قراءات ودراسات

الذات والماهية في الفلسفة الوجودية

علي محمد اليوسف

تقديم: يبني المفكر عبد الرحمن بدوي مفهوم تحقق الذات ماهويا في الفلسفة الوجودية من منطلق تصوفي فلسفي يرتكز على افكار سورين كيركارد الوجودية الدينية, بمعنى هويعالج التحقق الماهوي للذات في الفلسفة الوجودية غير الالحادية المؤمنة دينيا بمعزل عن ادراك العالم الخارجي جدليا. فتكون العلاقة الحقيقية بين الذات الانسانية ونفسها هو غاية كل مطلوب.الذات في الوجودية عند سورين كيركارد هي نوع من التطهير الارسطي القائم على الروحانية الدينية..
في الفلسفة الوجودية نجد بدوي يعتبير أن الماهية والذات والانا هي تعبيرات فلسفية ثلاثة عن معنى واحد ولا تفريق بينهما, ويؤكد هذا الفهم بالاستناد الى عبارة كيركارد (الانا هي صلة تتصل بنفسها, او بعبارة اخرى , فان الانا ليست صلة بين معنيين وانما هي عودة الصلة لنفسها) 1. حيث تفهم الوجودية أن الصلة التي تربط الانا بذاتها الماهوية هو عودة الصلة لنفسها…بمعنى وعي الذات لنفسها لا يخرج عن وعيها لذاتها انغلاقيا منكفئا على ذاتها وليس بالمقارنة الجدلية بين الانا والموضوع عندما يكون الادراك متبادلا بين الاثنين في وعي الذات للشيء الذي تدركه بنفس جدل ان الشيء يكسب الذات حضورها الحي الفاعل بنفس آنية اكتسابه هو الادراك الأنوي لهذا الحضور. الذات قاصرة دوما أن تكتسب وعيها بذاتها بالارتداد المنكفيء في معرفة نفسها بنفسها دونما تدخل طرف ثان هو موضوع ادراك وعي الذات له. الذات بلا موضوع تدركه حتى خياليا تصبح ذاتا غير متحققة الوجود السوي عند الانسان.
ماهية الذات وتحققها الوجودي هنا لدى كيركارد الذي اقام بدوي عليه تاكيده له هو الانكفاء الذاتي الذي يدور حول مركزية اغتراب الأنا عن نفسها ومحيطها, وليس كما يذهب له هوسرل, هيدجر, وسارتر أن تحقق الذات تكون ضمن عالم. وعي الذات لا يكون حقيقيا ما لم يكن وعيا قصديا تسعى الذات تحققه ادراكيا كما دعى له برينتانو لاول مرة. بمعنى الذات في حقيقتها موضوعا لغيرها بنفس أن يكون ذلك الغير موضوعا لها. وهو ما لا يقبل به بدوي معتبرا تحقق الذات هو في علاقتها بنفسها وليس علاقتها بموضوع خارجي يدنسها ويخرجها عن طهارتها وبكارتها في نص عبارته.
ماهية الذات في الصوفية
يمضي بدوي في تفسيره معنى الذات بالوجودية عند كيركارد المؤمن لا غيره من فلاسفة الوجودية الملاحدة أنه المرادف لما تفهمه الصوفية الدينية في المسيحية تحديدا. ويستعير عن القديسة تيريزا قولها( انا وحدي مع الله وحده) 2, التي يفسرها بدوي فلسفيا انا وحدي مع ذاتي وحدها. بمعنى هذه الازدواجية الذاتية المنكفئة على نفسها في تعبير القديسة تيريزا لا تمثل أي نوع من تجربة صوفية حينما تعتمد الذات وحدانية منفصلة عن موضوعها الذي هو الله الذي تعبّر عنه مجازيا بذات تشاركها وحدتها المنعزلة. بمعنى تعبيرها انا وحدي مع الله وحده, ليست تعبيرا بما يكفي الافصاح عن تجربة صوفية حتى تلميحا, كون الذات الالهية اذا تتساوى في الوجود حتى الافتراضي بمعنى الماهية الواحدة غير المنفصلة عن الذات الانسانية عند ذاك تفقد خاصية التصوف الاتحادي الحلولي ادراكها الذات الالهية لنفسها هي, وليس ادراكها المخلوق انسانا يحاول مساواة ذاته ماهويا مع الخالق الله في بعض صفاته. في اعتبار الصوفية وجود الانا ذاتا مكافئا الوجود الالهي ببعض الصفات ولا يبقى هناك تجربة صوفية. بانتفاء التعالي الذاتي الالهي عن دونية الموجود الارضي. كذاتين مختلفتين بالماهية والصفات.
من المهم التذكير أن الصوفية الدينية في المسيحية كتجربة ما فوق لاهوتية(حلول ذاتي في ذاتية الله) تناقض اللاهوت المسيحي غير الصوفي من حيث أن المسيح هو ابن الله الذي ولد من صلبه, أي هنا لاهوت المسيحية يقر باندغام وتلاحم ماهية اللاهوت الالهي مع ماهية ناسوت المسيح الارضي رغم اختلاف الماهيتين الالهية والذاتية الانسانية التي لا يمكن تصورها الادراكي بين الاثنين في معايير العقل النقدي بل في معايير الاعجاز الديني القائم على نوع من التلفيق الميتافيزيقي. من حيث ان الماهية الالهية في مقاييس العقل لا يمكن ان تلتقي مع ماهية انسانية لا تجانسها الصفات ولا الجوهر في كل شيء.
ولو لاحظنا جيدا عبارة تيريزا قولها انا وحدي مع الله وحده, فهي تقر بخلاف اللاهوت المسيحي أن الله اله ماهوي قائم بذاته له كينونة وماهية لا يمكن تصورها او الاحاطة بها كما لا يمكن لماهية الانسان الاتحاد او الحلول بها صوفيا اكثر من التماهي الروحاني الطقسي التعبدي الذي يجعل من الانسان مغيبا عن وعيه الادراكي الحسي لما حوله وليس اقترابه من الذات الالهية اتحادا صوفيا.. بمعنى الذي يدرك ذاته الناسوتية وحده لا يدرك الله وحده يلازمه الحضور معه الارضي في صومعته.
ومن الخطأ تمرير أن تيريزا القديسة في قولها هي مع الله وحده, انما هي تقول اني اصبحت جزءا او ذاتا حلولية بالله. وانما ارادت التعبير عن صوفيتها المتجردة عن كل ما يحيط بها من عالم واشياء وموجودات مادية ماخلا التضرع لله فقط. وهي مختلية في نشوة تعبدها الصوفي الذي لا يرى في الوجود غير عظمة الله ترافقها وتأنس لها وهي في كامل وعيها الانفصالي عن ماهية الله وحتى عن صفاته اللاهوتية التي تكون مدركة بما تعنيه كصفة يدركها المخلوق وليس ما تعنية كجوهر وماهية لا يعيها ولا يدركها المخلوق..صفات الخالق التي يحاول الصوفي ادراكها هي نفس الصفات الخيّرة التي يحملها المتصوف عن الله,. ولا يمكنه ادراك غيرها في تجربته الصوفية الانجذابية.
هذا الفهم الصوفي المسيحي لا يلتقي مع صوفية الاسلام, من حيث أن هذه الاخيرة لا تفهم الحلول الصوفي ولا الاتحاد غير الماهوي الذي يفرق بين ماهوية نورانية الهية لا تدرك مع ماهية انسانية معينة كموجود وذات لا تدرك شيئا يقع خارج مدركات الطبيعة العقلية ضمن تداخل مكاني زماني, فالتفسير الذي يذهب الى أن تيريزا قصدت انها وحدها مع الله الذي هو ذاتها غير صحيح. كونها وحدّت بين ذاتها وذات الله من حيث الماهية وهو مرفوض تماما في صوفية الاسلام.
فالله ماهية لا تدرك وصفاته الكينونية لا تدرك ايضا الا في تجلياتها المعجزة بمخلوقاته والانسان والطبيعة. الذي عمد الانسان الى جعل كل ما هو مدرك صفاتيا ارضيا من خير لا ينتهي هو من الله وحده. وما على الانسان سوى الاقتداء بتلك الصفات لأن في ذلك مرضاة الله وكسب ثواب آخرته.
الذات الصوفية تكون في كل الاحوال الدينية تجربة اغترابية نفسية متعالية عن فهم وتجربة البشر العاديين في ممارستها الطقوس العبادية الصوفية بما لا يمكن التعبير عنه بلغة الناس العاديين, كما أن كل تعبير لغوي في وصف التجربة والحالة الصوفية يفقدها قيمتها الحقيقية المتعالية. التجربة الصوفية هي أغتراب ذاتي يتمحور حول نفسه ويفتقد صفة التعبير اللغوي عنه. بمعنى هي تجربة انفرادية لا يمكن ادراكها ولا التعبير عنها تعميما حتى من لدن الصوفي صاحبها الذي يعمد عدم الافصاح عن تجربته لغويا الا بما لا يفهمه سوى القلة القليلة من الناس في لغة ملغزة ومشفرّة.
صحيح أن اولى درجات عبور الوجود المادي صوفيا انما تكون بدايتها هو في عبور الصوفي درجة متقدمة عن غير المتصوف الديني نحو مراتب من الذاتوية الماهوية المنفصلة اغترابيا تماما عن ادراك المحيط الواقعي وعالم الاشياء. لتكون ذاتا فاقدة لجوهرها الانساني الماهوي في جموحها الوصول الاتحاد بذات الهية متعالية الادراك ولا تمتلك كل ما هو مدرك انساني من صفات وماهية. بل تصبح ذاتية المتصوف هي تعالي صفاتي ماهوي لا يمكن ادراكه بوسائل العقل المحكومة بقوانين تحكم الانسان في الطبيعة منها الادراك الزماني المكاني المتداخل للعالم الخارجي وما يحويه من تكوينات. صفات الذات الالهية المتعالية هي صفات اللاهوت المكتوب من قبل رجال الدين بما يستوعبه الوعي الانساني العقلي ضمن محدوديته. وما لا يدركه العقل من صفات لاهوتية ارضية لا وجود لها في صفات الهية لا يعرفها ولا يستطيع ادراكها..الصفات التي يدركها عقل الانسان المحدود هي الصفات التي يراها العابد في معبوده.
لا يتطرق عبد الرحمن بدوي الى أن التجربة الصوفية لا تقترب ولا تلتقي المفهوم الفلسفي لها على انها اغتراب ذاتي, وليس تحقق ماهوي في الاتحاد بماهية لا تجانسها لا بالصفات ولا بالماهية ولا في كل صفة يمكن ان يدركها العقل الانساني. بل كان تركيز اهتمامه منصّبا على أن الذات هي ماهية لا علاقة خارجية تربطها بغيرها من موضوعات العالم الخارجي والا فقدت الذات خصائصها الوجودية وفقدت طهارتها وبكارتها حينما تتموضع ادراكيا بموضوعات وموجودات العالم الخارجي المدنّس.
تموضع الذات الوجودي
يعتبر عبد الرحمن بدوي الوجود الماهوي للذات لا يكون وجودا متحققا حقيقيا من غير امتلاكه عزلة مكتفية بذاتها يمنحها تطهيرا ارسطيا من الدنس الموجود في الموضوعات والاشياء المحيطة بها. ولا بد لي من اقتباس هذه العبارات المطولة كي اتمكن الرد عليها. بما يفهمه ويستوعبه القاريء.
يقول بدوي” الذات في حالة الوجود الماهوي هو عزلة كاملة, وقد غلق من دونها كل الابواب وكل نافذة لا تفتح على ذاتها وتعكر صفاتها وفض لبكارتها.. والوجود الحقيقي اذن هو الوجود الذاتي, اما الوجود الموضوعي بين الموجودات والاشياء والحياة على غرار الحياة هو وجود زائف مشتت وضلال وتزييف للذات الحقة, عندما لا اكون مالكا لذاتي, بقدر ما تكون الاشياء مالكة لي. بل انني اكون ملكا للموضوعات فانيا فيها فاقدا ذاتي بها وفي هذا يقوم سقوطها” 3
هذا التعبير الذي يسوقه المفكر بدوي لا يستقيم ولا ينسجم مع الفهم الوجودي الفلسفي للاسباب التالية:
1. الذات المنغلقة على نفسها هي ذات تمتلك حقيقتها النظيفة غير المدنسة في ادراكها التواصلي التموضعي بموضوعاتها الخارجية حسب بدوي والذات لا تمتلك حقيقتها الوجودية الا في ذاتيتها المجردة عن الموضوعات والاشياء, في حين يعتبر اقطاب فلاسفة الوجودية برينتانو وهيدجر وسارتر, أن ايجابية تحقق الذات انما يكون في وجود اصيل يحتويه عالما يحكمه بالضرورة الوجودية الطبيعية جدلا تفاعليا معها, ولا يكون وعي الذات حقيقيا صادقا من غير قصدية تلازمه تسعى لها الذات كي تكون موجودا – في – عالم. حسب تعبير هيدجر,أي تكون الذات موجودا ضمن محيط انساني يجانسها الصفات غير الماهوية, ووجود طبيعي لموجودات لا حصر لها لا تجانسها الصفات والماهية التي هي موضوعات الادراك العقلي للعالم الخارجي بما يحتويه.
2. كيف يمكن لذات أن تعي وجودها الحقيقي في انعزالها التام عن المحيط وموضوعاته المدركة كما يرغب بدوي, فالذات بلا تحقيق تموضعي ادراكي للاشياء والموضوعات هي ذات لا معنى لها ولا وجود حقيقي تمتلكه في اثبات وجودها.
الذات في تحققها بوجود مدرك اصيل لا يكون متحققا من غير اندماج الذات في عالم جدلي يتقاذفها تستطيع به ومن خلاله توكيد كينونتها الذاتية المتمايزة بالماهية والصفات عن باقي موجودات الطبيعة. موضوعات المحيط لا تجرّد الذات ماهيتها الادراكية ولا تستهدفها بالضياع والضلال المدنس الذي اشار له بدوي. الوجود الاصيل الحقيقي للذات انما يكون في ادراكها وموضعتها بالاشياء. وليس خارجيا في الابتعاد عنها خوفا من التدنيس وفقدان الطهارة.
3. الذات بخلاف تعبير بدوي لا تفقد خصائصها الذاتية الماهوية في تموضعها اللغوي بالاشياء, الذات تجريد غير متجانس لا بالخصائص الصفاتية الخارجية ولا الماهوية, مع موضوعاتها المدركة من قبلها لذا أمر أن تفقد الذات اصالتها الجوهرية في تموضعها ذاتيا بمدركاتها غير وارد.
فالماهية الادراكية لا تستطيع الانفكاك ولا الانعزال عن محيطها الذي به وحده يتعيّن وجودها الحقيقي, فالذات كما تدخل في علاقة جدلية بموضوعاتها فهي تكسب تلك الموضوعات ادراكها وتكتسب منها وجودها الحقيقي الاصيل.لا تدرك الذات نفسها من غير ادراكها لموجودات الاشياء والموضوعات في العالم الخارجي بالمغايرة غير المتجانسة. والذات تعي وجودها في مغايرتها الاشياء التي تدركها ولا تستطيع تلك الاشياء ادراكها. وهذه هي القصدية التي نادى بها اقطاب فلسفة الوجودية بلا استثناء ماعدا سورين كيركارد الذي اراد فهم تحقق الذات في تقريبها من الدين. واستبدل بدوي لفظة الدين بلفظة اكثر تجريدا ميتافيزيقيا هي الروحانية.
4. لا يمكننا ادراك وجود ذاتي حقيقي اصيل لا يتموضع بمدركاته في تعبير اللغة عنه, كون الذات تعبير لكينونة لا تدرك منعزلة عن موضوعات ادراكها. بل تكون مدركاتها هي التعبير الاصيل عنها. وكل عزلة تفرض قسرا على الذات يعرضها الى اغتراب وجودي سلبي منكفيء على نفسه لا تاثير له ولا قيمة يحملها. الذات تحقق نفسها وجودا انطولوجيا اذا صح التعبير ضمن علاقة جدلية تتبادلها مع العالم الخارجي من حولها.
هل اغتراب الذات سمة ايجابية؟
في تعبير بدوي” أن الصلة بين الذات ونفسها ليست صلة سلبية بل صلة ايجابية أذ تكون الذات في حالة امتلاك لنفسها وشعور تام بذاتها على نحو مقارب لما يقوله هيجل عن الروح الكلية”4
بدوي هنا في محاولته التنصل من حقيقة جوهرية مادية جدلية تحكم الذات الواعية لمدركاتها بقصدية فاعلة, يذهب الى أن عالم الذات لا يتعدى العلاقة بينها وبين وعيها لذاتها بمعزل عن تعالق هذه العلاقة الادراكية بعالم الموجودات. وهذه الاغترابية الذاتية المنكفئة على عالمها الجوّاني الخاص بها ليست علاقة سلبية بل هي ايجابية في تعبير بدوي.
بدوي يرفض الاقرار أن تموضع الذات حول نفسها هو سمة اغترابية سلبية, وهو يسعى الى الباس اغتراب الذات الذي هو انفصام شخصاني نفسي لمدركات الذات الاغترابي غير السوي بمعزل عن وعي الذات الايجابي… أن أي انفصال ذاتي عن مدركات المحيط والعالم الخارجي هو حالة سلبية تماما تضع الذاتية في دائرة الانكفاء على اجترار الذات بلا معنى ولا هدف. اغتراب الذات هو سمة شيزروفينية نفسية عصابية انفصامية حين تجعل الذات موضوعها الادراكي هو ذاتها نفسها على حساب تغييب مدركات العالم الخارجي والمحيط من حولها. بغير هذا الفهم يكون لدينا محاولة بدوي الباس الوجودية مفاهيم صوفية يستمدها من كيركاردغير منطقية فلسفيا في اقترابها من الروح الهيجلية الكلية. والمفهوم الوجودي للذات يتقدم كثيرا نحو الفهم المادي ويبتعد عن ميتافيزيقا التعبير اللغوي الذي يدعمه بدوي متاثرا بكيكارد.
الاغتراب والذات
السؤال متى يكون الاغتراب الذاتي سمة ايجابية وليست سمة سلبية؟ على ضوء أعتبار بدوي أن الذات لا تجد حقيقتها بغير الصلة التي تربطها بذاتها بعيدا عن كل مدرك خارجي. يكون كل اغتراب ذاتي عن مدركات المحيط هو بالحتم حصيلته اغترابا اجتراريا سلبيا لاقيمة حقيقية له. تكمن سلبيته حين يكون متمركزا حول الدوران في البؤرة الدائرية للذات المنفردة المنفصلة عن عالمها الخارجي. لذا تكون حالة اغترابية سلبية. وخير مثال هو ان منفصم الشخصية يعتبر ذاتيته في تغييبه العالم الحقيقي من حوله هو قمة النضج اذا كان يعي اصلا معنى انفصال ذاته عن مدركات المحيط الخارجي. حيث تكون ذاتيته تجد في لامعنى ادركها الوجود الطبيعي للناس هو ما يمثل وجودها الحقيقي الذي يفهمه الانفصامي هو لوحده ولا يفهمه غيره من الناس.
لكن الاجابة عن أمكانية أن تكون الذات ايجابية في اغترابها الفلسفي وليس النفسي قائما فالجواب نعم ممكن وعلى أعلى المستويات من ادراك اصالة الذات ضمن عالمها. حين تتحرر الذات من اغترابها الجواني الذي يحكمها ولا يحكمه المحيط خياليا, هنا تكون الذات تمتلك الحرية والارادة والاختيار في ادراك واستيعاب ما يناسبها وينمّيها ويطورها من موضوعات وظواهر طبيعية تحيط بها تتعامل معها خارج محددات الادراك المادي كونها مواضيع مستمدة من خيال الذاكرة وليس من عالم الموجودات الخارجية.. وحين تجد الذات التي كما قلنا تملك الحرية والارادة في الاختيار حسب نضجها الاستيعابي عندها تجد نفسها تصطدم باغترابها عن المحيط وعلاقاته غير السوية الصحيحة قياسا مع ما تحمله هي من نضج متفتح استيعابي, حينها تعمد الى الارتداد الذاتي المدرك عقليا من قبلها الى محاكمة نفسية جدلية أن ما يسود العالم المحيط بها لا يتواءم مع تصوراتها الصادقة, فتنكفيء على ذاتها ليس بأنغلاقها الاغترابي السلبي عن المحيط بل في نقدها الفكري لهذه الانحرافات التي لا تناسبها وتجد في المقاطعة معها هو تحقيق لاغترابيتها الايجابية.ولوجودها الحقيقي الاصيل الذي يبقي الذات تجد مسؤوليتها عن عالمها الخارجي.. وعن هذه الفعالية الاغترابية الايجابية للذات عن عالمها الخارجي تبتدع عوالمها المثالية البديلة تضخّها للمجتمع على شكل ابداعات في الادب والفنون ومختلف صنوف الابداعات الخيالية المستمدة من اخصاب المخيلة الذهنية بعاملين اثنين هما الواقع الرديء الذي أغتربت الذات عنه, والثاني هو منتجات التخصيب الابداعي للخيال المسيطر عليه ذاتيا كوعي مدرك يحده الزمان والمكان. هذا هو الفرق بين ان تكون الذات متمركزة حول الدوران في متاهة من الاجترار الذهني العقيم وبين الذات التي تغترب عن المحيط في عملية نقدية قصدية وتصحيح لانحرافات موضوعات مدركاتها في عالمها الخارجي.
هل الله ذاتا فلسفيا؟
هل بالامكان ادراكنا الذات الالهية بذواتنا البشرية المتعالقة بها حتى في التجارب الصوفية؟ حين يعبّر بدوي على لسان كيركارد( ان الله يتوسط الذات ونفسها كصلة لان الله ليس الا لاجل الفرد)5., لا نعتقد هذا كافيا ان نأخذ مقولة كيركارد مسلمة حقيقية مطلقة نبني عليها, فالله ليس ماهية تتوسط بين الذات ونفسها كصلة, فالذات الانسانية مدرك عقلي بمواصفات وماهية بشرية لا تمت بادنى صلة يرغبها المتديّن وهي غير متحققة في استحالة الاتحاد مع الماهية الالهية ولا حتى مع الصفات. ولماذا يكون الله صلة وسيطة خلقت من اجل الانسان ولا يكون العكس؟ الله ليس حقيقة وجودية بمقاييسنا البشرية وجدت من أجل الانسان وتحقيق رغائبه ممثلة في خالق تعبده المخلوقات, ولماذا لايكون الله ألها مهيمنا على مخلوقات أوجدها من أجل عبادته ولا ضرورة انسانية تلزمه بشيء يرغبه الانسان متحققا مدركا من قبله ويجده بالذات الالهية في سعيه نحوها.؟
الذات والماهية
رغم الاقرار المبدئي بحقيقة أن الذات والماهية هما من المفهومات المجردة التي لا يمكننا فهمها من غير تعالقها التمثيلي الافصاحي عن مواضيعها وموجوداتها. الا اننا نختلف مع بدوي أعتباره التموضع الذاتي في مدركاته” يعني انتقال الذات من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين في العالم وهو المسمى ب( الآنية)”6. من الملاحظات الواجب تثبيتها هنا هو أن ذات الانسانية ليست ماهيته. وانتقال الذات حسب تعبير بدوي من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين بالعالم واطلق عليه الآنية, يقودنا الى التاكيد أن الماهية ليست شيئا ولا موضوعا قابلا التموضع الانصهاري التذويتي داخل الاشياء المدركة عقليا, بما يجعل الذات تضيع في متاهة من الوجود الفاقد لخصائص الذات.
الذات لا تفقد هويتها في التموضع التشييئي بمدركاتها بل هي تكتسب وجودها المتحقق بهذا التموضع الادراكي. كما أن الذات ليست متعينا ماديا تخسر ذاتيتها في تموضعها بالاشياء الذي يكون هذا التموضع هو عن طريق تجريد تعبير اللغة فقط. تموضع الذات في مدركاتها لا يكون بالمجانسة العضوية المعدومة بين الانسان ومدركاته. كما أن انتقالات الذات في مدركاتها وتمثلاتها التموضعية فيها لا يلغي التمايز الكيفي النوعي بين ماهية الذات عن ماهية مدركات العالم الخارجي. الذات والماهية كما ذكرنا سابقا هما جوهرين غير ماديين ولا يشترط بهما لا الانفصال ولا الاتصال الدائمي لكنهما ضرورين لادراكات العقل للاشياء تجريدا (لغويا) فقط.
كما يفهم بدوي أن فقدان الذات لماهيتها وخصائصها الادراكية ” حين تكون الذات وجود – في – عالم, -عبارة هيدجر- وهذا يعني أن الذات اصبحت موضوعا كباقي الموضوعات, وتسقط الذات بوصفها ذاتا , وبهذا لا تستطيع الذات بين ذوات اخرى في العالم الا أن تفنى فيها.”7. وثمة ملاحظات سريعة على هذا الرأي الخاطيء :
– هل الذات قيمة جوهرية لا تكتسب ماهيتها الحقيقية وخصائصها الجوهرية الا في الانعزال التام المنفصل عن كل ما هو موجود بالعالم كي تحتفظ بنقائها وبكارتها حسب تعبير بدوي.؟ وهنا يثار تساؤل لا يستطيع الا أن يحمل معه سذاجة الطرح هو ماذا تعني الذات وما هو واجبها في حياة الانسان وكيف تحقق ايجابيتها في الاغتراب الانكفائي على نفسها؟ اذا كان وجود الذات في عالم يفقدها سمتها وتتحول الى موضوع كباقي الموضوعات. ثم بأي وسيلة بعيدا عن تعالق الذات بمواضيعها يمكننا الاستدلال على أن الذات جوهر خفي لا يمكن ادراكه ماديا مثل باقي الاشياء والموجودات؟ وما هو مجال تحقيق الذات لذاتيتها غير المدنسّة؟
– هل من الممكن المتاح لنا عندما تكون الذات في عالم يفقدها تجريدها اللغوي في ادراكها الاشياء لتكون موضوعا مثل باقي الموضوعات هو الحل السليم في الحفاظ على نقاء الذات وعدم تدنيسها؟ الذات تبقى ليست موضوعا للادراك العقلي الا في متعيناتها التي تعبر عنها لغويا, سواء اكانت الذات منكفئة على نفسها اغترابية لا علاقة لها بالمحيط والعالم الخارجي, او كانت نزعة وعي قصدية يحوزها الانسان دون غيره في الوصول المتحقق بمدركاته.
نجد من المهم الاستدراك أن الذات ممكن تحقيقها وعي ذاتيتها بمعزل عن التموضع الجدلي مع موجودات ومكونات العالم الخارجي, والذي نطلق عليه الوعي الذاتي, والرد على هذا الافتراض الخاطيء يتلخص بان الذات تعي ذاتها عندما تكون تمتلك موضوعا للتفكير به, وهذا الموضوع اما ان يكون ماديا موجودا في عالم الاشياء أو يكون خياليا مصدره الذاكرة. الذات بلا موضوع تدركه تفكيرا هو انوجاد افتراضي خاطيء.
– تموضع الذات في الاشياء ومواضيع ادراكها لا يجعل منها موضوعا قابلا للادراك. الذات جوهر ماهيته ادراك العالم والمحيط من حوله. والذات لا تذوب وتفقد خصائصا في مواضيع ادراكها. والا لما كنا وجدنا وسيلة كيف نميز بين الذات وبين الموضوع في تعالقهما الجدلي المادي. حيث يذهب البعض الى أن الذات والموضوع هما دلالة لمعنى واحد لشدة ارتباط تبادل وعي احدهما بدلالة الاخرجدليا.
علي محمد اليوسف /الموصل
الهوامش:عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص43/2.ص44/ 3. ص44/4. ص45/ 5.ص 44/6. ص 44/7.ص 45

4

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق