أخبار وإصدارات

العودة إلى جيبوتي: معبر الدموع لعبد الرحمن الوابري

ماري جويل روب
بعد سنواتٍ طويلة من المنفى، يعود جبريل إلى جيبوتي، مسقط رأسه. مهمّته هي التنقيب والتسجيل والتحليل وتأمين المعلومات لمصلحة وكالة استخبارات أميركية. المنطقة غير مستقرّة، وداخل البلاد يخضع لسيطرة الجماعات الإسلامية. وبحكم موقعها الاستراتيجي، تشكّل جيبوتي بيدقاً أساسياً على طاولة الشطرنج الجيوسياسية. ولكنّ جبريل، ابن البلد، صار غريباً، يتباهى بكونه “جزءاً من هذه النخبة الجديدة المتحرّرة من الروابط، التي تشعر في كلّ مكانٍ بأنّها في ديارها، وبأنّها غريبة في الوقت نفسه”.. في سجنٍ مشدّدة حراسته، يحدّد الكاتب موقعه على جزر الشيطان، وهي جزرٍ بركانية تمتدّ في عرض البحر بالقرب من العاصمة، في شرم “غبّة الخراب”، ينتظر جمال، الشقيق التوأم لجبريل، أن تنفّذ عقوبة الإعدام بحقّه. فبصفته قائداً لمنظّمةٍ إرهابية، كان في خضمّ مشروعٍ لزعزعة الاستقرار، يهدف إلى “تقطيع قلب هذا العالم الفاسد وهدم أُسسه ورميها إلى النيران وتعجيل قيام عالمٍ أكثر سلامةً (…) خاضعٌ بالكامل للكتاب الأسمى”. كان هذا النسّاخ الوفيّّ يستقي كلام معلّمه، المنظّر العقائدي الكبير، الذي يشاركه زنزانته. ومن سجنه، كان جمال يرى ويعرف كلّ شيء. يقتفي آثار شقيقه عبر الأفكار، فيستدعيه ويهدّده.

مع مرور الأيام، يجد جبريل صعوبةً في تنفيذ مهمّته. فالذكريات تتدفّق عليه والجروح تنتعِش، والصوت الصغير الآتي من الطفولة يزداد إصراراً. يستدعي صوتاً آخر، صوت جدّه “أسد” المتمرّد على أساطير الغرب. يحدّثه الصوت الصغير أيضاً عن العار الذي يشعر به إزاء والده “الخزي من ثيابه الرثّة ومن صحّته المتدهورة ومشيته المتعثّرة”. إنّه شعورٌ مؤلِم لا يقوى على التخلّص منه. يهمس له أيضاً عن انكفاء حبّ والدته التي كانت تفضّل شقيقه عليه. فالتوأمان يكرهان بعضهما البعض منذ ذلك الحين. مع أنهما يتشاركان اهتمامهما بالفيلسوف الألماني والتر بنجامين، وإن كانا يجهلان ذلك. فقد اكتشف جمال في أرضيّة زنزانته لوحاً ممسوحاً كشف له نتفاً عن وجوده.

بعد كتاب “في ولايات إفريقيا المتحدة” Aux Etats-Unis d’Afrique (منشورات Lattès، 2006) يعود عبد الرحمن الوابري إلى بلد طفولته الذي تمحورت حوله ثلاثيّته الأولى بعنوان “محاولة تعريف جيبوتي” Tentative de définition de Djibouti (1998-1994). وليعبّر عن رؤيته للعالم، استعان من يسمّيه البعض بـ”الفولتير الأسود” برواية التشويق البوليسي السياسية، أدخل إليها شخصية بنجامين، الذي صوّره كالشقيق الأكبر المتواجد في المنفى. وتتعاقب في مسار الرواية المذكّرات التي يكتبها الراوي، ساعةً تلو الأخرى، والتعاويذ والمدائح والصلوات التي تتلوها شخصيّته التوأم؛ يفصل بينها حرفٌ من الأبجدية العربية، يمثّل باب العبور إلى عالم المطلق.

يواجه الكاتب الاستفزازي بين القرآن والموضوعات التي تطرحها أعمال الفيلسوف الألماني، والتاريخ، والمنفى، والملاك، والخلاص.. وكما في عالم بنجامين، تمّ وضع الرواية بأكملها في صيغة مقاطع تصوّر شخصيّات غائرة في عاصفة التاريخ، على غرار ملاك الرسام بول كلي. هنا أيضاً لا يمكن للتلاقي بين الأضداد أن يتمّ إلاّ في حال امتلكت كلّ شخصيةٍ تناقضاتها الخاصة. هكذا سينفتح جبريل على المقدّس من خلال موسيقى عبد الله ابراهيم، وسيفتتن جبريل بنفَس بنجامين الذي “يمتدح الذهن البشري وهالته الضخمة”.

العودة إلى جيبوتي: معبر الدموع، منشورات Jean-Claude Lattès، باريس، 2009، 250 صفحة، الثمن: 17 يورو. Retour à Djibouti : Passage des larmes, d’Abdourahman A.Waberi, Jean-Claude Lattès, Paris, 2009, 250 pages, 17 euros.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق