ثقافة السرد

رسالة من لندن

أسعد العزوني

بعد أن شعرت بالراحة والإطمئنان على أهلي الذين غبت عنهم سنة كاملة في الجامعة،قررت زيارة صديقي محمد الذي كان يدرس الأب الإنجليزي في جامعة بغداد ،وطلب مني قبل عودته إلى قلقيلية أن أزوره ،ووعدته خيرا عند عودتي التي ستتأخر بعض الشيء في بغداد.

انتظرت سيارة الأجرة التي ستقلني إلى قلقيلية التي تبعد عن عزون شرقا 9 كم ،ولم يطل انتظاري إذ توقفت سيارة الأجرة التي يقودها السائق خليل الخرسا ،وصعدت فيها وجلست في المقعد الأمامي بجانب السائق الذي أمطرني عدة أسئلة عن الدراسة في الخارج ،فأجبته باختصار لأنني كنت منهمكا في استحضار الصورة ما قبل سفري.

تذكرت كيف أن جيش الإحتلال دخل عزون مساء وهو ينادي بمكبرات الصوت “يا أهالي عزون أنتم تحت سيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي فارفعوا الرايات البيضاء”،وشعرت كما لو أن ذلك النداء المقيت أسمعه في تلك اللحظة.

تذكرت أيضا كيف كانت قوات الإحتلال تأتي بعد منتصف الليل شتاء لفرض حصار على البلدة ومعاقبتنا عقابا جماعيا ،بعد الطلب من الرجال التواجد في ساحة المدرسة وجلوس القرفصاء أثناء هطول الأمطار، وللحقيقة أننا كنا نشعر بالعقاب الشديد عندما يكون قائد الحملة درزيا،في حين كنا نتنفس الصعداء قليلا عندما يتناهى إلى علمنا أن قائد الحملة يهودي.

وذات حملة شعواء صيفا وكنا ننام أمام البيت ،لسعني عقرب وتألمت كثيرا،وخافت أمي أن يسمعوا صوتي ،لأن بيتنا قريب من الشارع العام ،وقامت بتغطيتي باللحاف كي لا يخرج أنين الوجع.

حاول سائق السيارة التواصل معي والاستفسار عن الحياة في الغربة ،ولكنني لم آبه لتكرار أسئلته ،لإهتمامي بالتركيز على ما يقع عليه نظري من شجر وحجر وبيوت وأرض حمراء مزروعة بالقثاء ،لمعرفة التغيرات التي أحدثها الإحتلال،ولكنني لم ألحظ شيئا لأن توغل الاحتلال الاإستدماري كان غير مرئي حتى اللحظة.

وصلنا باب الهوى الذي يعد البوابة الغربية لعزون ،وكانت قوات الاحتلال قد ارتاحت فيه قليلا انتظارا للمساء كي تدخل محتلة إلى البلدة ،وكنت مستنفرا لرصد أي تغير في المنطقة من قبل الإحتلال،وشعرت بحنين غريب لكل بوصة في الأرض ولكل شجرة زيتون ،وكان عندي هاجس لم أسمح له بالتغول عليّ بسبب طبيعة المرحلة ،لكنني هذه الأيام أستدعيه على عجل،ولدي قناعة تامة أن حدسي في تلك الرحلة كان صحيحا ،وهو أن الإحتلال جاء ليبقى لا ليزول ،لأنه ضمن كافة الأطراف المؤثرة في الصراع إقليميا ودوليا.

وصلنا منطقة المناطير المحاذية لعزبة الطبيب وهي مرتفع يطل على البحر الأبيض المتوسط ،وتذكرت السيد أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي زار المنطقة قبل عدوان 67 ،وتناولوا المناسف ،وكانت تصريحاته آنذاك حول التحرير رنانة ،ربما ما يزال صداها يرن بين جنبات الوادي ،وكان مدفوعا من قبل السعودية لإحراج وتوريط الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

بعد المناطير وصلنا بلدة النبي إلياس التي تبعد عن عزون 5 كم ويقطنها آل خليف وآل الزماري،وفيها ضريح النبي إلياس المخدوم جيدا،وأخبرني أحدهم أنه رآى بأم عينه طائرة هليوكبتر تابعة للاحتلال ،وهي تلقي حمولتها من الأفاعي والحيات والعقارب السامة في المنطقة المحاذية للبلدة ،وأن الأمر تكرر مرات عديدة،وذلك سلاحا جديدا يضاف إلى الخنازير البرية التي يتم تربيتها وإطلاقها ليلا وهي جائعة في أراضي الضفة الفلسطينية،لتخريب المزروعات والأراضي المعدة للزراعة والجاهزة للري ،من خلال البحث عن الديدان الأرضية.

كنت أستعيد ذاكرتي جيدا والسيارة تقطع كل متر من طريق قلقيلية –عزون التي أحفظ علامتها بالحجر ،ولم لا وأنا الذي كنت في فترة الإمتحانات أراجع دروسي مع إبن صفي فارس الزماري من النبي إلياس،كما أن الصديق زهدي الطبيب من عزبة الطبيب كان يسكن وعائلته في العزبة ،وقد زرته يوما،علاوة على زياراتي المتكررة لقلقيلية قبل وبعد الاحتلال.

بخروجنا من حدود النبي إلياس نكون قد غادرنا المنطقة الجبلية التي تمتد شرقا حتى نابلس ،ضمن سلسلة جبال عرفت بإسم “جبل النار”،نسبة إلى النار التي أشعلها أهالي عزون في وجه الغازي الفرنسي، الذي حاول احتلال المنطقة إبان حملة نابليون التي قضي عليها في عكا على يد أحمد باشا الجزار،وقد قام محمد العابد أحد أهالي عزون ، بقتل أحد قاد نابليون ليلا واستدل عليه من خلال لمعان نجوم كتفه في ضوء القمر .

بعد خروجنا من المنطقة الجبلية دخلنا فورا في منطقة السهل التي تمتد غربا حتى المحتل من فلسطين عام 1948،وكانت قلقيلية تشتهر قبل عام 1948 بسهولها الممتدة وبيارات البرتقال والليمون والجوافا،لكن العصابات الصهيونية صادرت غالبية السهل وتركت أهالي قلقيلية بدون أرض ،بعد أن أذعنت لطلب الملك عبد الله الأول القاضي بعدم ضم قلقيلية لإسرائيل.

لم أنس وأنا في منطقة السهل الحاج شريف رضوان الذي كان يمتلك بيارة هناك ،وكان نشيطا يتوجه إلى بيارته فجرا سيرا على الأقدام ،ويعود أيضا عصرا سيرا على الأقدام ،مع أن سيارة الأجرة التي يقودها خليل الخرسا على خط قلقيلية – نابلس تعود إليه ،وكان يرفض أن يركب فيها عندما يكون ماشيا ،ويقول لخليل ربما تجد راكبا بشلن.

كانت رائحة بيارات الحمضيات والجوافا تنعش النفس خاصة في أوقات التزهير وعند هبوب النسمات الخفيفة،كما أن الأصوات الرنانة الصادرة عن آبار المياه الجوفية التي تسقي الآبار تطرب السامعين ،خاصة عندما يكون الرعاة قد عادوا باغنامهم إلى بيوتهم ،وأصوات الأجراس في رقابها تخالط أصوات آبار المياه،كما أن رائحة الياسمين التي تهب من قلقيلية كانت تضفي على الجو بهجة.

بعد ذلك وصلنا منطقة صوفين وهي مرتفع يحد قلقيلية شرقا ،وكانت فيه كتيبة مدفعية أردنية قبل حرب العام 1967،وعند ذلك نكون قد وصلنا إلى قلقيلية التي كانت عبارة عن مدينة نامية في المنطقة بعد نابلس وطولكرم.

كان لديّ ذكريات كثيرة في قلقيلية بحكم زياراتها المتكررة ،وتقديم امتحان التوجيهي عام 1971 في مدرسة السعدية الثانوية،وكانت أهمية قلقيلية بالنسبة لي تنبع من كونها الجارة اللصيقة للاحتلال الذي حاول الانتقام منها منتصف خمسينيات القرن المنصرم ،فعلاوة على غضبه من فشله بضمها إليه عام 1948 نزولا عند رغبة الملك عبد الله ،فقد كانت قلقيلية مصدر إزعاج له بسبب قيام أشخاص من المنطقة بالعبور وسرقة أبقار وقطف برتقال ،وروي ان أحدهم رآى إمرأة تضع طنجرة الرز بالحليب”البحتية” في الهواء الطلق في البراندا كي تبرد ،وقام بحملها والعودة بها مع ما تيسر .

ذات يوم جرت عملية عبور كبيرة تم خلالها سرقة العديد من الأبقار وسوقها إلى عزون ،فقامت عصابات الإحتلال بإرسال فريق إرهابي إلى عزون والإعتداء على المعسكر الأردني الواقع شمالي البلد ،وذبحوا وحرقوا غالبية جنوده وهم نيام،إنتقاما من أهالي عزون ،وقام لاحقا بالإنتقام من أهالي قلقيلية بطريقة بشعة ،عندما دخلت فرقة إرهابية وفجرت آبار المياه الإرتوازية والمخفر منتصف الليل ،وكنا في عزون وعند حدوث التفجير نشعر أننا في ساعة الظهيرة لقوة الضوء الصادر عن التفجير.

نزلت من السيارة في الكراج ،وأخرجت الورقة التي كتب فيها صديقي محمد عنوان بيته ،وإتبعت النقاط الواردة فيها ،ومشيت على الأقدام باتجاه سكة الحديد ثم انعطفت إلى الاتجاهات التي كانت مكتوبة ،وتخيلت نفسي سائحا أجنبيا يستدل على العنوان الذي يريد زيارته عن طريق الخارطة ،و وبعد أقل من نصف ساعة ،وجدت نفسي أمام البيت فعلا بعد أن سألت أحدهم للإطمئنان بأنني أسير في الاتجاه السليم.

كانت الطريق سهلة مع أن معظمها ليس معبدا شأنه شأن شوارع وطرقات الأطراف ،ومع ذلك شعرت ببهجة كبيرة وأنا أسير على قدماي ،استنشق رائحة الياسمين التي تفوح في الجو كالعطر ،كما استمتعت بمناظر البيارات التي كانت تتزين بثمار البرتقال والليمون والجوافا والكلمنتينا والغريب فروت ويوسف أفندي،ورغم أن الجو كان حارا بعض الشيء ،إلا أن متعة الياسمين والبيارات وأصوات آبار المياه المتعاقبة المميزة في لحنها ،كانت تطغى على الحر.

كانت الساعة آنذاك الواحدة والنصف ظهرا، قرعت الباب وكلي شوق للقاء محمد ،وما هي إلا لحظات حتى سمعت صوته يقول “جاي”،وفتح الباب ورحب بي ،وقال عبارة ربما لم أفهم معناها بداية “جيت في وقتك يا أسعد”.

ظننت ان محمد يخبرني ان الغداء جاهز ،فقلت له بنزق الفلاحين :وهل تظنني جئت لأتغدى؟لقد جئت للاطمئنان عليك!لكنه استوعبني وقال “صدقني أن هناك مفاجأة لك أحسن من الغداء!”،الأمر الذي أثار في نفسي ألف سؤال وسؤال :ما هو الشيء الذي يكون أفضل من الغداء ظهرا؟،وذهبت بي الظنون بعيدا ،لكن ظنوني خابت ،ووجدت فعلا مفاجأة لا تخطر على بال أحد.

قادني محمد إلى الصالون وكان بعيدا بعض الشيء عن الباب حسب الطرز القديم الذي كان الصالون فيه بعيدا عن الباب،ودخلت وإذا بي أجد عائلة أجنبية تتكون من الزوج والزوجة وثلاثة أطفال يشبهون زهرات الياسمين والبرتقال.

قدمني محمد إليهم وأخبرهم أنني صديقه وزميله في الجامعة ،كما قدمهم إليه وكانوا يهودا ،عرفت بعد ذلك أنهم مهاجرين جددا من بريطانيا،وما أن جلست على الأريكة حتى شعرت أن الأجواء باتت خانقة تشبه برميل بارود على طريق الإنفجار ، لأن كلينا لم يتقبل الآخر بداية.

مرت خمس دقائق خلتها دهرا ،وما زاد الطين بلة أن الأم والأب كانا منغلقين أو هكذا تخيلت،الأمر الذي جعلني في حيص بيص ،لأنني أردت معرفة سر العلاقة بينهما وبين محمد ،وما سر زيارتهم له في بيته ،وقد حل محمد اللغز بعد لحظات من الإنتظار، وقال لي انه تعرف عليهما في الشارع ودعاهما إلي بيته.

صممت على كسر الجليد بأي طريقة ،وقد تمعنت في أطفالهما وكانوا ولدين وبنت ،يشبهون الملائكة في جمالهم ووسامتهم وبراءتهم،وكانت عيونهم زرقاء وبشرتهم بيضاء وشعرهم اشقرا ،وقلت في نفسي :وجدتها وجدتها.

نظرت إلى الأطفال الذين تأثروا بلحظات الصمت والتوتر التي سادت أجواء الصالون ،وربما ولصغر سنهم لم يدركوا أسباب ذلك ،لبراءتهم الملائكية ،وكانوا ينظرون إليّ بتمعن ويتفحصون في هذا الذي جاء وعكر صفو الأجواء ،ولم يدر بخلدهم أنني ومن حيث لا يشعرون سأعقد معهم صداقة .

أومأت لهم بيدي ،وكانت فرصة ربما كانوا ينتظرونها ،إذ قفزوا إليّ وأجلست واحدا على فخذي الأيمن والثاني على فخذي الأيسر ،بينما رفعت البنت وأجلستها فوق رقبتي ،وبدأت أداعبهم ،وهم مستمتعون بذلك.

أحسست أن الرعب قد دب في قلبي الأم والأب ،وزاد من تجهمهما ،وناديا على أولادهما أن يتركوني ،لكن الأولاد الثلاثة ردوا عليهما بلسان واحد:لا نريدكما نريد أن نلعب معه ونجلس في حضنه…عندها أدركت أنني كسبت الموقف ،وكنت أراقب الوضع بالنسبة للأم والأب ،فوجدت أن انفراجا بدا عليهما وأنهما قررا قبولي نفسيا،ودار بيننا نقاش حاد في البداية.

شعرت براحة نفسية غريبة وأنا أداعب هؤلاء الأطفال الذين لا ذنب لهم ،ولم تلوثهم نجاسات السياسة ولا الأساطير،وهذا ما جعلهم يقبلون عليّ ويجلسون في حضني ،وهم لا يعرفون من أنا،كما أنهم رفضوا نداءات أمهم وأبيهم بعدم الإقتراب مني.

لم أنظر إلى هؤلاء الأطفال على أنهم أطفال يهود ،فأنا أصلا لا أفرق بين طفل وآخر بغض النظر عن جنسية ومعتقد والديه،ولذلك اعتبرت ما قمت به تجاههم تطبيقا إنسانيا بحتا،وسوف يترك في أنفسهم أثرا لن تمحوه الأساطير المعتمدة ،وربما سيذكرونه لغيرهم من الأطفال اليهود بأن شابا عربيا أجلسهم في حضنه وداعبهم.

كانت فرحة الأطفال كبيرة وهم يجلسون في حضني واداعبهم وأضحك معهم ،وقد كنت أتواصل معهم باللغة الإنجليزية التي يتقنونها بطبيعة الحال كونهم بريطانيين أصلا ،وإن كانت ديانتهم يهودية،وهذا ما زاد من فرحتهم أنني كنت أتحدث معهم بالإنجليزية،ولم يكفوا عن الضحك كما أنني لم أكف عن مداعبتهم ،وكانوا يتحدثون مع بعضهم البعض بفرح غامر،دلالة على شعورهم تجاهي وشعوري تجاههم.

دار حديث بيني وبين د.إسحق عن أسباب مغادرتهم وطنهم الأم بريطانيا،وعندما سألته عن ذلك أجاب بحزم أنهم عادوا إلى أرضهم بعد طردهم منها قبل ألفي عام،وهنا وجدت نفسي ليس أمام طبيب نطاسي بل أمام جابوتنسكي المتشدد ،ومع ذلك غصت معه في ثنايا التاريخ ،ولكنني وجدت نفسي كمن يحفر في الصخر بأظافره.

لم أتوقف عن مداعبة الأطفال رغم تطرف أبيهم ،وقلت أنهم أطفال لا ذنب لهم ،ولا يجوز محاسبتهم على معتقداته ،وربما يفهمون الحقيقة عندما يكبرون ،ويتغيرون ،ولذلك كنا أعبث بشعر البنت تارة ،وبشعور أخويها تارة أخرى.

شعرت أن حجم التوتر الحاصل مجددا كفيل بنسف جبل لا البيت فقط ،وقلت في نفسي أنه لا مجال للاستمرار معه في السياسة والتاريخ لأنه محصن بالهرطقات التوراتية وبالأساطير الصهيونية ،وقررت قرع باب آخر لديه لم أكن متأكدا بالضبط إن كنت سأغير إتجاه تفكيره أم لا ،ومع ذلك قررت المحاولة لنيل شرفها على الأقل،وما كان يقلقني أن زوجته التزمت الصمت ولم تنبس ببنت شفه،لكنني لمحت في وجهها بعض الذهول ،وربما كثيرا من الندم.

كان د.إسحق يجلس على الأريكة واثقا من نفسه ،لكن عينيه كانتا زائغتين كأنهما تبحثان عن شيء ما ،وكان ينظر إلى أولاده وهم يمارسون الفرح في حضني وأنا الغريب الذي تبين له أنني عدو ،وتارة أخرى كان ينظر إلى زوجته دون أن يطلب منها الدعم والمساندة ،بينما هي كانت تحلق بي وربما كانت تشارك أطفالها الفرحة أيضا.

قلت له :د.إسحق يبدوا أنك لا تحب أولادك ولا تخاف عليهم،وقلت ذلك بنبرة تحمل ألف رسالة ورسالة،ولم أنتظر حتى الزفير الذي يلي الشهيق حتى إنفجر الرجل وأشرك زوجته بأن جعلها تشهد على صحة كلامه ،وقال مستنكرا سؤالي :كيف تقول ذلك وأنا وأمهم نعمل ليل نهار لنوفر لهم حياة حلوة ،ونشتري لهم أفخم الملابس ونطعمهم أفضل الوجبات؟

أدركت أنني حركت المتجمد فيه ،وقررت مواصلة قرع الخزان كما قال الكاتب الشهيد غسان كنفاني،وسألته بطريقة مستفزة “ومن قال أن الحب هو خبز وحلوى وألعاب فقط؟

تمعنت في وجهه فورا لأقرأ ردة فعله الداخلية أولا ، ووجدت إضطرابا لديه لأنه ربما لم يتوقع أن ينحو الحوار من السياسة الجافة إلى الإنسانية النبيلة ،وأن أضرب بقوة على وتر فلذات كبده،وأحدث ضجة تقطع سكون الليل قبيل الفجر .

طلب مني الرجل أن أوضح ما قلته أكثر ،ووجدتها فرصة ،وقلت له :د.إسحق تخيل لو أن رصاصة طائشة خلال إشتباك بين الفدائيين وجيش الإحتلال ،إخترقت السيارة وأنتم قادمون لزيارة السيد مهمد ،وإستقرت في رأس أحد الأطفال ،ما ذا ستفعل عند ذلك؟

فاجأني ببرودة رده وهدوئه عندما قال :لكننا وصلنا ولم يحدث شيء! فرددت عليه ماذا لو وقعت وأنت خارج من منزل السيد محمد في محيط إشتباك مسلح بين الفدائيين وقوات الاحتلال وجرى ما جرى وفقدت أحد أولادك،أو لنقل أن إشتباكا وقع في محيط بيتك إثر هجوم من الفدائيين،ما ذا ستفعل،وهل ستقول أن إبني أو إبنتي فداء لهيرتزل أو جابوتنسكي مثلا؟

تسمرت عيناي في وجهه وشعرت أنني تمكنت حتى من حركة رموشه ،وإكتشفت أن شيئا ما يتحول بداخله ،لأنني أفهم لغة العيون وبعض لغة الجسد،ولم يمض طويل وقت حتى أخذ يتحدث مع زوجته بصوت غير مسموع ،وقرأت من تعابير وجهها أنها توافقه الرأي ،حول ما تحدث بشأنه معها،وازعم انني لمحت اتساعا في مساحة الفرح على وجهها ،بعكس ما كانت عليه بداية النقاش .

اعتبرت أن هناك تحولا إيجابيا ما طرأ على زوجها الذي كان متعنتا في البداية ،وأن ذلك التحول الإيجابي الجديد إنعكس عليها ،فهي أم أولا وأخيرا ،قبل أن تكون مهندسة ،بمعنى ان مشاريعها الخاصة وهم فلذات كبدها أهم بالنسبة إليها من المشاريع التي تنفذها في الشركة التي تعمل فيها،وهذا هو قلب الأم الذي يعد منبع العاطفة والحنان .

توقف عن الحديث الهامس مع زوجته ،ورأيت أن مساحة الفرح على وجهيهما تتسع شيئا فشيئا ،ولا أنكر أنني فشلت في قراءة الموقف ،ليس لقصور مني بل لعدم معرفتي المسبقة بمثل هؤلاء الأشخاص الذين نشأوا في الغرب بعيدا عن العاطفة ،لكنهم انغمسوا في الأساطير ،وآمنوا بخرافات غيرت من معتقداتهم ومن مكان حياتهم.

سألني د.إسحق :سيد أسعد متى ستعود إلى بغداد؟ذهلت من هذا السؤال الذي لم أتوقعه ،لأنه ليس له حيزا في النقاش،فأجبته بجلافة :وماذا يهمك في عودتي إلى بغداد؟

إبتسم إبتسامة ذات مغزى وقال :يهمني ذلك جدا ! ولم أعره إنتباها للوهلة الأولى،لكنني قرأت رسالة ما على وجهه ،فقلت له:سأعود إلى بغداد يوم الأول من سبتمبر،ولذت بالصمت.

واصل إبتسامته وهو ينظر إلى زوجته وطلب مني أن أكتب له عنواني ،وعندها شعرت بشيء ما لم أستطع تحديده ينتابني ،وقمت بإستعراض شريط الجلسة من بدايتها المتوترة حتى اللحظة التي باتت تنعم بإنفراج ،ولمست نهاية إيجابية للحوار لكنني لم أستطع وضع النقاط على الحروف،وتخندقت في مساحة الحدس .

كتبت له العنوان وناولته إياه وأحسست بفرحة داخلية كبيرة ،تتسع في داخله وتعكس نفسها على وجهه وتظهر في بريق عينيه ،وعلى وجه زوجته ،وإستمررت في مداعبة الأطفال.

ما أن تناول ورقة العنوان من يدي وقرأ ما فيها طلب مني أن أذهب إلى مكتب بريد الجامعة يوم العاشر من سبتمبر ،وقال أنني سأجد رسالة منه إليّ!فسألته :كيف سترسل الرسالة من إسرائيل”؟ولم يجب ،كما أنني لم أعد السؤال عليه،لأن المقلوبة الفلسطينية المشهورة بالباذنجان والبطاطا والزهرة،قد حلت ضيفا مرغوبا فيه ،وجاءت في وقتها فعلا،وأعلنت عنها رائحتها النفاذة الشهية.

وضع صديقي محمد سدر المقلوبة على الطاولة ،وبدأ بوضع لبن الزبادي والسلطة والشوربة بجانبها ،وقال :تفضلوا.

تركت الأطفال وشأنهم ظنا مني أنهم سيقفزون من حضني لأحضان أمهم وأبيهم ،ولكنهم ظلوا متعلقين بي ،ولم أمانع ،وقررت إطعامهم بيديّ .

اجتمعنا حول المائدة ،وكانوا فرحين جدا ويتلذذون بالرائحة النفاذة الشهية،فيما كان الأطفال في حالة فرح لا تنتهي ،لأنهم رأوا طعاما يختلف عما يأكلونه أو ما تعودوا عليه.

لم يخف الأب والأم فرحتهم بالوجبة الدسمة ،وربما كانت الفرحة مزدوجة ،لأنهم سيتناولون الطعام في بيت “عدو”حسب الأساطير الصهيونية،وهذه بحد ذاتها إشارة على الأمن والأمان والشعور الإيجابي والقبول ،ولا يتحقق ذلك في بيت عدو بطبيعة الحال.

بدأنا نتناول المقلوبة وكنت أسمع منهم أصوات الهمهة تعبيرا عن جودة الوجبة وعن قبولهم بها واستحسانهم لها ،وكنت أقوم بإطعام الأولاد بيدي ،وكانت الفرحة تعم الجميع ،بعكس اللحظة التي أقبلوا بها عليّ.

كان تناول وجبة المقلوبة بمثابة إحتفال ،وكما يبدو أن فرحتهم بالوجبة الشهية المكونة من الأرز والدجاج والباذنجان والقرنبيط والبطاطا،لم تكن هي المكون الأول لسعادتهم،ولم أدقق لأنني اكتفيت باللحظة الراهنة وتركت الغيب لصاحب الغيب،وإنهمكت في إطعام الأولاد،إلى أن أحسوا بالشبع ،و شعرت أن العائلة الضيفة كلها لم تشبع بمعنى الشبع ،مع أنهم ملؤوا بطونهم ،لكن نفوسهم ما تزال في المقلوبة لمذاقها الطيب .

بعد الإنتهاء من تناول الطعام غسلنا أيدينا ،وعدنا إلى مقاعدنا في الصالون ،وما هي إلا دقائق حتى فاحت رائحة الشاي بالنعناع ،ما أضفى سعادة أخرى على سعادتهم ،وأبدى د.إسحق إعجابه بنمط الحياة العربية ،وشاركته زوجته المهندسة إعجابه.

عاد الأولاد هذه المرة بدون إيماءة مني إلى حضني ،وقمت بمداعبتهم والضحك معهم ،وأحسوا بسعادة كبيرة ،ولم يظهر أبوهم حنقه عليهم هذه المرة لأنهم يلعبون معي ،ويبدو فعلا انه خلع عني صفة العدو ،وأسبغ علي صفة الصديق، ويبدو أيضا أن إقبال الأطفال على شخص غريب دليل تحول إيجابي.

لم نتحدث في السياسة بعد المقلوبة والشاي ،بل تحدثنا عن الجو والطبيعة والأحوال في بريطانيا ،وكان حديث د.إسحق عن بريطانيا رسالة لي لم أفهمها بداية،وقبيل حلول المساء إنصرفنا مودعين بعضنا وداع الأصدقاء ،وكرر عليّ د.إسحق أن اذهب إلى بريد الجامعة في العاشر من سبتمبر .

قبلت الأولاد الثلاثة وصافحت الأب والأم بحرارة ،كما ودعت صديقي محمد وانصرفت راجلا إلى الكراج ،وكنت أستحضر كل حركة أو حرف أو شعور في تلك الجلسة التي بدأت مضطربة وإنتهت بوداع حار،ولم أتوقع قرار د.إسحق ،لكنني قبلت بإرتياح نتائج الجلسة لأنني أقيس بالنهايات،وكنت راض عن النهاية ،إذ ليس سهلا أن تكسب ثقة أطفال غرباء ومن دين آخر وفي حالة عداء مستفحل ،وأن يقبلوا عليك وسط معارضة والديهم ،ويجلسوا في حضنك تداعبهم وتضحك معهم ،وتطعمهم المقلوبة بيدك.

وصلت الكراج ووجدت سيارة الأجرة متوقفة بانتظار اخر راكب وركبت فيها ،وكنت أبدو منشغلا بقضية ما ،لأن موقف الأطفال سيطر عليّ،وكان مؤشر خير ،وفألا حسنا لم ألمسه إلا في يوم العاشر من سبتمبر.

بعد أسبوعين غادرت إلى بغداد لمتابعة الدراسة في الجامعة والتي تبدأ في الأول من سبتمبر،وكنت أنتظر قدوم يوم العاشر من سبتمبر على أحر من الجمر،كي أستلم الرسالة التي وعدني بها د.إسحق.

في يوم العاشر من أيلول توجهت إلى الجامعة كالعادة ،ولكن شيئا ما كان يشغلني ،لأنني بطبعي لا أحب المفاجآت،وكنت واثقا ان هناك مفاجأة ما تنتظرني في هذا اليوم ،لكنني لم أستطيع التحديد.

بعد المحاضرة الثانية توجهت إلى مكتب بريد الجامعة ،وبالفعل وجدت رسالة مرسلة إلى من لندن ،وقبل أن أدقق في عنوان المرسل ظننت أن صديقي حامد الشريف المقيم في لندن قد بعث بها إليّ ،ولكنني إكتشفت أنها مرسلة من د.إسحق،

فشعرت بخضة سيطرت عليها في الحال لأنني لم اتوقع أن يتخذ قرارا مخالفا للأساطير والهرطقات ،خاصة وأنه كان متعنتا في البداية ويؤمن بأسطورة حق العودة اليهودي ، قمت بفض الرسالة ،وكان مكتوب فيها:

السيد أسعد المحترم

تحياتي

أخبرك أنني وعائلتي عدنا إلى وطننا الأم بريطانيا وسوف لن نعود إلى إسرائيل ثانية!

زوجتي والأطفال يبعثون بتحياتهم إليك

شكرا جزيلا لك لأنك انقذتنا من مصير مجهول

د.إسحق

*من مخطوطة مجموعتي القصصية “رسالة من لندن”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق