ثقافة المقال

لا تقنطوا من رحمة الله

خديجة الوفية المليبارية

الحياة الدنيوية لا تسير أبدا في خط مستقيم، وحياة الإنسان لا تخلو من البلايا والرزايا، فالمصائب ضيف الإنسان لا بد له منها في هذه الحياة الفانية، ليصدق قول الله عز وجل “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ” (سورة البلد، الآية ٤) فهو يكابد فيها المشقة والبلايا . فقد خلق الله هذه البلايا لعباده ليبتليهم وليعلم منهم المؤمنين والكافرين، لأن المرء لا يظهر ما يكنّ في نفسه وقت الرخاء بل يتبين في وقت الشدائد.
​إن البلايا نعمة على المؤمنين لأنهم يصبرون على الضراء خلاف الكافرين فهم يجزعون فيما يصيبهم. مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف المؤمنَ بالزرع والكافر بشجرة الأَرْز مثلا بليغا بكلمات موجزات يوصل من خلاله المعنى، ويقرب المعقول في صورة المحسوس، ويبرز الخفي بالشكل الجلي. ​وقال صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى، حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يفيئها شيء، حتى يكون انجعافها مرة واحدة»، وفي رواية «حتى يُستَحصَد» رواها كعب بن مالك وأخرجها البيهقي في شعب الإيمان.
​وتشبيهُ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنَ بالزرع يدلّ على أن الزرع هو خيرُ مثالٍ للتعبير عن حال المؤمن نحو ما يواجهه من البلايا والمصائب، ومن المعلوم أن الرياح إذا ما هبّت، هزّت الزرع وأمالته إلى اليمين مرّةً وإلى اليسار مرّةً، وإلى الأمام تارةً، وإلى الخلف تارةً أخرى؛ وكذا يهيم الزرع بوجهه على الأرض، ولكن إذا هدأت الرياح والعواصف فيعاود الإستواء مرّة أخرى، وهكذا المؤمن يتعرّض دائمًا للبلايا والمصائب، فلا يسقط أبدًا بفضل الله وعنايته وإن اهتزّ والمنافق عكسه. وثمة مقولةٌ دخيلة على اللغة العربية مفادها “المؤمن بَلَوِيٌّ”؛ وهذا يعني أنّ المؤمن دائمًا ما يتعرّض للبلاء وتحلّ به المصائب كلّ حين، كما جاء في الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ“.

لماذا ابتلي المؤمنون؟
لماذا ابتلي المؤمنون.؟ هل أنهم مبتعدون بالله؟ لا، إنما ابتليهم الله قربا لهم وأن الله موقن بألاّ يقطعوا رجاءهم من رحمته تبارك وتعالى،ولا يقنطوا من تفريجه وتنفيسه للكربات والملمات ولأنهم يعلمون أنه تبارك وتعالى هو الرحمن الرحيم كما قال في محكم آياته : “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر، الآية ٥٣)
نعلم أن الإبتلاء هو من الله، إذا ابتلى الله عبده بشيئ فيخليه عنه ويعوض منه أجلّ عوض وأفضله. ولا يغيب ويبعد عنه أبدا، لأنه هو أرحم الراحمين. وعظمة رحمته واردة في الكتاب والسنة كما جاء في الخبر الصحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رضى الله عنه ـ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْىٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ‏”‌‏.‏ قُلْنَا لاَ وَهي تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ‏.‏ فَقَالَ ‏”‏ اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ‏”‌‏.‏(صحيح البخاري، ٥٩٩٩)
وفي حديث آخر عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل جلاله قال:” إذا تقَرّبَ العَبْدُ إليَّ شبراً تَقَرّبْتُ إلَيْهِ ذِراعاً، وإِذَا تَقَرَّبَ إليَّ ذراعًا تَقَرّبتُ مِنهُ باعاً، وإِذَا أتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلة‏”(رواه البخاري) هذا الحديث القدسي يبين معنى كبيرًا إذا استشعره المؤمن فإنه يقبل على طاعة الله بكل انشراح، فهذا الرب الذي نعبده أرحم الراحمين. يبرد هذا أيضا ما في قلوب المذنبين المسرفين من قلق مقعد عن التوبة، والذي قد يجرفهم إلى منزلقات القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، ويحفزهم على أن ينيبوا إلى الله ويسلموا له.
وواضح مما ذكرناها أن المؤمنين ليسوا مفقودين بالأمل في الله وما يأسوا من رحمة الله، بل يصبر على ما حل بهم ويتوكل عليه دائما لأنهم يعلمون أنه قد يكون لرفعة المنزلة وزيادة الحسنات؛ قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله تعالى يبتليه بما يكره حتى يبلِّغَه إياها”. أو للتنبيه والتذكير لأن البلايا تنتهي وان طالت وتعوض الخيرَ مهما عظمت لأن الحياة الدنيوية تمتزج بالخير والشر والفرح والألم كما قال الإمام الشافعي رحمه الله :
“ولا حزن يدوم ولا سرور ….. ولا بؤس عليك ولا رخاء”
أو كما قال الداعي الفلسطيني محمود الحسنات : “إنَّ الله ما خلق الحزن إلا لأجل الفرح، فغاية خلق الحزن أن يأتي الفرح وغاية خلق المرض أن يأتي الشفاء وغاية خلق الفقر أن يأتي الغنى كما خلق الظلام ليأتي الفجر “
​فالمؤمن يرضى بما حل عليه ويصبر فيما ابتلاه. هذا مصدق بقول النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ (رواه مسلم). إن الله يدبّره، ويقيض له من الأسباب التي يحصل له فيها رفع الدرجات، ومغفرة الذنوب، وتكثير الحسنات، سواء كان ذلك مما يُجريه عليه من الأمور السارة التي تستوجب الشكر، ولهذا ذكر النبي ﷺ المؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي من شأنه أن يشكر الله، فهو يعرف نعمه عليه، وأما الكافر فإنه جحود، ينكر نعمة الله عز وجل عليه.
‏ فالتسليم لله و الخضوع له هو الطريق الوحيد للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حلَّ لها ولا معنى، إنّه طريق للخُروج بدون تمرُّد ولا قنوط، ولا يفقد الأمل في رحمته ولا يسيئ الظن به، لأن حسن الظن بالله من العبادات الجليلة التي يبنغي أن يملأ المؤمن بها قلبه في جميع أحواله ويستصحبها في حياته وفي هدايته وفي رزقه وفي صلاح ذريته وفي إجابة دعائه وفي مغفرة ذنبه وفي كل شيء.
نعلم عن واقعنا المعاصر الذي نعيش فيه أنه قد تكالبت واجتمعت الفتن المتعلقة بأمري الدين والدنيا وثقلت وقعها على القلب والإيمان، وحياتنا منغمسة بالبلايا والمصائب وهذا لا ينكره أحد، وقد لا يسلم ولم يسلم منه أحد عبر العصور والقرون، والأزمنة والأمكنة، فما زالت الفتن تعصف بالأمة شرقًا وغربًا وتأخذ الأمراض والأوبئة بشتى صورها وأشكالها وأنماطها، حتى تسيطر الآن الوباء كورونا لا يمكن البراءة منه لأي بلد، ولا يمكن التخلص منه لأي مرئ وكل هذا هو ابتلائه جل وعلى ومحنه. فعلى المؤمن أن يرضى على الخير والشر لأن الرضا بالقضاء والقدر يوجب الإيمان على المؤمنين. فالرضَا بالقضاء مِن أسباب سعادة المَرء، والسخط عَلى القضاء عليه من أسبَاب شقاوته. فمن مَلأ قَلبه بالرضَا، أرضاه الله بجميل قَدره، وملأ الله رُوحه بالغنَى والأمن ومَن سَخط فله معيشة ضَنكى.

*الهند /استاذة في كلية وادي الرحمة للآداب والعلوم الإسلامية للبنات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق