قراءات ودراسات

شعريّة الثنائيّات الضديّة في الرّواية الجزائريّة التّسعينيّة

شعريّة الثنائيّات الضديّة في الرّواية الجزائريّة التّسعينيّة روايتا: (وطن من زجاج ) لـ “ياسمينة صالح ، و( أرخبيل الذباب) لـ ” مفتي بشير ” نموذجا

الدّكتور: دولات سروري بن عودة*

.مُلخّص: تَرَكَتْ الْمَأْسَاةُ الوَطَنِيّةُ أثَارِهَا جَلِيّةً عَلَى الْمُنْجَزِ الرّوَائِيِّ الْجَزَائِرِيِّ الّذِي أرّخَ لِتِلْكَ الْفَتْرَةِ، حَيْثُ فَرَضَتْ الْبِيْئَةُ الْمَأسَاوِيّةُ عَلَى الْجَزَائِرِيِّ عَامَّةً وَالرِّوَائِيِّ خَاصَّةً نَمَطًا مَعِيشِيًّا دَفَعَهُ إلَى الإحْسَاسِ بِالشّيْءِ وَنقِيضِهِ في الآنِ نفْسِهِ، هَذَا مَا هَيَّأَ مَنَاخًا خِصْبًا لِشُيوعِ الثُّنائيّاتِ الضِّدِّيّة الّتِي رَأَى فِيهَا رِوَائِيُو الْمَأسَاةِ وَسِيلَةً أسْلُوبِيّةً نَاجِعةً لِتَصْوِيرِ وَاقِعِ الْجَزائِرِ إبّان تِسْعِينِيّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي.

ومن بينِ الثّنائِيّاتِ الضدّيّةِ الّتِي سجّلَتْ حُضُورًا لافِتًا في رِوَايَتَيِ: (وطن من زجاج) لـ ” ياسمينة صالح ” و(أرخبيل الذباب) لـ ” مفتي بشير “، اللّتيْن اتّخذناهُما نمُوذَجَيْن لدراسة الرّواية الجزائريّة التّسْعِينِيّةِ، ثُنائِيَتَا (الحياة / الموت) و (الوُجود / العَدَم)، حيثُ لمْ يَكُنْ توظِيفُهُمَا مُجرّدَ جَمْعٍ بيْنَ قُطْبَيْ الثّنائِيّةِ في تركيبٍ لُغوِيٍّ واحِدٍ، وإنَّمَا عُوِّلَ في تَوظِيفِهِمَا على فاعليّة الإقحامِ ودَوْرِهِ في تَشْكِيلِ الفجوة: مسافةُ التّوتّر، والّتِي تُعَدُّ مَنْبَعًا لِلْشِعْرِيّةِ.

– الكلِمات المفتاحِيّة : الرّواية الجزائريّة التّسعِينِيّة – الثّنائيات الضّدّيّة – الفجوة: مسافة التّوتّر – الشّعريّة.

– مفهوم الثّنائِيّات الضِّدِّيّة :

عرَّفَ صاحبُ ” المعجم الفلسَفِيّ ” الثّنائِيّةَ بقوْلِهِ: » الثّنائِيّ مِنَ الأشْياءِ مَا كانَ ذا شَقَّيْنِ، والثّنائِيّةُ هِي القَوْلُ بِزَوْجِيّةِ الأشْياءِ المُفَسِّرةِ لِلْكَوْنِ، كثنائِيّةِ الأضْدادِ وتَعاقُبِها. [1] «

فَقدْ ركّزَ صاحِبُ التّعريف على نقطتين مِفْصلِيّتَيْنِ، أوّلهُما أنّ الثّنائِيّة تقتَضِي وجودَ قطبيْنِ تجمعُ بيْنهما علاقة معيّنة تكونُ تضادًّا في الأغلب، وثانِيهِما اعتمادُ بعضِ النّظرِيّاتِ على الثّنائياتِ في تفسِير ظواهرِ الكون، ما يعنِي إمكانيّةَ اِتِّكاءِ النّقّادِ علَيْها لتفسِيرِ الأعمالِ الأدبيّة.

أمّا ” سمر الدّيوب ” فقَدْ اعتبرتْ » الثّنائِيّاتَ الضِدِّيّةَ وَلِيدةَ فِكْرٍ مَعْرِفِيٍّ يتحرّكُ، وَيَنْسُجُ مَسَارَ حَرَكَتِهِ، ويتشكَّلُ تارِيخِيًّا، وثَمّةَ ثُنائِيّاتٌ كَثِيرةٌ لهَا أشدُّ الحُضُورِ فِي حَياتِنا، فلا وُجودَ لِشَيءٍ من دونِ نَقِيضِهِ، أمّا اللّغةُ فَهِيَ أداةُ تحقِيقِ معانِي الحياةِ. [2] « كما نَبّهتْ نفْسُ الباحثةِ إلى أنّ التّوظيف المكثّفَ للثّنائِيّات الضِدّيّةِ في العملِ الأدبيّ من شأنِهِ أنْ يُضفِيَ على النّصوص صَبْغةً جمالِيّةً من خلال ما تُحقّقُهُ تلك الثّنائِيّات من دينامِيّةٍ تجعلُها مُنْفتِحةً على تعدُّدِ القراءات، فـ » وَفْرَةُ الثّنائِيّات الضِدِّيّة فِي النّصِ الأدبِيِّ دلِيلُ انْسِجامِ إيقَاعَاتِهِ، واِنْفِتاحِهِ على أكْثر من مِحور، فَيُمكِنُ أنْ نَعْثُرَ على مجموعة أنساقٍ متضادّةٍ في النّصِ الأدبِيِّ الواحِدِ تُضْفِي عَلَيْهِ مزِيدًا منَ الحيوِيّة والحركة، هذهِ الأنساقُ المتضادّة ذاتُ صِلةٍ بالكوْنِ الّذي تصوّره، سواءٌ أكانَ ذلك بالتّضادّ أمْ بِالتّكامُلِ، لِذا تجتمِعُ فِيها الخصائِصُ الجمالِيّة. [3] «

وحاوَلَ صاحِبُ مُؤلَّفِ ( اللّغة العُليا ) إيجادَ تفْسِيرٍ يُعلِّلُ مَنْشَأَ الثّنائِيّات في الفكر الإنسانِيّ، فَرَدّها إلى تَعرُّضِ الإنْسانِ إلى تيَّارَيْنِ شعورِيّيْنِ متساوِيّيْنِ في الشّدّةِ ومُتبايِنَيْنِ في الوُجْهةِ، يتنازعانِ إحْساسَ الإنْسان ويُحاوِلانِ البُروزَ في اللّحظةِ ذاتِها، ولأنّهما مختلِفَيْنِ – أوْ بِالأَحْرَى مُتضادّيْنِ – فإنّ أحدَهُما فقطْ يحتلُّ مساحةَ الإدراك، بيْنما يبْقى الآخرُ حبِيسَ اللا شُعور، مُتحَيّنًا أُفُولَ تلك الدّفقَةِ الشّعورِيّة المُضادّةِ لهُ، لِيُزِيحَها منْ واجِهةِ الوَعْيِ ويبْسِطَ سيطرتَهُ على الفِكْرِ. فـ » الثّنائِيّات الضِدِّيّةُ تنشَأُ من شُعورَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يُوقِظانِ الإحْسَاسَ، وَوَاحِدٌ من هَذَيْنِ الشّعورَيْنِ فقَطْ هو الّذي يَسْتثمِرُ نظامَ الإدراكِ فِي الوَعْيِ، والثانِي يَظلُّ فِي اللا وَعْيِ. [4] «

أمّا ” غيثاء قادرة ” فقَدْ عرّفَتْها بقولِها: » الثّنائِيّةُ الضِدِّيّةُ بِنيةٌ لُغوِيّةٌ مُتقاطِعةُ اللّفظِ والمَعْنى، مُتبايِنةٌ، ظاهرةٌ في النّسقِ، تظْهرُ فِي تَبايُنِهَا إبْداعًا وَجمَالاً شِعْرِيّيْنِ، تَعْتَمِرُ نَسِيجًا لُغوِيًّا يُعدُّ ترجمةً لِنَفْسِيّةِ الأدِيبِ ومَكْنونَاتِهِ الدّاخِلِيّة. والثّنائِيّةُ مُصطلحٌ يقومُ على الرّبطِ بين الظواهرِ المُنفصِلةِ والتّعالُقِ بيْنَهَا، نَشَأتْ من شُعورَيْنِ مُختَلِفَيْنِ عَاشَهُمَا الأديب فِي بِيئة فَرَضَتْ مُعطَيَاتِها نَمطًا مَعِيشِيًّا أيْقَظَ عنْدَهُ إحْسَاسَيْنِ مُتضَادَيْنِ هُمَا: الشّعورُ بالذاتِ والشّعورُ باِسْتِلابِهَا، عكَسَهُما الأديبُ فِي صُوَرٍ ظاهِرةٍ ومُسْتَتِرةٍ. [5] «

وإذا كانتْ ” غيثاء قادرة ” قدْ اقْتَبَسَتْ من تعريفِ ” جون كوهِين ” حين ردّتْ سبَبَ نشوءِ الثّنائِيّات إلى معايَشَةِ الأديبِ لشعورَيْنِ مختلِفَيْنِ، إلاّ أنّها زادتْ عليْهِ حينمَا نبَّهتْ إلى تأثِيرِ البِيئةِ الّتي تفْرِضُ على الكاتِبِ نمطًا معِيشِيًّا يدفَعُهُ إلى الإحساسِ بالشّيءِ ونقِيضِهِ في الآنِ نفْسِهِ.

وفي مَوْضِعٍ آخَرَ في ذاتِ المقالِ، تُشَدِّدُ الباحِثةُ على ضَرُورَةِ وجودِ علاقةٍ تُقَرِّبُ بين الأشياءِ المُتباعدةِ الّتي تبدو شديدةِ الانفِصال لِمَا بيْنها من تضادّ وتنافُرٍ، وتسْتنِدُ في تأكِيدِها هذا على إمكانيّة تحديدِ منطِقةٍ وُسْطى في المسافةِ الّتي تفصِلُ بيْن الشّيْءِ وضِدِّهِ. تقول: » وهذا يُؤَكِّدُ تعالُقَ الأطرافِ المُنْفَصِلةِ، إذْ لا بُدّ مِنْ وُجودِ منطِقةٍ وُسْطَى تَرْبِطُ بيْنَ المَعْنى وَضِدِّهِ، وتوَارِي أحدِهِمَا خَلْفَ الآخَرِ باِنْتِظارِ إعْلانِ ذاتِهِ. [6] « وفِي خِضَمِ حدِيثِها عنْ أهمِيّةِ الثنائِيّات الضِدِّيّة، نجدُها لا تحِيدُ عن الإطارِ الّذي رسمهُ البنيوِيّون، فهي – مِثْلَهُمْ – تعدُّ الثّنائِيّاتِ الهَيْكلَ الّذي تُشيَّدُ على أساسِهِ الأعمال الأدبيّةُ، باعتِبارِها أنْساقًا لُغوِيّةً فاعِلَةً تَعْكِسُ بِصِدقٍ رُؤى الأديبِ وتَصوُّراتِهِ لعناصِرِ الوجود، لذلك » تُشَكِّلُ الثّنائِيّاتُ الضِدِّيّةُ رُكْنًا أسَاسًا من أركان الخطاب الشّعرِيِّ، وبنية لُغوِيّة فاعِلةً فِي خَلْقِ تصوّراتٍ مُعَيّنةٍ تُجاهَ مُكوّناتِ الوُجُود. [7] «

ويَضَعُ الدّكتور ” كمال أبو ديب ” بيْنَ أيْدِي الباحِثِين والنًّقّادِ بعضَ الميزاتِ الّتي تختصُّ بِها الثنائِيّاتِ الضدِّيّة وتتميّزُ بِها عن باقِي جسدِ النّصِ ومنها التّكرار، وهذا منْ شَأنِهِ أنْ يُعِينَ الدّارسِينَ ويُسَهّلَ عليهِمْ القَبْضَ على الثّنائِيّاتِ وتمييزِها، ثمّ يُنَبِّهُ إلى أمرٍ في غايةِ الأهمِيّة، وهو ضرورةُ تتَبُّعِ مسَارِ انحلالِ الثّنائِيّات، لأنّ فعالِيّةَ الثّنائِيّاتِ تكمُنُ في انْحِلالِها، وَإلَيْهِ يُعْزى الفَضْلُ في إنتاجِ دلالاتٍ مُبْتكَرَةٍ وإضْفاءِ صَبْغةِ الجَدَلِ على النّص. فـ » الثّنائِيّةُ الضِدِّيّةُ تَنْبُعُ من تَمَايُزِ ظواهِر مُعيّنةٍ في جَسَدِ النّصِ، ومِنْ ثَمّةَ تِكرارِها عدَدًا من المرّات، ثمّ انْحِلالِ هذهِ الظواهر واِخْتِفائِها، بِهذهِ الصّفةِ يَكْتَسِبُ النّصُ طبِيعتَهُ الجدَلِيّةَ. [8] «

وجاءَتْ آراءُ الكثِيرِ من الباحثِينَ داعِمةً للآراءِ السّالِفةِ، فهِيَ جمِيعًا تُشِيدُ بفعَالِيّةِ الثّنائِيّاتِ الضدِّيّةِ، وتُبَيِّنُ قيمتَها ودَوْرَهَا في تَعْزِيزِ عملِيّةِ التّلقِي، وتحقِيقِ فرادةِ الأعمالِ الأدبيّة بِفَضْلِ الجمالِيّةِ الّتي تتحقّقُ عبر تحقِيقِ التّناغُمِ والانْسِجامِ بيْنَ ظواهرِ الوجودِ المنفَصِلةِ، ومن بيْنِ هذهِ الآراءِ نذكُرُ قولاً أوْرَدَهُ الباحثُ ” عبد الرحمن أحمد إسماعيل كرم الدّين ” في الدّراسةِ الّتي حاولَ فِيها بيانَ فاعِليّة الثنائِيّات الضِدّيّةِ في شعر النّقائض. يقول: » لا شَكَّ أنّ البِنيةَ اللّغوِيّة الّتي تُعطِي مجالاً لِلرّبْطِ بيْن الظواهرِ المتنافرةِ هي بِنية ذات قيمة مؤثّرة فِي النّص الأدبيّ، سِيّما أنّها في بعضِ أشكالِها تُشكّل نسِيجًا من العلاقاتِ بيْنَ المعانِي الحاضِرةِ والغائِبةِ، وهذهِ المعاني بِحاجَةٍ إلى ما يُؤلِّفُ بيْنها، ويُحقّقُ بيْنها نوْعًا من التّناغُمِ والتّجانُس، مِمّا يجعلُ المُتلقيّ يستقْبِلُ رسالةَ النّص بوضوحٍ، ويَعِي المَقصودَ. [9] «

وعلَيْهِ فـإنّ : الثّنائِيّات الضّدِّيّة هي: (( بِنْيَةٌ لُغَوِيّةٌ مُتميّزة، تَتكرّرُ في جسدِ النّصِ، تكتَسِبُ فاعِلِيّتَها عَبْرَ انحلالِها الّذي يكْشِفُ عنْ نفْسِيّةِ الكاتب ومدى تأثّرِهِ بالبيئةِ الّتي تُعدُّ منبَعَ التّضادّ، كمَا يُسْهِمُ انْحِلالُها في تولِيدِ دلالاتٍ مبتكرةٍ تعْكِسُ بِصِدْقٍ تصُوّراتِ الأدِيبِ ومواقِفَهُ تُجَاهَ الوجودِ، وذلك منْ شَأنِهِ أنْ يجْعلَ مِنْها واحدَةً من أهمِّ أدواتِ التّواصُلِ بيْنَ المبدعِ والقارِئِ الّذي يتحتّمُ عليْهِ أنْ يَجْعلَ مِنْهَا مفاتِيحَ قراءةِ النّصوصِ.))

– الثنائيّات الضديّة في الرّواية الجزائريّة التّسعينيّة :

حصلَ شِبهُ إجْماعٍ لدى النُّقّادِ أنّهُ خلالِ تسْعِينِيّاتِ القرنِ الماضي، انْبثَقَ حقلٌ روائِيّ جديدٌ في الجزائرِ، كان مُحصّلةَ ظُروفٍ سوسيُولوجِيّةٍ لفترةٍ زمنِيّةٍ شديدةِ الخصوصِيّة في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، ونعنِي بالذِّكْرِ تلك الأحداث الدموِيّة الّتِي شَهِدتْها البِلادُ خلالَ العشرِيّة السّوداء، والّتي تركتْ آثارَها على المُنجزِ الرّوائيّ الّذي اتّخذ من تلك الحقبةِ زمنًا لِلْحَكْيِ، لِتَعُود أسئلة الذّاتِ وجدلِيّةُ الكينونةِ والعدم بِقوةٍ، متخّذة من الثنائِيّات الضدّيّة مطِيّةً لإثارةِ عديدِ القضَايا الّتي تنهضُ على النّقِيضَيْن.

ومن الثّنائِيّات الضِدِّيّةِ الّتي سجلَتْ حُضُورًا كثِيفًا في الرّوايةِ الجزائريّة التّسعِينِيّة، ثنائِيَّتَا: الموت / الحياة ، و الوجود / العدم . ولِبيانِ ذلك ارتأيْنا أنْ نتخّذَ روايَتَيْنِ نموذجا للدّراسةِ، وهما : ( وطن من زجاج ) لـ “ياسمينة صالح ، و( أرخبيل الذباب) لـ ” مفتي بشير “.

أ) – ثُنـائِيّةُ الـموت والحياة :

زاحَمَ الموتُ الحيَاةَ في جُلِّ الرّواياتِ الجزائريّةِ التّسعينيّة، وهذا عائِدٌ إلى خُصوصِيّةِ الفترة الّتي كانتْ مدارًا لِلسّردِ، إذْ عبّرَ الرّوائِيون عنْ قلقِهِمْ إزاءَ آلةِ الموتِ الهمَجِيِّ الذي يُصَادرُ المرْءَ حقَّهُ في البقاءِ، ويُحوّلُ الحياةَ إلى عَبَثٍ يَفْقِدُ الإنسانَ إحْساسَهُ الفِطرِيَّ بِكيْنونَتِهِ. هذا ما دفَعَ بطلَ رواية ” أرخبِيل الذباب ” إلى أنْ يتسَاءَلَ: » هلْ هُوَ الخَوْفُ مِنَ الموْتِ الّذي يُزَلْزِلُ كَيانَ المَرْءِ فَيُحَوِّلُهُ إلى بَعُوضَةٍ؟ [10] « وَيَصِفُ لنَا بطلُ روايةِ ” وطن من زجاج ” تَحايُلَهُ واجتِهادَهُ في ابْتِكارِ سُبُلٍ تُخَوّلُ لهُ البقاءَ على قَيْدِ الحياةِ أطوَلَ مُدّةٍ مُمكِنةٍ في بِيئةٍ فَرَضَ فِيها الموتُ مَنْطِقَهُ. يقول: » كُنْتُ أكْتَشِفُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ طَرِيقَتِي فِي العَيْشِ وَسَطَ مَوْتٍ يَقْتُلُ الحَياةَ. [11] « ثُمّ نَجِدُهُ يتسَاءَلُ عن جدوى الحياةِ في ظِلّ هذا العبثِ اليّومِيِّ الّذي يَكونُ فِيهِ بِمقدورِ القتلةِ وَضْعُ حدٍّ لحياةِ إنسانٍ منْ دونِ حسِيبٍ ولا رَقِيبٍ: » مَا جَدْوَى الحَياة؟ مَا الحَياةُ أصْلاً حِينَ تَجِدُ مَنْ يُوقِفُهَا بِهذا الشّكْل اليّومِي والمُتكَرِّرِ بالأخْطاء؟ [12] «

وإذا كانَ الشّائِعُ فِي البِيئاتِ الّتي يشِيعُ فِيها السّلامُ ويَسْتَثِبُّ فِيها الأمنُ، أنْ تَسْتحْوِذَ الحياةُ على تَفْكِيرِ الإنسانِ، فَتَنْصَبُّ جُهودُهُ على اغْتِنامِ الملذّاتِ ونَيْلِ المَسّراتِ، لأنّ » النّاسَ لا تُفَكِّرُ بِالمَوْتِ، إنّهَا تتْرُكُ ذلِكَ فِي المُؤَخِّرَةِ مِنَ الوَعْيِ، تَتْرُكُهُ يتَخَمَّرُ وَيَضْغطُ، كُلُّ الحَرَكةِ مُتوَجِّهَةٌ إلى الحَياةِ فَقَطْ، ولَكِنّهَا تَنْطَلِقُ أصْلاً منْ مَنْبَعِ المَوْتِ نَفْسِهِ [13] « أيْ أنَّ الحياةَ تَظْهرُ وتَبْرُزُ باعتِبارها أحدَ أقْطابِ الثّنائِيّة وتبْسِطُ سيطرَتها على شُعورِ الإنسانِ، بَيْنَمَا يَبْقَى القُطْبُ الآخَرُ (الموت ) مُسْتَتِرًا، خامِدًا في اللا شُعورِ. أمّا في البِيئةِ الّتي شكلَّتْ مدارَ السّرْدِ في الرّوايتَيْن محلّ الدّراسة ( بيئة حرب أهلِيّة )، فإنّ خطَّ الحياةِ تَوَازَى مع خطِّ الموتِ، على حدِّ تعبيرِ أحدِ الشّخصِيّاتِ : » عِنْدَمَا يَتَوازَى خَطُ الحَياةِ بِخَطِ المَوْتِ، هُناكَ فقَطْ يُمْكِنُنِي أنْ أغْرَقَ فِي غَيْبُوبةٍ أتَمَنَّاهَا طوِيلةً. [14] « وعندمَا يتوازَى خطُّ الحياةِ بخطِّ الموتِ تَزُولُ الحدود الفاصِلةُ بيْنهُما، لأنّهُما صَارَا متساوِيّانِ يمتَلِكانِ نَفْسَ نِسَبِ التّحَقُّقِ والتّجسِيدِ، ولذلك فإنّهُما يتقاسَمانِ نَفْسَ الحِصّةِ من إدراكِ الفرْدِ، بَعْدما قفَزَ إلى الوَعْيِ القُطبُ الّذي كان مُغَيَّبًا في اللاشُعور، وهذا من شأنِهِ أنْ يضطَرَّ الشّخصِيّاتِ إلى إزالةِ الحُدودِ بيْن قُطبَيْ الثّنائِيّة، مثلمَا يظهرُ في وصْفِ السّاردِ لشخصِيّةِ ” النّذِير ” : » كانَ النّذِيرُ مَيِّتًا، هُوَ الّذِي لَمْ يَكُنْ يَضَعُ حُدُودًا بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ، كانتْ الحَياةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خُطْوَةً بِاتِّجاهِ المَوْتِ. [15] « ذلكَ أنّ نمطَ العَيْشِ وظرُوفَهُ غيْرَ الآمِنةِ دفعتْ بالشّخصِيّةِ إلى اِسْتِحضارِ الموتِ فيما تَبَقّى مِنْ لَحَظَاتِ الحياةِ، لِعِلْمِها بأنّها مُهدّدةٌ بالتّصْفِيّةِ الجسَدِيّةِ، في بِيئةٍ لمْ يَعُدْ فِيها أيُّ مكانٍ آمِنًا.

وإذا كُنّا في الأمثلةِ السّالِفةِ قدْ شَهِدْنا نوعًا من التّقارُبِ بيْنَ قُطْبَيْ الثّنائِيّةِ، وامتلاكِهِما نفْسَ الحِصَّةِ من وَعْيِ الشّخصِيّةِ بِسَببِ تواجُدِهما جَنْبًا إلى جَنْبٍ في منطِقة الشّعورِ، مع إمكانِيّةِ تحَقُّقِ أحدِهِما على حسابِ الآخر، كأنْ يُزِيحَ الموتُ الحياةَ مثلاً، وهذا معناهُ بروزَ قُطبٍ من أقطابِ الثّنائٍيّة ( الموت ) في مُقابِلِ اضْمِحْلالِ الآخر ( الحياة ) وكُمُونِهِ في منطقةِ اللاشُعور، فَالإنسانُ إمّا أنْ يكونَ حيًّا أوْ مَيّتًا. إلاّ أنّنا في المثالَيْنِ الّلذينِ سنُورِدُهُما نجِدُ تلاشِي جميع الحدودِ بَعْدَ تحقُّقِ قُطْبَيْ الثّنائِيّة وتَطابُقِهِمَا في ذاتِ الزّمان والمكان، فحِينما يَصِفُ البطلُ في رواية (أرخبيل الذباب) حالةَ صَدِيقٍ لهُ ، فإنّه يقول عنهُ: » إنَّ الصّورَةَ الّتِي قَابَلَنِي بِها هِي لإنْسانٍ حَيٍّ وَمَيِّتٍ.. [16] « وفي موْضِعٍ آخر يُعاتِبُه بقوْلِه: » اللّعْنةُ عَلَيْكَ وَعلى كُلِّ منْ ضَيَّعَ فُرْصَةَ الهرَبِ، وعلى كُلِّ مَنْ بَقِيَ بَقَاءَ الحَيِّ / المَيِّتِ. [17] «

إنّ ما حصلَ في هذيْنِ النّسَقَيْنِ الضِدِّيَيْنِ لَيْسَ مُجرّدَ جَمْعٍ بيْنَ قُطْبَيْ الثّنائِيّةِ في تركيبٍ لُغوِيٍّ واحِدٍ، وإنّما هو جمْعُ ما لا ينْجمِع، وتحقِيقٌ للانْسِجامِ بيْنَ عناصِرَ هي في أصْلِ الوُجودِ غيْرُ منسَجِمةٍ، لأنّ المعْقولَ هُوَ أنْ يكونَ الكائِنُ إمّا حيًّا أوْ مَيّتًا، أوْ حيًّا في زمانٍ ومَيّتًا في آخرَ، لأنّ تحقُّقَ أحدِ أقْطابِ الثّنائِيّةِ يَنْفِي بالضّرُورةِ الآخرَ ويَمْنعُ وُجُودَهُ. إلاّ أنّ الرّوائِيَّ كسَرَ المألوفَ، مُسْتغِلّا إمكاناتِ اللّغةِ في القَفْزِ فوقَ حاجِزِ الواقِعِ، واسْتطاعَ أنْ يُدْمِجَ هَذَيْنِ العُنْصُرَيْنِ دَمْجًا صَيَّرَهُما شَيْئًا واحِدًا مُبْتكَرًا، هو ( إنسان حيٌّ مَيّتٌ )، جاعِلا مِنَ الشّيئَيْنِ شَيْئًا واحِدًا، هذا ما أفْضَى إلى تَشَكُّلِ » فجوةٍ: مسافةِ توتّرٍ حادّة تنبُعُ من التّوحُّدِ بيْنَ طرَفَيْ ثنائِيّة ضِدِّيّة. [18] «

حَيْثُ أنّ هذا الإقْحامَ الحاصِلَ بينَ مُكَوِّنَيْنِ ( الحياة / الموت ) يمتلكانِ في الوجودِ خاصِيّةَ اللا تجانُسِ، ودَمْجِهِما في نسَقٍ لُغوِيِّ مُتجانِسٍ، في مَقْدورِهِ أنْ يُحَقِّقَ الشّعرِيّةَ، بالنّظرِ إلى الفَجوَةِ الحادّةِ النّاجمةِ عنْ اختِيارِ مُكوّناتٍ غيرِ متوقَعَّةٍ من المحورِ المنسِقِيّ، وضَمِّها في سياقٍ مُتَجانِسٍ على المِحورِ التّراصُفِيّ. ذلك أنّ الشّعرِيّةَ – في نظرِ ” أبِي دِيبٍ ” – ليستْ سوى » إحدى وظائِف الفجوة، بلْ الوظِيفة الوحِيدةُ لهَا. [19] « وَتَشَكُّلُ الفجوةِ مَرْهونٌ بِمَقدرةِ الأديبِ على الإقحامِ، أيْ إيْجادُ روابِطَ علائِقِيّةٍ بين مُكَوّناتِ الوُجودِ غيرِ المُنْسَجِمةِ، بِسبَبِ ما بيْنها من تنافُرٍ وتَضادٍّ، فـ » الفجوة: مسافة التّوتّر هي الفَضَاءُ الّذي يَنْشَأ مِنْ إقْحامِ مُكوّناتٍ لِلوُجودِ أوْ لِلّغة، تقومُ بيْنَهَا علاقاتٌ هِيَ تحدِيدًا لا مُتجَانِسَة، لكِنّها في السِّياقِ الّذي تُقدَّمُ فِيهِ، تُطرحُ فِي صِيغةِ المُتجانِسِ. [20] «

وزيادةً على الشّعرِيّةِ الّتي حقّقَها هذا الإقحام، فإنّ الرّوائِيَّ حِينَ وَحَّدَ بيْنَ طرَفَيْ الثّنائِيّةِ، جاعلاً من الشّخصِ حيًّا ميّتًا في الآن نفسِهِ، يكونُ قَدْ اِبْتَدَعَ دَلالةً مُبْتكرةً عكسَتْ بِصِدْقٍ الحَالَةَ النّفْسِيّة للشّخصِيّة الّتِي خَصَّهَا بالوَصْفِ، كما قدّمَ للقارئِ صُورةً واضِحةَ المعالِمِ عن البيئةِ السّلبِيّة الّتي تتخبّطُ فيها الشّخصِيّات، والّتي حتّمتْ عليهِ التواصُلَ مع المتلقي عبرَ الثّنائيّات الضدِّيّة، لأنّه وجدَ فِيها الوَسِيلَةَ الأسلُوبِيّة الأنْجَعَ لتصْوِيرِ واقِعِهِ.

ولا يَقِفُ الرّوائِيُّ عند حُدودِ الجمعِ بيْن طرفَيْ ثُنائِيّة الحياة والموت، وإنّما يسْعى إلى أنْ يُحْدِثَ شَرْخًا بين الدّالِ ومَدْلُولِهِ، غرضُهُ من وراءِ ذلك إثارةُ الجدلِ وحَملِ المُتلقِين على إعادةِ النّظرِ في بعْضِ المُسلّمات، يظهرُ ذلك في قول السّارد في رواية (وطن من زجاج):

» هَلْ كنْتُ حَيًّا؟ كَيْفَ يُمْكِنُ الحُكْمُ على الآخَرِين من نُقْطةٍ بَسِيطةٍ كَهَذِهِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ الجزْمُ أنّ الأحْيَاءَ أحْيَاءٌ بِمُوجبِ أنّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا! كُنْتُ أعِي جَيِّدًا أنِّي لَسْتُ حَيًّا .. وأنّ المَوْتَ طَالَنِي كَثِيرًا .. كُنتُ مَيِّتًا مُتحَرِّكًا أجُوبُ الشّوارِعَ. [21] «

فالشّائِعُ عندَ الخاصِّ والعامِّ أنَّ كُلَّ مَنْ لمْ يَمُتْ بَعْدُ فَهُوَ حيٌّ، أيْ أنّ الدّالَ: ” حيٌّ “، من مدلولاتِهِ قولهُمْ: ” لمْ يَمُتْ “، لأنّ نَفْيَ أحدَ أقطابِ الثنائِيّة الضّدِّيّة يجعلُهُ مرادِفًا للقُطبِ الآخر. إلاّ أنّ الكاتِبَ يرى أنّ هذهِ الدّلالةِ غَيْرُ كافِيّةٍ، لِتَتمَخَّضَ رُؤياهُ عنْ مُحاولةٍ » لِتجاوُزِ الفَجْوَةِ الدّلالِيّةِ والتّصوُّرِيّةِ القائِمةِ بيْنَ الأشْياءِ وبَيْنَ المُكَوّناتِ اللّغوِيّة، أيْ بَيْنَ الدّالاتِ والمَدلولاتِ. [22] «

فَالشَرخُ الّذي أحْدثَتْهُ رُؤيا الكاتِبِ بيْن الدّالِ ومَدلُولِهِ شكّلَ فجوةً عمِيقةً، وهي فجوةٌ مُبتدعةٌ، مُبْتكرةٌ خارِقةٌ لِتوقُّعاتِ القارئ، تفِيضُ شِعرِيّةً لِحدَاثَتِها وجِدَّتِها، ذلك أنّ الرّؤيا تكونُ » شِعْرِيّة بِقَدْرِ ما تَسْمحُ بِخَلْقِ فَجْوةٍ عَمِيقةٍ بَيْنَ الأشْياءِ في وُجودِها الجَدَلِيِّ (..) وكُلَّما اتَّسَعتْ الفَجوةُ المخلُوقةُ أو المُكتشَفةُ، كُلّمَا كانتْ الصّورةُ أعمَقَ فَيْضًا بالشِّعرِيّةِ. [23] «

لقدْ كانتْ رُؤيا الكاتب مُغايِرةً تمامًا لِلرّؤيا الشّائعةِ عند العامّةِ والمُتضمّنةِ في تَعبِيرِهمْ عن الحيّ بأنّهُ لم يَمُتْ، هذا اللا تشابُهُ واللا تَقارُبُ بيْنَ رُؤيا الكاتِبِ ورُؤيا النّاس يُمْكِنُ اعتِبارُهُ – هو الآخر – منبَعًا للشِعرِيّة، لأنّ » الشّعرِيّةَ ليْستْ خِصِيصَةَ تجَانُسٍ واِنْسِجامٍ وتَشَابُهٍ وتَقَارُبٍ، بلْ نَقِيضَ ذلك كُلِّهِ: اللا تَجانُس واللا انْسِجام، اللا تَشَابُهُ واللا تَقارُب، لأنّ الأطرافَ السّابِقةَ تَعْنِي الحركةَ ضِمْنَ العَادِيِّ والمألوف. أمّا الأطرافُ الأخرى فَتَعْنِي نَقِيضَ ذلك أيْ الشِّعرِيّة. [24] « كما أنّ تَشَكُّلَ الفجوةِ على المستوى الرّؤيوِيّ يُعلِي من شأنِها وَيَدْحَضُ الآراءَ الّتي تعتَبِرُها – أيْ الفجوة – مُجرّدَ انْزِياحٍ لُغوِيّ بسِيطٍ، خُصُوصًا بَعْدما تلَمَّسْنا الدّلالاتِ المُسْتحدَثَةِ والرّسائِلَ المُشَفّرةَ الّتي بعثَ بِها الكاتِبُ إلى قُرّائِهِ عبْرَ الشّرْخِ الّذي أحدَثَهَ بيْنَ الدّالِ ومدْلُولِهِ، وتمَكُّنِهِ من تمرِيرِ رُؤياهِ المُغايرةِ لما هو شَائِعٌ مألوفٌ، والمُنتَقِدةِ للأوْضاعِ السّائِدةِ في بيئتِهِ، دافِعًا المتلقِّي إلى إعادةِ النّظرِ فيما كانَ يَعُدُّهُ من البديهيّاتِ المُسَلَّمِ بِها، » وهكَذَا فإنّ الفَجْوةَ: مسَافة التّوتّر لَيْستْ لُعْبةً لُغوِيّةً بسِيطةً، بلْ إنّها تَجْسِيدٌ لِرُؤيَا عمِيقة لِلعالم، مُغايِرة لِلرُؤيا المتضمّنة في التّعبير. [25] «

وفي نفْسِ المثالِ السّالِفِ ذِكرهُ، والّذي اعتبَرَ فيه الكاتِبُ أنّ عدمَ موتِ المرءِ لا يَعْنِي بالضّرورةِ كَوْنَهُ حيًّا، نجدُ أنّ الشّخصِيّةَ تَنْفي أنْ تكونُ حَيَّةً وتَعُدُّ نفسَها في عدادِ الأمواتِ، بالرّغمِ منْ قُدرتِها على الحركَةِ الّتِي تُعدُّ صِفةً جوهرِيّةً من صِفاتِ الكائِنِ الحيِّ، » .. كُنْتُ أعِي جَيِّدًا أنِّي لَسْتُ حَيًّا (..) كُنتُ مَيِّتًا مُتحَرِّكًا أجُوبُ الشّوارِعَ. [26] « وهذا يعنِي أنّ الكاتبَ استطاعَ أنْ يُوجِدَ منطقةً وُسْطى بيْن قُطْبَيْ الثّنائِيّة الضّدِّيّة:

القطب الأوّل المنطقة الوسطى القطب الثاني

الموت ميّت متحرك الحــــــياة

لا حــــــــــــيّ

وهذا يُحِيلُنا إلى رأيٍ أوْردْناهُ سابِقًا لِلباحِثةِ ” غيثاء قادرة “، والّتي تُؤكِّدُ فيهِ حتمِيّةَ » وُجودِ منطِقةٍ وُسْطَى تَرْبِطُ بيْنَ المَعْنى وَضِدِّهِ، وتوَارِي أحدِهِمَا خَلْفَ الآخَرِ باِنْتِظارِ إعْلانِ ذاتِهِ. [27] « وهو ما اِسْتثمَرَ فِيهِ الرّوائِيُّ مُسْتغلّا فاعِلِيّة الإقْحامِ الّتي تتخّطى حدود المنطِقِ وتتجاوزُ أعْرافَ مألوفِ اللّغةِ ومَطْروحِ المعانِي، مانِحةً النّصَ شِعرِيّتهُ المنشودة، لأنّ » الشّعرِيّة تَنْبُعُ من فاعِلِيّةِ الإقحام. [28] «

إضافةً إلى كلِّ ما سَبَقَ، فإنّ هذا التّوظيفَ الجريءَ لِلثُنائِيّة الضدِّيّة الّتي » تَعْتمِرُ نَسِيجًا لُغوِيًّا يُعدُّ ترجمةً لِنَفْسِيّةِ الأدِيبِ ومَكْنونَاتِهِ الدّاخِلِيّة. [29] « عكَسَتْ بْصِدْقٍ مُعَاناةَ الشّخصِيّة واِضْطِرابَها النّفْسِيَّ جرَّاءَ شُعورها بِفُقدانِ كينونَتِها، فهِيَ – أيْ الشّخصِيّة – تُدرِكُ فقدانَها لإنسانِيّتِها في تلك البيئَةِ السّلبِيّةِ، هذا ما أيْقظَ لدَيْها شُعورَيْنِ مختلفَيْنِ هُما: الشّعور بالحياة، والشّعور بالموت في الآنِ نفسِهِ، وكانَ هذا الشّعورُ المتناقِضُ كَفِيلاً بتهيِئةِ مناخٍ مُناسِبٍ تترعْرَعُ فيه الثّنائيّات الضّدِّيّة، والّتي » تنشأُ من شُعورَيْنِ مُختَلِفَيْنِ عَاشَهُمَا الأديب فِي بِيئة فَرَضَتْ مُعطَيَاتِها نَمطًا مَعِيشِيًّا أيْقَظَ عنْدَهُ إحْسَاسَيْنِ مُتضَادَيْنِ هُمَا: الشّعورُ بالذاتِ والشّعورُ باِسْتِلابِهَا.. [30] «

ويستمِرُّ تعبِيرُ الرّوائِيَيْنِ عن مواقِفِهِمَا تُجاهَ طرَفيْ ثُنائِيّةِ ( الحياةِ والموْت )، مُستغِلَيْنِ فاعِلِيّةَ الثّنائيّة الضدّيّة في تولِيدِ دلالاتٍ مُسْتحدَثَةٍ، ومَقدِرتِهَا على خَلْقِ فجواتٍ بينَ مُدْركاتِ الوُجودِ، ما سَهّلَ عليْهِمْ خَرْقَ أفُقِ توقّعاتِ القارئِ كلّ حِين، دافِعِينَ إيّاهُ إلى إعادةِ النّظرِ فيما حولهُ، ولِتَمثِيلِ ذلك نسُوقُ قولاً مُقتطفًا من روايةِ ” أرخبيل الذباب “: » لَمْ يَكُنْ سَمِير يَخْشَى مِنَ المَوْتِ، عادَةً ما ظَلَّ يُرَدِّدُ أنّ الحَياةَ هِيَ الّتِي تُخِيفُهُ، لأنّهَا تَقْدِرُ على فِعْلِ أيِّ شَيءٍ مُدَمِّرٍ دُونَ أنْ تَمْلِكَ القُدْرَةَ على رَدِّهَا، أمّا المَوْتُ فَهُوَ مُباغِتٌ وَجَدِيرٌ بالاحتِرامِ .. [31] «

فالشّائِعُ عند جمهورِ المُتلقِّين أنّ الإنسانَ يخْشَى الموتَ ولا يخْشَى الحياة، إلاّ أنَّ الرّوائِيَّ قلَبَ طرَفَيْ المُعادلة حِينما وَصَفَ الشّخصِيّةَ بأنّها تَحْترِمُ الموْتَ وتخافُ من الحياةِ، داعِمًا رأيَهُ ببعْضِ المُبرّراتِ الواقِعِيّةِ بُغْيةَ حمْلِ القارئِ على مُشاركتِهِ موقِفَهُ، ولُجوءُ الرّوائِيّ إلى قَلْبِ الدّلالاتِ بَعْدَ أنْ أسْندَ صِفاتِ الحياةِ للموتِ، وصِفاتِ الموتِ للحياةِ من شأنِهِ أنْ يُسْهِمَ في تشكِيلِ فجوةٍ موقِفِيّةٍ / دلالِيّةٍ تترُكُ صَدَاهَا على مستوى شِعرِيّةِ النّص، وتمنحُ القارئَ مزِيدًا من التّلذِذِ الأدبيِّ النّاجِمِ عن مفاجأتِهِ بما لا يتوقّع من معانٍ ولِيدةِ مَوَاقِفِ الرّوائيّ وتَصَوُّراتِهِ المُغايرةِ لِمَا هُوَ شائِعٌ ومَألوفٌ. وهذا ينطبِقُ أيضًا على ما أوْرَدَتْهُ صاحبةُ رواية ” وطن من زجاج ” على لسانِ بطلِها، تقول: » وَجَدْتُنِي أكْتَشِفُ فَجْأةً أنّ المَوْتَ هو البِدايَةُ الحَقِيقِيّةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، بَعْدَ أنْ اِقْتَنَعْتُ أنّ الحيَاةَ نِهايَةٌ لِكُلِّ شَيءٍ. [32] «

فالرّوائِيّة – كعادَتِها – ترْفُضُ الحركةَ ضِمْنَ العادِيّ والمألوف، لأنّها تَنْشُدَ التّفرُّدَ والتّميّزَ، لذلك جاءَتْ رُؤياهَا مُغايِرةً تمامًا لِتصَوّراتِ القارئِ، الّذي – كغَيْرِهِ من النّاس – يُوقِنُ أنّ الحياةَ تُمثّلُ البدايةَ، بيْنما يُمَثّلُ الموتُ النّهايةَ. فإذا بالرّوائِيّةِ تُفاجِئُهُ باكتِشافِها الجديدِ، المُتمَثّلِ في أنّ الحياةَ نهايةٌ والموتَ بدايةٌ، ما خَلّفَ فجوةً سحِيقةً بيْن طرَفَيْ الثّنائِيّة الضدِّيّة ( الحياة / الموت )، نتجتْ عنها دلالاتٌ جديدةٌ منها لا جدْوى الحياةِ في البِيئةِ السّلبِيّةِ الّتي تَسْلُبُ المرْءَ كيْنونَتَهُ، لذا يُنْظَرُ إلى الموتِ على أنّهُ مُحرِّرٌ للإنسانِ ومُخَلِّصٌ لهُ مِنَ أغْلالِ واقِعٍ مُزْرٍ يَسْتحِيلُ فِيهِ أنْ يُحقِّقَ ذاتَهُ.

ولَمْ يَمُرَّ ذلك الحُضُورُ الكثِيفُ لِلْمَوِتِ في حياةِ الجزائِرِيّين خلالِ فترةِ التّسعينِيّاتِ الدّمَوِيّةِ، منْ دونِ أنْ يتْرُكَ آثارَهُ على المُنجزِ الرّوائِيِّ الّذي أرَّخَ لِتِلك الفترة، إذْ تكادُ لا تَخْلُو روايةٌ مِنْ توظِيفِ ثنائِيّةِ الموتِ والحياة، وجاءَ توظِيفُها عندَ أغلَبِ الرّوائِيّين توظِيفًا عمِيقًا عكَسَ درامِيَّةَ المشْهدِ الّذي لمْ تختَلِفْ فِيهِ طُقوسُ الحياةِ عنْ مراسِيمِ الموتِ، فكِلاهُما كانَا أشَدَّ فتكًا بالعِبادِ.

وقدْ أحْسَنَ روائِيُو التّسعِيناتِ استغلالَ طاقاتِ الثّنائِيّات الضدِّيّة وفاعِلِيّتِها في إثارة الجدلِ وتَقوِيضِ المُسلَّمَاتِ، عبرَ خلخلَةِ يَقِينِ القارئِ وحثِّهِ على مُعاودةِ النّظرِ فيما حولهُ، هذا ما يَمْنحُهُ فُرْصةً لِمُعايَنةِ الوجهِ الآخرِ الخفِيِّ لِلحَياةِ، وإدراكِ حقِيقةِ الموجوداتِ، فالرّوائِيّ » لا يَكْتَفِي بِنَقْلِ المستوى المُعجمِيِّ فِي المُتضادّاتِ فِي النّصِ، وإلاّ أصْبَحَ نَصُّهُ نَصَّ زِينَةٍ، فَهُوَ يَنْتَقِلُ من التّنَاقُضِ إلى التّآلُفِ عَبْرَ منظُومةٍ تتكَاملُ فِيهَا الأبْعادُ النّفْسِيّةُ والفنِّيّة، فَمِنْ خلالِ أحاسِيسِهِ ومُعايَشَتِهِ لِهذهِ المُتنَاقِضاتِ داخِلَ النّصِ وخَارِجَهُ، وعَبْرَ تَوَلُّدِ الدّلالاتِ النّاتِجةِ عن ذلك، تَكُونُ الحركةُ بيْنَ حَدَيْ الصّورة. [33] «

وعليهِ فقدْ عاشَتْ الشّخصِيّاتُ وَتحرّكتْ في منطقةٍ وُسْطى بين الحياة والموتِ، فهيَ تشْعُرُ بالذاتِ وتَشْعُرُ باِسْتلابِها في الآنِ نفْسِه، وهذا يُحِيلُنا إلى ثُنائِيّةٍ ضِدِّيّةٍ أخرى، ألاَ وهيَ: ( الوجود / العدم )

ب) – ثنائِيّةُ الوجودِ والعَدَم :

أشَارَ رِوائِيُو التّسعِينِيّات إلى الآثار النّفسِيّةِ الّتي خلَّفَتْها الحربُ الأهلِيّة في نُفوسِ النّاس، وبَيّنُوا المُخلّفاتِ النّفسِيّةِ لِلعُنفِ الّذي سَادَ إبّانَ تلك الفترةِ على طبائِعِ الأهالِي، وقدْ اتّفقَتْ آراؤُهُمْ على طُغيانِ حالاتِ الشّعورِ بِعَدمِ الانتِماءِ واللا جدوى عند العامّةِ، مثلما يظهرُ في هذا القولِ المقتطفِ من روايةِ ” أرخبيل الذّباب “: » آهٍ منَ الحَرْبِ. إنّ النّاسَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُفَكِّرُوا الآنَ فِيما سَتُخَلِّفُهُ هذهِ الحالةُ مِنْ دمارٍ لا يُمكِنُ أنْ يتوقّفَ، ومنْ أحاسِيسَ غامِضَةٍ بِعدمِ الانْتِماءِ واللا جدْوَى. [34] «

وقدْ عَبَّرَتْ الشّخصِيّاتُ الرّوائِيّةُ عَنْ شُعورِها بالخَوَاءِ نتيجَةَ التأثِيرِ السّلبِيِّ لِلبيئةِ، فأكْثرَتْ من استخدامِ النّعوتِ والأوْصافِ الّتي تَشِي بحالاتِ العدمِ والتّشيُؤ والعبَثِ واللا انتِماء … وغيْرِ ذلك من حالاتِ الانكسار النّفْسِيّ، وانْتَقَلَتْ ألْفاظُ العدمِ إلى لُغةِ الجزائرِيّينِ المُستخدمةِ في تَعابِيرِهم اليّومِيّة، وشَاعَ على ألْسِنتِهِمْ لفْظُ ( وَالُو ) المُرادِفِ لـ ( اللا شَيء )، وصَارُوا يقولُونَهُ بِعفْوِيّةٍ تَعْكِسُ بِصِدْقٍ تَجَذُّرَ العَدَمِيّةِ في تركِيبتِهِم النّفْسِيّة، فـ » عادَةً حِينَ يُسْألُ جزائِرِيٌّ مَنْ أنْتَ؟ يُجِيبُ بِعَفْوِيّةٍ: ” وَالُو RIEN ” لِيَعْنِيَ أنّهُ لا شَيْءَ تَمامًا، بِكُلِّ ما تَعْنِيهِ اللا شَيءُ مِنْ مَعْنًى !! [35] «

وعلَيْهِ فقدْ تحوّلَتْ حياةُ الشّخصِيّاتِ إلى مُجرّدِ تفاهةٍ: » من العَبَثِ (..) أنْ أكْتَشِفَ تَفَاهةَ أنْ أحْيَا. [36] « في واقِعٍ أصْبَحَ فِيهِ منَ الصّعْبِ إقْناعُ الفردِ بِأنّ لِلحياةِ مَعْنًى: » ظَهَرَ لِي من العَبَثِ أنْ أُقْنِعَهُ بِجَمالِ الحياةِ، وقِيمةِ التّوَاجُدِ على الأرْض. [37] « وصَارَ فيهِ المَرْءُ يتسَاءَلُ عن حقِيقةِ ماهِيّتِهِ بعدَ أنْ جاوزَ الأرْبَعِين: » مَنْ أنا حَقًّا؟ يَا إلَهِي .. كَمْ يَبْدُو لِي العُمرُ خَالِيًا مِنَ الجَدْوى.[38] « لأنّ وُجودَهُ لمْ يَكُنْ لهُ أيُّ مَعْنًى: » ألِهذَا الحَدِّ كُنتُ لا شَيءَ؟ ألِهذَا الحَدِّ كَانَ حُضُورِي عادِيًّا وَتَافِهًا وَغَائِبًا.[39] « فالبِيئةُ لَمْ تَسْمَحْ لهُ بِصُنْعِ أيِّ إنْجازٍ يُحَقِّقُ بِهِ ذاتهُ: » وَجَدْتُنِي لأوّلِ مَرّةٍ أنْظُرُ إلى يَدِي وأتَسَاءَلُ: كَيْفَ رَضِيتُ بِفراغِهَا إلى هذا العُمر! [40] « لِذلكَ فَضّلَ البَعْضُ الانْكِفاءَ والانطِواءَ عَلَّهُ يَجِدُ مخْرَجًا لِحالَتِهِ، مثلَ » مُصْطَفى (..) الّذي وَجَد ضَالَتَهُ فِي الصّمْتِ، حاوَلَ أنْ يَخْتَفِيَ عنِ الأنْظارِ، وأنْ يُنْصِتَ لِكَيْنُونَتِهِ المُمَزّقَةِ. [41] « أمّا مُحاولةُ التّمرُّدِ أوِ الجَهْرِ بِرَفْضِ الأوْضاعِ، فإنّ عواقِبَهُ وَخِيمةٌ تَصِلُ حدَّ الاعتِداء، لِذلك نَجِدُ شَخْصِيّةً تُوصِي صَدِيقًا لها، وَتُحَذِّرُهُ مِنْ مَغَبّةِ المُقاومةِ بِقَوْلِها: » ثُمّ قُلْ من جدِيدٍ إنْ هُمْ اِعْتدَوْا علَيْك .. أنَا لا شَيْءَ، أنا لا شَيْء. [42] «

إنّ تخَبُّطَ الشّخصِيّاتِ في بِيئةٍ سلبِيّةٍ ووَاقِعٍ مرِيرٍ أفْرزَتْهُما خياراتُ النّظامِ الخاطِئةِ، لمْ يمنَعْ السّلطةِ مِنْ مُطالَبةِ الأفرادِ بالحِرْصِ على تحْقِيقِ ذَوَاتِهِمْ والقِيامِ باِلْتِزامَاتِهِمْ تُجاهَ الوطنِ، هذا ما عَزّزَ القَناعةَ لَدى الشّخصِيّات بلا جَدْوى الحياةِ في مثل ذلك الواقِعِ السّلبِيّ، الّذي يُفْضِي بالمَرْءِ إلى العَدَمِيّة، يُعَبّرُ بطلُ روايةِ ” وطن من زجاج ” عن هذا المَوْقِفِ بِقولِه: » كَانتْ قُبَالَتِي على جِدارِ المَقْهى صُورةٌ كَبِيرةٌ لِرئِيسِ الجمهورِيّةِ، وقدْ كُتِبَ أسْفَلَها: ” يَجِبُ أنْ تَكونَ شَيئًا لِتَبْنِيَ قنَاعَتكَ لِأجْلِ ذاتِكَ والوطنِ! وإنْ صَدَمَتْنِي الجملةُ (..) إلاّ أنّها أقْنَعَتْنِي أنّنِي لا شَيء. [43] «

يَحْمِلُ هذا النّسَقُ اللّغوِيُّ بيْنَ ثَناياهُ ثُنائِيّةً ضِدِّيّةً قُطبَاها الوُجودُ والعدمُ، نَشَأتْ فِيهِ فجوةٌ: مسافةُ توتّر بيْنَ حتمِيّةِ الواجِبِ الّذي يَقْتَضِي أنْ يُحقِّقَ الفَردُ ذاتَهُ وَيكونَ شَيْئًا، فِي مُقابِلِ اقتِناع الشّخصِيّةِ بِكَوْنِها لا شيءَ، وهذا الشُّعورُ بِالعدمِيّةِ مَرَدُّهُ التّأثِيرُ السِّلْبِيُّ لِلبِيئةِ الّذي أخْمدَ شُعلةَ الإرادةِ لدى الشّخْصِيّة، وأثبَطَ عزِيمتَها.

لَقَدْ حاولَتْ جُلُّ الشّخصِيّاتِ الرّوائيّةِ إثباتَ الذّاتِ، كُلٌّ بِالطّرِيقةِ الّتي رآها كَفِيلةً لتحقِيقِ المُبتغى، فمِنْهُمْ من رأى في الحُبِّ والارتِباطِ وسيلةً لِبُلوغِ الكمالِ، كما نجدُهُ عند بَطلِ روايةِ ( أرخبِيل الذّباب )، الّذي يُخاطِبُ حَبِيبَتهُ ” ناديا ” قائِلاً: » أنَا لا شَيْء، وبِكِ سَأُصْبِحُ كائِنًا حَقِيقِيًّا. [44] « بيْنَما رأى البَعْضُ الآخرَ في المواجَهَةِ خَيارًا أمْثَلَ لِتحقِيقِ الذاتِ، ومنْ أمثِلةِ ذلك قولُ ” نادِيا ” : » لَقَدْ وَضَعَتْنِي الظُروفُ والأقدارُ فِي مُواجهةٍ مُستمِرّةٍ معَ العَالَمِ، إمّا أنْ أكُونَ أوْ لا أكُون، لا يُوجدُ وَسَطٌ يُمكِنُنِي أنْ أبْقى فِيهِ مُطمَئِنةً هانِئَةً. [45] « إلاّ أنّ جُلَّ الشّخصِيّاتِ باءَتْ مُحاوَلاتُها بالفَشَلِ نتيجةَ سِلْبِيّةِ البِيئة، فـ » كَيْفَ يُمْكِنُ الاعتِمادُ على النّفْسِ وَسَطَ هذهِ الفَوْضَى واللا جَدْوَى. [46] « ولعلَّنا نجِدُ في وَصْفِ بَطلِ روايةِ ( أرخبِيل الذّباب ) حالَتَهُ، ما يُلَخِّصُ أوْضاعَ الشّخصِيّاتِ التّائِهةِ بيْن الرّغبةِ في الوُجودِ، والشّعُورِ بالعدمِ. يقول: » آهٍ مِنْ هذهِ ” الأنا ” المِسْكِينة التّعِيسَة، الّتِي تُرِيدُ أنْ تُؤَكِّدَ شَيْئًا وتُثْبِتَ مَوْقِفًا فِي وَضْعٍ كابُوسِيٍّ لا يَقْبَلُ لا هذا ولا ذَاكَ. [47] «

لقدْ وقفَتْ البِيئةُ بأوْضاعِها الكابُوسِيّة حائِلاً بين الشّخصِيّة وتحقِيقِ ذاتِها، لِتَتَشَكّلَ فجوةٌ سحِيقةٌ بيْن الرّغبةِ والواقع، مُزِيحةً الوجودَ من شُعورِ الشّخصِيّةِ، فاسِحةً المجالِ للعَدَمِ الّذي بَسَطَ سيطرَتَهُ على الوَعْيِ، وبالرّغمِ من مُحاوَلاتِ الشّخصِيّةِ وجهودِها الرّامِيّةِ إلى تحقِيقِ الوجودِ، باعتِبارِهِ الطرفَ الأوّلَ من ثنائِيّةِ ( الوجودِ / العدم )، إلاّ أنّ سِلْبِيّةَ الواقعِ رجّحَتْ كفَّةَ العدمِ، وهذا ما كانَ مَدْعاةً لِلْبَحْثِ عنْ سُبُلٍ أخْرى تُخوِّلُ الشّخصِيّاتِ اسْتِعادةَ الذَوَاتِ المُسْتلَبَةِ، وقد وجدَ البَعْضُ في الهِجرةِ الحلَّ الأمْثَلَ، فهذا ” محمود البرّانِي ” في روايةِ ( أرخَبِيل الذباب ) يطلُبُ من ابْنتِهِ ” نادِيا ” الفِرارَ إلى الخارِجِ، هناكَ فقط حَيْثُ يُمْكِنُ اِسْتِعادةُ الذاتِ والانتِصَارُ على العدَمِيّةِ الّتي عَشَّشَتْ في نُفوسِ شَبابِ جيلِ المأساةِ. يقول: » يَجِبُ أنْ تَهْرَبَ معَ (س) إلى الخَارجِ .. لِكَيْ لا تتكَرَّرَ التّجرِبةُ المَأساوِيّةُ الّتِي حدَثَتْ معَ وَالِدَتِهَا .. وَلِكَيْ يَنْتَصِرَ الحُبُّ على القَتْلِ والمَوْتِ والعَدَمِيّةِ. [48] «

وخلاصةُ القولِ:

أنّ الشّخصِيّاتِ – في الرّوايَتَيْنِ اللّتَيْنِ اتّخذْناهُما نَمُوذَجَيْنِ من الرّواية الجزائريّة التّسعينيّة – عاشَتْ وَتحرّكتْ في منطقةٍ وُسْطى بين الحياة والموتِ، اصطلحَ عليْها بعضُ الرّوائِيّن بـ ( الحيّ الميّتِ )، وهذا نتيجةَ شُعورها بِفُقدانِ كينونَتِها في بيئةٍ سِلْبِيّةٍ، رَجّحَتْ كفَّةَ العَدَمِ وغَيَّبَتْ الشّعورَ بالوجودِ في ظلِّ اِسْتِفْحالِ الإحساسِ بِاسْتِلابِ الذاتِ.

وهذا الحضُورُ المتمَيِّزِ لثًنائِيَتَيْ: (الحياة / الموت) و (الوجود / العدم) أفْرَزَ فجواتٍ: مسافاتِ توتُّرٍ تشَكّلَتْ نتيجةَ التّعارُضِ الحاصِلِ بيْنَ رَغْبةِ وطُموحِ الشّخصِيّاتِ في إثباتِ وُجودِها من جِهةٍ، وَالعَجْزِ عنْ تحقِيقِ الذاتِ بِسبَبِ مأساوِيّةِ الأوْضاع.

وهذهِ الفجواتُ: مسافاتُ التّوتّر أسْهمَتْ فِي إضْفاءِ جوِّ الجَدَلِ على النّصوص الرّوائِيّة، وأكْسَبَتْهَا شِعرِيّةً عَبْرَ كَسْرِ النّسَقِ ومُفاجأةِ القارئِ الّذي أخذَ صُورةً واضِحةً عنْ حالاتِ الانكِسارِ والإحْباطِ الّتي سَادتْ النّفوسَ خِلالَ المأساةِ الوطَنِيّة، وتَفَشِي مظاهِرِ العبثِ ومشَاعِرِ العدمِيّة.

– قائمة المصادر والمراجع :

أبو ديب كمال ، جدليّة الخفاء والتّجليّ، دراسات بِنيويّة في الشّعر، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط3، 1984م.
أبو ديب كمال، في الشّعريّة مؤسسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ط1، 1987م.
أسامة عزت شحادة أبو سلطان، ثنائيّات التّضادّ الدّلاليّ ودورها في تشكيل صورة الدّم في الشّعر الفلسطينِيّ المُعاصر، (مقال) مجلة أبحاث، مجلة علميّة مُحكَمة تُعْنَى بِالعلوم الإنسانِيّة، تُصدِرُها كليّة الآداب –جامعة سرت، العدد السّادس، 2014م.
جان كوهن، اللّغة العليا، النّظريّة الشّعريّة، تر: أحمد درويش، المركز المجلس الأعلى للثقافة، ط2، 2000م. 5- جميل صليبا، المعجم الفلسفيّ، دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان، 1972.
سمر الديوب، الثنائيّات الضديّة، دراسات في الشّعر العربيّ القديم، منشورات الهيئة العامة السّوريّة للكتاب، وزارة الثّقافة، دمشق، 2009م
سمر الديوب، مصطلح الثنائيّات الضِدّيّة، مجلة عالم الفكر، المجلد 41، العدد 1 يوليو / سبتمبر، 2012، الكويت.
عبد الرحمن أحمد اسماعيل كرم الدّين، الثنائيّات الضّدّيّة في نقائض جرير، الفرزدق والأخطل، (مقال) مجلة العلوم العربيّة والإنسانيّة، جامعة القصيم، مجلد 5، العدد1، نوفمبر 2011م.
غيثاء قادرة، الثنائيّات الضِدّيّة وأبعادُها في نصوصِ المعلّقات، (مقال) مجلة دراسات في اللغة العربيّة وآدابِها، فصليّة محكمة، العدد العاشر، صيف 1391هـ، 2012م.
مفتي بشير، أرخبيل الذباب (رواية)، منشورات الاختلاف، ط2، 2010م.
ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2006.

[1]- جميل صليبا، المعجم الفلسفيّ، دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان، 1972، ص 258

[2]- سمر الديوب، مصطلح الثنائيّات الضِدّيّة ، مجلة عالم الفكر، المجلد 41، العدد 1 يوليو / سبتمبر، الكويت 2012، ص 116

[3]- سمر الديوب، الثنائيّات الضديّة، دراسات في الشّعر العربيّ القديم، منشورات الهيئة العامة السّوريّة للكتاب، وزارة الثّقافة، دمشق، 2009م، ص 7.

[4]- جان كوهن، اللّغة العليا، النّظريّة الشّعريّة، تر: أحمد درويش، المركز المجلس الأعلى للثقافة، ط2، 2000م، ص 187

[5]- غيثاء قادرة،، الثنائيّات الضِدّيّة وأبعادُها في نصوصِ المعلّقات، (مقال) مجلة دراسات في اللغة العربيّة وآدابِها، فصليّة محكمة، العدد العاشر، صيف 1391هـ، 2012م، ص 25

[6]- المرجع نفسه، ص 28

[7]- المرجع السّابق، ص 28

[8]- كمال أبو ديب، جدليّة الخفاء والتّجليّ، دراسات بِنيويّة في الشّعر، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط3، 1984م ، ص 109

[9]- عبد الرحمن أحمد اسماعيل كرم الدّين، الثنائيّات الضّدّيّة في نقائض جرير، الفرزدق والأخطل، (مقال) مجلة العلوم العربيّة والإنسانيّة، جامعة القصيم، مجلد 5، العدد1، نوفمبر 2011م، ص 15 – 16.

[10] – مفتي بشير، أرخبيل الذباب (رواية)، منشورات الاختلاف، ط2، 2010م. ص 8

[11] – ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2006م، ص 163

[12] – ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 87

[13] – مفتي بشير، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 129

[14] – المرجع نفسه ، ص 81

[15] – ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 143

[16] – مفتي بشير، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 96

[17] – المرجع نفسه، ص 24

[18] – كمال أبو ديب، في الشّعريّة، مؤسسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ط1، 1987م، ص 25

[19] – المرجع نفسه ، ص 25

[20] – المرجع نفسه ، ص 16

[21] – ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 162

[22] – كمال أبو ديب، في الشّعريّة، مرجع سابق، ص 26

[23] – م . ن ، ص 34

[24] – م. ن ، ص 21

[25] – م . ن ، ص 23

[26] – ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 162

[27] – غيثاء قادرة،، الثنائيّات الضِدّيّة وأبعادُها في نصوصِ المعلّقات، مرجع سابق، ص 28

[28] – كمال أبو ديب، في الشّعريّة، مرجع سابق، ص 27

[29] – غيثاء قادرة،، الثنائيّات الضِدّيّة وأبعادُها في نصوصِ المعلّقات، مرجع سابق، ص 25

[30] – المرجع نفسه ، الصّفحة نفسُها.

[31] – مفتي بشير، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 39

[32]- ياسمينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مصدر سابق، ص 148

[33]- أسامة عزت شحادة أبو سلطان، ثنائيّات التّضادّ الدّلاليّ ودورها في تشكيل صورة الدّم في الشّعر الفلسطينِيّ المُعاصر، (مقال) مجلة أبحاث، مجلة علميّة مُحكَمة تُعْنَى بِالعلوم الإنسانِيّة، تُصدِرُها كليّة الآداب – جامعة سرت، العدد السّادس، 2014م ، ص 49

[34] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 8

[35] – ياسمِينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع ، ص 146

[36] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 106

[37] – المرجع نفسه ، ص 130

[38] – ياسمِينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 27

[39] – المرجع نفسه ، ص 124

[40] – المرجع نفسه ، ص 121

[41] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 36

[42] – المرجع نفسه ، ص 21

[43] – ياسمِينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 27

[44] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 138

[45] – المرجع نفسه ، ص 94

[46] – ياسمِينة صالح، وطن من زجاج (رواية)، مرجع سابق، ص 46

[47] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مرجع سابق، ص 70

[48] – بشير مفتي، أرخبيل الذباب (رواية)، مصدر سابق، ، ص 143

*جامعة علي لونيسي – البليدة2. الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق