمل من النظر في الرسالة يقول: أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد شيئا لم أكن أعرفه. ولله در الحافظ المتقن ابن عطية المحاربي وقد قرأ صحيح البخاري سبع مئة مرَّة.
كان ابن المبارك يُكثر الجلوس في بيته، فقيل له ألا تستوحش؟
فقال: كيف أستوحشُ وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ونرى ابن قيم الجوزي رحمه الله، صاحب إنتاجات متنوعة يحكي لنا في” روضة المحيبين” عن مدى شغف شيخه ابن تيمية بحب القراءة إذ يقول الشيخ: ابتدأني مرض فقال لي الطبيب إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت ودفعت المرض، فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به فأجد راحة، فقال: هذا جزء من علاجنا.
وكيف ننسى في هذه العجالة الإمام النووي رحمه الله، بل لا يتم هذا بدون ذكره، لما له من منة على الخلف، وقد عاش الإمام النووي 46 سنة فقط، ورغم هذا فقد ترك من المؤلفات إذا قسمنهاها على سنوات حياته لكان نصيب كل يوم كراستين، فإذا علمنا أنه لم يبدأ العلم إلا في سن 18 سنة، فأية عزيمة وقدرة وبركة في العمر آتاه الله إياها!! كان رحمه الله لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة على الرغم من أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا. ولذا نال إعجاب كل المهتمين بغزارة إنتاجاته، فقد بدأ به عام 660 هـ، أي في الثلاثين من عمره، وقد بارك اللّه له في وقته، وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، ما لنا عنها غنى!
ولنرجع مرة إلى صيد الخاطر، مؤلف ضخم جمع فيه الإمام ابن الجوزي رحمه الله خواطر قل مثيلها، وأفكارا نادرا ما تغيب عن ذهن المفكر، ومقتطفات يانعة وتجارب واقعية لمسها من أبناء زمانه، تسمن وتغني من جوعنا نحن الدارسين والباحثين المعنيين بالوعي والثقافة. يحدثنا من خلال صفحاته عن قيمة الوقت: وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات. فنقل عن عامر بن عبد قيس أن رجلا قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس. وقال ابن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي، فقال: يا بني دعني، فإني في وردي السادس، ودخل عليه بعض السلف عند موته، وهويصلي، فقال: الآن تطوى صحيفتي.
ومن الملاحظ وجهة نظره عن عمرالتصنيف والاشتغال بالتأليف، إذ يرى أن تصنيف العالم ولده المخلد يعبر عن رأيه: وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر، لأن أوائل العمر كان للطلب، وآخره كلام الحواس… فكان زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين، ثم باشر بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم .
وبالجملة يمكن القول بأن هذا الكتاب ثري غزير بمادته ومحتواه، نعده خير دليل ومرشد للطلاب والباحثين، ونختم هذا بنصيحة مهمة موجهة من قبله بقوله: وبعد يجب في العلم طللب ما هو مهم، وكان الحديث القائل: من أتى الجمعة فاليغتسل، عشرين طريقا، فشغله ذلك في معرفة آداب الغسل والعمر أقصر وأغلى من أن يفرط فيه سدى.

 

باحث الدكتوراه، كلية تي، أم الحكومية، كيرالا، الهند

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق