ثقافة المقال

من “حلبة صراع” إلى “حقل تعاون”

أحمد بابكر حمدان

في عصر يتربع فيه التواصل على هرم البريق والأهمية، وتمثل جودته أداة حاسمة في إنجاز الأعمال.. يبدو واقعنا بصفة عامة، في حالة أقرب إلى رداءة التواصل، وإن تظاهرنا بالبشاشة وأطلقنا أسناننا للكاميرات. إن أبسط مؤشر لجودة التواصل في مجتمع ما، أن تشاهد فيه أنشطة ومشروعات جماعية ناجحة ومستمرة. إن السمة الغالبة في معظم مشروعاتنا الجماعية أنها تبدأ بقوة دفع كبيرة، ثم لا تلبث إلا قليلا حتى تتداعى وتنهار على رؤوس أصحابها إن لم يمزقوها بأنفسهم.

في رحلة البحث عن أفضل الأساليب لإنجاح مشروع ما، ليس كافيا أن نهتم بالجوانب التقنية، وما يتصل بها من خبرات ومهارات وأدوات فقط. إن الاهتمام بجودة الكادر البشري نفسه، جانب أكثر أهمية وتأثيرا، لا سيما جودة اتصاله بفريق العمل ومحيط المشروع.

– تعاون لا صراع:
عند التطرق إلى جودة التواصل وتأثيرها في أداء الأعمال وإنجاح المشروعات.. يبرز السؤال الأهم: ما الأسباب الحقيقية لرداءة التواصل في مجتمع ما؟ وهل من مقترحات وأفكار لتحسين مستوى التواصل؟
إن رداة التواصل بين الأفراد، مؤشر لوجود صعوبات داخلية لدى كل فرد على حدة، وعادة ما تكون مشكلات الأشخاص في مجتمع ما، متشابهة ومتقاربة..

إن أبرز ما يطبع خلافاتنا المستمرة: تشابه حالاتنا النفسية، واستعدادنا الدائم للصراع والمواجهة.. ولنعد إلى الذاكرة لاسترجاع مشاهد لخلافات في البيوت والأسواق والمكاتب والمساجد؛ للتعرف على مدى تهيؤ الأشخاص للصدام. إن سرعة استجابتنا للصراعات، ورسوخ نفسية الصراع، ليست سوى مظهر لمشكلات أعمق وأوسع نطاقا.

إن معرفتنا بأضرار نفسية الصراع والتحدي المستقرة في نفوسنا دون وعي منا، قد تكون مفتاحا جيدا لتحقيق نقلات مهمة في مستوى تواصلنا، وبالتالي في مستوى إنجازنا للأعمال والمشروعات. لكننا لن ندرك مقدار ما تسببه (نفسية الصراع) من تعطيل وإفشال، إلا حين ندرك قيمة (التعاون)؛ وبضدها تتمايز الأشياء.

– إيذاء عقربي:
نستمع لآلام شباب في مطالع العمر، تعتصر صدورهم آلاما تشق الصخر.. وما مبلغ الألم إلا وروده من الدائرة الأولى، دائرة ذوي القربى، وظلمهم أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند، كما حفظ ديوان العرب.. ليس ظلما من الدائرة القريبة فحسب، بل من أصغر وحداتها، ومن طرفها الأقوى..

يتصف “الشقيق العقرب” مثلا، بكل صنوف الإيذاء الناعم soft killing والتعطيل والسخرية والاستفزاز والإهانة.. مستخدما كل ما بين يديه من أداوت ومعرفة وعلاقات.. بل قد يستخدم الدين والصدقات والأضحية، لتأكيد مهاراته العقربية بالغة الإيذاء..

يحرمك الشقيق العقرب من حقوق واضحة، لكنك تجده حريصا على منحك “زكاة فطره”؛ ليتطهر بالمن عليك.. ويصلي أمام من يوظفهم لمشروعه العقربي المستمر؛ ليصبح دفاعهم عنه فيما بعد دفاعا عن الدين والصلاة والتعبد..

إن تناول حالة “الشقيق العقرب” مؤلم مؤلم، لكنه ضروري كحال جرح متعفن يحتمل صاحبه الألم أملا في شفاء قريب، وإن لم يكن مضمونا، لكن مجرد الأمل في الشفاء خير من هلاك واقع.

كم من مواقف مؤلمة عاشها شباب غض، حوصروا بتقنيات “عقربية” ودفعوا أثمان ذلك من صحتهم وطاقتهم ونجاحهم وعلاقاتهم..

كيف يبرع “العقربيون” في توظيف الأدوات لتحقيق أقصى إيذاء ممكن، وكيف يطورون من أساليبهم باستمرار كحال شركة متقدمة في مؤشرات الأعمال، لا يرضى صاحبها بغير “الصدارة”.

يستبطن “الشقيق العقرب” فكرة الانتصار على اللا شيء.. يعد حرمانك انتصارا، ومنحك انتصارا أيضا.. يعطل مسيرك نحو أقرب الفرص، ويدعي دعمك لارتياد الفضاء، ومساهمته في أفراحك برحلة إلى المريخ..

يستخدم “العقرب” عمره وأدواته وقربه من الوالدين وكبار السن في العائلة، لتجييشهم ضد المستهدفين في مشروع الإيذاء الخفي.. يوظف هدايا العيد، وأدوية المرضى، وحلوى الصغار في مشروعه بتركيز عال، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وظفها باحتراف ودقة وذكاء..

تنشط الأساليب العقربية في توظيف نجاحك أو فشلك.. صحتك أو مرضك.. تواصلك أو انقطاعك.. في تحقيق أبلغ الأذى بك، دون وخزة ضمير ولا خشية لوم. إن نجاحك لا قيمة له، وصحتك حالة مرضية، وتواصلك مع الآخرين تملقا وإساءة للأسرة.. أما فشلك ومرضك وانقطاعك فهدايا القدر للعقرب المؤذي. يتنفس راحة عند تحقيق نقاط مؤثرة.. وعند توقيع مؤثرين جددا في فريق عمله غير المحدود..

– نجاحات بدوافع سيئة:
إن أسوأ النجاحات، تلك المتحققة بدوافع المنافسة والانتصار والتفوق.. ومتى ما كانت كذلك، فإنها تظل معبرة عن خلل عميق في محيط الناجح، أكثر من تعبيرها عن كفاءته واستحقاقه للنجاح. إن سيطرة صور النجاح المدرسي، على معظم أنشطتنا الحياتية، وتحديده لسقف تصورنا للنجاح.. يعد عاملا مهما في فهم ما نعانيه من صراعات وتنافس في مختلف المجالات والأنشطة.. وما تزال عقدة التفوق على الأقران، حاضرة في حياتنا الاجتماعية، ومساهمة بقدر وافر في إذكاء الخلافات وإشعال النفوس بكل ما هو سيئ ومستقبح. عند تحقيقنا لنجاح ما، فإن ذلك لا يعني انتصارنا وتفوقنا على آخرين في نفس الميدان.. لكن غلبة روح الصراع، عادة ما تفسد ما قد يتحقق من تقدم ونجاحات.

إن ما يجري من إشعال لنيران التنافس بين المدارس والإدارات التعليمية، لم يكن نتاجا لدراسات تربوية جيدة، ولا تطبيقا لتوصيات خبراء في المجال.. لكنه وبكل صراحة، امتداد لما تعيشه مجتمعاتنا من تنافس وصراعات صبغت حياتنا بألوانها القاتمة، وحجبت عنها الضوء. إن احتفاءنا الكبير بمنتجات أجواء التنافس، ليس وليدا لمنظومة التعليم، ولا علاقة له بعالم المعرفة.. لكنه نتيجة لما طبع سلوكنا الاجتماعي من تطرف بفعل الصراعات المستمرة والمتجددة.. وليس أدل على ذلك من كون اهتمامنا باحتفال إعلان النتيجة وسرد أسماء (الأوائل) أكبر من اهتمامنا بما تتطلبه الدراسة من بيئة جيدة ومناخ معافى وأدوات..

على صعيدنا كأشخاص، قد لا يكون النجاح بمختلف صوره، عسيرا من ناحية تقنية.. إلا أن ما يتوفر في المحيط من عوامل تعطيل، من شأنه إحباط أكثر المجتهدين، وإفشال أفضل المشاريع.. وعادة ما يحدث ذلك دون وعي، ودون إدراك للعواقب ولما يترتب من مآس أو تعقيدات على أقل تقدير. وتمثل رداءة خطوط التواصل في مختلف المستويات الاجتماعية، أفضل بيئة لتحطيم النجاحات، وإن تظاهرنا بعكس ذلك واستمرأنا الرقص على مسارح العبث.

وبنظرة لتقدم الطلاب، في تحصيلهم وأنشطتهم وعلاقاتهم، تبدو المشكلة أكثر وضوحا وجلاء. إن ما يرتبط بالنجاح ليس الذكاء والمذاكرة وحضور الدرس، لكنه الاستقرار النفسي والشعور بالأمان والانتماء، بدرجة أكبر..

إن ما يحتاجه طلابنا اليوم، ليس النفخ في رؤوسهم وبرمجتهم على الانتصار والتفوق، بقدر حاجتهم لتوجيه واع، يقدم لهم فكرة (النجاح) سافرة ومجردة من فكرة (الانتصار).. ولعل ما أتيح اليوم من فرص التواصل وأدواته، محفز لنجاح يصنعه التعاون، وتقدم جماعي تحركه روح الفريق. لتكن نقطة انطلاقنا أن “النجاح ليس انتصارا على خصم”.

– إلى حقل تعاون:
ما إن يذكر (النجاح) إلا وتقفز إلى أذهاننا مشاهد ولحظات بكل ما تحمله من تكريم وهدايا وأوشحة. إن لحظاتنا تلك وإن كانت ذات قيمة وبريق في حينها، إلا أن ما يتبعها من مراحل ومناسبات، عادة ما يعلمنا: كم كانت ناقصة ومشوبة بكثير من التضخيم والبهرجة، فضلا عن صنعها لأجواء صراع لم ندركه حينه..

في لحظات النجاح عادة ما تختلط الأفراح الجانحة إلى الفخر، بمناخات الصراع السائدة في مجتمع الناجح، بمستوى يتسبب في صعوبة التفريق بين النجاح والصراع.. ولعلنا نتذكر (السؤال الكبير) عن نتيجة المنافس، وهو سؤال كان يوجه إلينا عند كل نجاح، حتى ترسخت في نفوسنا فكرة سيئة مفادها أن “النجاح هو التفوف على المنافس” وللاسف لم يكن ذلك المنافس المتوهم سوى صديق لنا وزميل دراسة وصاحب جوار في الحي والمدينة!!
إن ما كان يرد على نفوسنا الغضة من تزامن بين النجاح والتنافس، خلق شعورا غير واع بضرورة وحتمية التلازم بينهما، وإن كانت الحقيقة خلاف ذلك وفي مقابله تماما. إن كثيرا من جهدنا المبذول في سبيل النجاح عادة ما يصطدم بنفسية الصراع المثبتة في أنظمتنا الداخلية، دون وعي منا بطبيعة الحال.. فهل من افكار واساليب جديدة للانتقال من كهف الصراع والتنافس بمختلف مستوياتهما إلى ساحات أرحب للتعاون والتكامل؟

ما نبذله من جهد في بناء الصداقات وتعزيزها، هل يعد جهدا في اتجاه النجاح؟ سؤال مهم من ناحيتين: الأولى أنه يقابل ذلك السؤال السخيف عن (المنافس) في لحظات نجاحنا، اما الناحية الثانية فهي افتراضه التلازم بين الصداقة والنجاح في مقابل الافتراض القائل بتلازم النجاح والمنافسة.
وليس بإمكان الصداقة أن تصبح (منظومة نجاح) ما لم يبذل أطرافها جهدا ووقتا كافيين لتخليصها مما ترثه عادة من مشاعر سلبية قاتلة.. وإن كان من نجاح حقيقي للأصدقاء فهو غوصهم بعمق، ونجاحهم في (التخلص) من جميع الرواسب المعطلة، وتهيئة مناخاتهم لنجاحات مستمرة.

وحتى تصبح صداقاتنا وعاء كبيرا وحاضنة للنجاح، يجدر بنا التوقف عند جملة أفكار:
– لننظر إلى الصداقة كاحتياج نفسي متبادل، وإطار باعث على الاطمئنان والثبات، وموفر لخدمات التحفيز والدعم والمؤازرة.
– لنجعل نجاحاتنا متاحة لأصدقائنا، ومن ذلك إتاحة حق الفرح والافتخار بها، بوصفها نجاحات لهم (هم) وليست حصرية لصاحبها.
– لننظر إلى نجاحات أصدقائنا كطاقة إيجابية من شأنها صنع سلاسل نجاحات مستمرة.
– إن اهتمام عدد أكبر من الأصدقاء بما يحققه صديقهم، غالبا ما يعود في صورة اهتمام أكبر بالنجاحات التالية للأصدقاء، وكلما تزايدات معدلات الاهتمام، كانت النجاحات التالية أكبر حجما.

إن الخطوة الاولى في اتجاه تطوير الصداقة والعلاقات لمنظومة نجاح، أن نحررها من فكرة الصراع والتنافس.. أما الخطوة الثانية فهى النجاح عينه.
———————–
* مدرب في مجال التعليم، السودان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق