قراءات ودراسات

مفهوم الشخصية، ودورها في العمل الروائي

أمين خالد دراوشة*

تقوم الرواية التقليدية على مجموعة من التقنيات والعناصر والخصائص، كالزمان، والمكان، والشخصية، والحدث، والحبكة، واللغة، وتمتاز الرواية بربط الأحداث بشكل منطقي فلا حدث دون ارتباطه بدافع أو سبب، ويقع عليها القيام بالأحداث، وإنجاز العمل التي تضطلع فيه والذي أوكله لها الروائي، ولا ريب أن الشخصيات تقع تحت سيطرة الكاتب، وإلى آرائه في الحياة والأساليب التي يستخدمها في سرده.
وفي الرواية التاريخية تكون الشخصية المحور الأساس فلها وجودها المتحقق في المكان، ولها صفاتها وشكلها وملابسها وصوتها وأحلامها وآلامها وفرحها، واشتهر من الكتاب الكلاسيكيين الذين اهتموا بالشخصية ورسمها بلزاك وزولا.
ويقول عبد الملك مرتاض: إنَّ الاهتمام والعناية برسم الشخصية وبنائها في العمل الروائي “كان له ارتباط بهيمنة النزعة التاريخية والاجتماعية من وجهة، وهيمنة الأيديولوجيا السياسية من وجهة أخرى” (1).
إنَّ الراوي التقليدي الذي يسرد الرواية يتصف بأنه راوٍ عليم، ويعرف كلَّ شيء عن الشخصيات الروائية، فهو صانعها، لذا ركز على رسمها بدقة، وإعطائها صفات مميزة، لأنَّ لها دورَها الذي لا يمكن للرواية التقليدية أَنَّ تقوم بدونه، فهي صانعة الأحداث، والمشاركة بقوة في الصراع داخل الرواية، والتي تقوم بكافة الأفعال خلال المسار السردي الروائي. واهتم النقاد كثيراً بمفهومها وأنواعها والكيفية التي قام بها الروائي برسمها وتقديمها للمتلقي، وركزت الدراسات السيميائية خصوصاً على سيمياء الشخوص، ونبهت إلى أهمية الشخصيات؛ لأنهم من يصنعون الأحداث ويقومون بالأفعال.
فالشخصية الرئيسة لا بُدَّ لها “من أنْ تكون متميزة بوجودها وعواطفها وبنظرتها إلى الآخرين وإلى العالم المحيط بها”(2). وهي هنا تساعد في معرفة القوى التي تحرك الواقع، وتعبر عن حركة وحيوية الحياة والتفاعل فيها، فالشخصية عمود لا يمكن تجاهله في الرواية “ومن دون الشخصية لا وجود للرواية”(3).
ويرى الناقد إدوين موير أنّه في رواية الشخصية، يمكن للروائي ألا يتقيد بالحبكة بشكل تام، “ولا بضرورة تطوير قصته درامياً، فهو يملك حرية ابتكار ما تتطلبه الشخصيّات، وأصبحت الحبكة في هذا النوع من الرواية مرنة وسهلة، ونسجت لتوضّح الشخصيّات وتكون في خدمتها. والشخصيّات في “رواية الشخصيّة” تكون ذات ملامح خاصّة بها ونابعة منها”. ففي القرن التاسع عشر، هيمنت الشخصية على العمل الروائي، وكان لها وجودها المستقل عن الحدث(4).
وكانت العلاقة بين الشخصيّة الروائية والواقع جدلية، فالرواية تقدم شخصياتها وهي في شبكة من العلاقات الاجتماعية، وليست خارجة عن التاريخ، ورأى الناقد ميشيل بوتور: إنَّ “الروائي يبني شخوصه، شاء أم أبى، علم بذلك أم جهل، انطلاقاً من عناصر مأخوذة من حياته الخاصّة، وإنّ أَبطاله ما هم إلا أقنعة يروي من ورائها قصّته، ويحلم من خلالها بنفسه”(5).
وإذا كانت الشخصيات تخضع لجبروت الكاتب، إلا أنَّ بعضها يستطيع الإفلات من سيطرته، وتسير في طريق لم يخططه الكاتب. وطالب لوكاتش بالاهتمام بالشخصية الرئيسة وإحلالها المكان المناسب لها، فالكاتب في روايته يبني شخصيات مركزية وأخرى ثانوية، وشخصيات قد تكون عابرة. “وهذه الضرورة الشكليّة أصبحت من القوة بحيث أَنّ القارئ يبحث بالفطرة عنها بين الشخصيّات”(6).
ويقول مرتاض: إنه من نهاية الحرب العالمية الأولى، شرع الروائيون يحدون من سيطرة الشخصيات على مجمل أحداث الرواية، وبعد أن كان ممكناً دراسة وتحليل رواية من خلال شخوصها، فإنَّ الأمر لم يعد ممكناً دراسة الشخصية كفرد، فهي لم تعد سوى كائن ورقي بسيط، وبدأت الأفكار تنحو إلى دراستها في إطار دلالي “حيث تغتدي الشخصية مجرد عنصر شكلي وتقني للغة الروائية، مثلها في ذلك مثل الوصف، والسرد، والحوار”(7). وظل الروائيون يطورون في الشخصية عبر التقليل من حصتها في العمل الروائي لدرجة أنَّ فرانز كافكا في روايته المحاكمة أطلق على شخصيته رقماً ليس غير.
ويضيف مرتاض: إنَّ رولان بارت اعتبر الخطاب ينتج الشخصيات، ويتخذها معيناً له، ليس “من أجل أنْ يجعلها تلعب فيما بينها، أمامنا، ولكن من أَجل أن تلعب معنا. فكأن هناك شيئاً من التضافر… الحميم بين الخطاب والشخصيات”(8)، التي تتحرك وتثور وتضطرب من خلاله، وهي علاقة متشابكة تقوم “على التمثل الجمالي والعاطفي للأحياء والأشياء، وتفضي في الغالب، إلى إيجاد عينات من الشفرات غير متناهية. فكأن الشخصيات هي عينات من الخطاب. وكأن الخطاب نفسه يغتدي، عبر هذه العلاقة المعقدة، مجرد شخصية من الشخصيات الأخرى”(9).
والخطاب تركيب لغوي للرواية الأدبية ويساوي بارت بينه وبين الشخصية، التي كانت تُعد قلب الرواية وعقلها في النقد التقليدي، وتمثل وجه الحياة الاجتماعية.
تدّعي الرواية إنها قادرة على إيجاد الترياق لمشاكلها وعوائقها. وفي النظرة الجديدة تمثل الشخصية معنىً لغوياً، وأصبحت النظرة الجديدة حسب تودروف “تنهض على التسوية المطلقة بينها وبين اللغة، والمشكلات السردية الأخرى. ومن أجل ذلك، ربما، عُدَّت الشخصية مجرد كائن من ورق، وإنها، أولًا وقبل كل شيء، مشكلة لسانية، بحيث لا ينبغي أنْ يوجد شيء خارج ألفاظ اللغة”(10). بل إنَّ بارت يذهب بالقول إنَّ الكاتب مجرد ضيف على الرواية، وليس أكثر من شخصية من شخصياتها، وكونه يقوم بفعل الكتابة، فليس له وجود خارج عمله، إنه مجرد طابع أدبي:” وينبغي أَنْ نعده هو نفسه كائناً من ورق، وأَن نعدُّ حياته بيوغرافيا بالمعنى الأصلي للكلمة، وكتابة من دون مرجع، ومادة للربط وليس للتتابع”(11).
المؤلف يجب أنْ يتحولَ عند النقاد إلى صورة روائية يصعب الاستدلال عليها، وواقعه في مجموع نصها، فالمغامرة سرت بالرواية من قبل الروائيين أنفسهم، فكاتب ك جان جينيه، يمكن أنْ يستعمل آناه في روايته، ولكن “ولا أحد يتقبل بجد أنَّ عمله هو تعبير عن تجربة معاشة. إنَّ جينيه موجود في كتبه، لكن كذات لغوية فقط، أو كذات مرجعها ليس هو جينيه. ومن الشخصية الحية للكاتب لا يبقى في النص إلا أثر حميمي وهو طابع الجسد الصديق الذي يغري”(12).
وبعد التطور الحضاري بدا أنَّ الشخصية الإنسانية المركزية الواحدة في الرواية أخذت بالتلاشي، وإنَّ شخصية البطل التي سيطرت سنوات طويلة على العمل الروائي اختفت، وتراجعت الواقعية، فالروائي الجديد عندما ابتعد عن تجسيد شخصية البطل، الذي يُعبِّر عن اتجاه إيجابي، والذي يغدق عليه المؤلف الكثير من الصفات، ويجعله يهزم كل العوائق أمامه، وينتصر في النهاية في صراعاته، واهتم بتصوير حياة الناس البسطاء في ظروفهم الحياتية، فإنه “تخلّى عن الواقعية وعن الحياة نفسها”. كما يقول رالف فوكس(13).
ومع أُفول الواقعيين والطبيعيين، بدأت الرواية الغربية تنحو إلى عدم الاهتمام بشخصية واحدة، والتركيز عليها، بل العمل على تصوير مجموعة من الشخصيات، بينها نوع من التفاوت، حيث يكون من بينهم شخصيات مركزية لها دور أكبر من الشخصيات الأخرى، غير أنَّ الكتّاب يولون جميع شخصياتهم الاهتمام والرعاية الكاملة، فيكشفون عن وعيهم من الموقف العام للرواية، وتأثيراته النفسية في شخوصه، الذين يمثلون طبقة معينة أو عدة طبقات من المجتمع، ويصورون حالتهم النفسية، ويهتمون “بتصوير الحالات الواعية تجاه الموقف الخاص، ومن خلال هذا الوعي تعرض الحقائق الاجتماعية ولا يقف هذا الإدراك حائلاً دون تصوير الأشخاص متعارضين في المجتمع، أو متصارعين معه”(14). أو تصويرهم مسحوقين في صراعاتهم مع الحياة، أو تصوير صراع طبقتين من طبقات المجتمع كطبقة العمال وأصحاب العمل، أو صراع شعب مظلوم مع آخر محتل، كما هو في روايات نجيب محفوظ وحنا مينا وعزت الغزاوي ووليد أبو بكر وغيرهما.
لقد تناول الكثير من النقاد الشخصيات الروائية ودورها في الرواية وعلاقاتها المتشعبة داخلها، وحاولوا التميز بين الشخصيات وإيجاد الفروق بينها. وكان من أهم الاختلافات بين الشخصيات الدور الموكل إليها في الرواية، وطبيعة هذه الشخصيات: هل هي نامية وتتطور، وتحدث لها منعرجات مباغتة أم تبقى كما هي طوال السرد ثابتة دون تغيير، وتقوم بوظيفة معينة وحسب؟ ولا شك أنَّ الشخصيات في الرواية متضادة، فنحن نرى الشخصية المركزية والشخصية الثانوية، النامية والثابتة، الفاعلة وغير الفاعلة، القوية والضعيفة. وأورد الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه “في نظرية الرواية” أنواعاً عدة من الشخصيات، وحاول إلقاء الضوء عليها.
يقول مرتاض إنَّ مفاهيم الشخصية المدورة والشخصية المسطحة اصطنعها الناقد الإنجليزي فوستر الذي ذهب إلى أنَّ المعيار للتمييز بين الشخصيتين هو المفاجأة المقنعة.
وشرح الفرنسي ميشال زيرافا الأمر قائلاً: إنَّ فوستر ميز بطريقة لطيفة بين الشخصيتين، فالشخصيات المدورة “يشكل كل منها، عالما كليّاً ومعقداً، في الحيز الذي تضطرب فيه الحكاية المتراكبة وتشع بمظاهر كثيراً ما تتسم بالتناقض. بينما الشخصيات المسطحة تشبه مساحة محدودة بخط فاصل. ومع ذلك، فإنَّ هذا الوضع لا يحظُر عليها في بعض الأطوار، أنْ تنهض بدور حاسم في العمل السردي”(15). الشخصية المدورة هي التي تكسر العادي وتهشمه “إنها تكشف حقيقة ذاتها وتنمو وتحيل طبيعتها إلى دراما في حين لا تفعل الشخصية المسطحة سوى القيام بتجسيد العادة في المقام الأول من خلال طبيعتها المفتعلة، أو على أحسن وجه، تردد شيئاً ما كان حقيقياً ثم لم يعد كذلك”(16).
الشخصيات النامية المدورة تتطور “وتنمو قليلاً قليلاً بصراعها مع الأحداث أو المجتمع، فتتكشف للقارئ كلما تقدمت في القصة، وتفاجئه بما تغني به من جوانبها وعواطفها الإنسانية المعقدة”(17). ويحرص الروائي على تقديمها بشكل منطقي ومقنع، فلا تقوم بأفعال إلا نتيجة أسباب معينة، ولا “يعزو إليها من الصفات إلا ما يبرره موقفها تبريراً موضوعياً في محيط القيم التي تتفاعل معها”(18).
وقام الروائيون بتصوير الشخصيات النامية بطريقتين، أولاهما: أنْ يكون الشخص منطقياً في صفاته وتصرفاته، “بحيث يمكن تفسيرها كلها بالحالة النفسية والموقف، ولا يكون فيها تناقض غير مفهوم”(19). فيكون على الروائي توضيح ما هو مضطرب في الشخصية، ومكامن القوة وتنظيمها، فالشخصيات تنمو ويمكن لها أنْ تتغير وتبدل أفكارها ومسلكها. ولكنها تبقى غير غامضة، وواضحة خلال أحداث الرواية، إذ يسهل الحكم عليها لأنها مفسرة من خلال طبيعتها ودوافعها، وهذا التصوير برع فيه الكتّاب الواقعيون.
أمَّا الطريقة الثانية، فيصور الكاتب الشخصية المضطربة وغير منطقية، وسلوكها مفاجئ، ولا ريبَ أنَّ الكاتب ديستويفسكي يمثل في رواياته هذه الطريقة أصدق تمثيل، حيث أَثَّرت طريقته في الروائيين الآخرين في أوروبا، إِذْ أن “في شخصياته يبلغ التصوير النفسي أقصى درجات التعقيد، بحيث يتعذر الحكم على أشخاصه بإخضاع دوافعهم النفسية لمنطق معين(20)”. ففي دواخلهم يسكن ما هو جليل وما هو منحط، وعواطفهم متناقضة ومتداخله كعاطفة الحب والبغض في آن، لذلك من الصعب تمييزها بهذه العواطف المتشابكة.
وبرع الروائي صبحي فحماوي في تصوير شخصياته بالطريقتين.. فهناك شخصيتا بلقيس وأبو رزق في رواية “سروال بلقيس”، وشخصيتا “جمال قاسم ويائيل آدم” في رواية “صديقتي اليهودية”..
وشخصية “حمده المحمودية” في رواية سروال بلقيس تعبر عن شخصية مضطربة وتعاني الحرمان الجنسي وتتقاذفها العواطف المتناقضة، فتدخل في مغامرة جنسية مع أحد الشباب وهي المرأة الأربعينية التي استشهد زوجها على أرض الوطن وتعيل ثلاثة أطفال دون سند.. وهناك شخصية الهربيد في رواية قاع البلد التي بدت مشتتة، وتعاني نفسياً.

أمين خالد دراوشة – رام الله – فلسطين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق