ثقافة المقال

تأملات في رسالة “أسرار التميز المعرفي”

مجاهد احمد علي
 

إن عصرنا الحالي، عصر معلومات بامتياز؛ فقد اتسعت فيه مساحة العلم والمعرفة بشكل لم يسبق له مثيل، وما تزال في اتساع مستمر، وكنت أتساءل كيف يمكننا تسخير هذة المعرفة المتزايدة في خدمة مجتمعاتنا والعمل على تطويرها؟… وأثناء بحثي عن إجابة لتساؤلي، أجابتني هذه العناوين:

(1)
كيف أخدم مجتمعي معرفيا؟
من العناوين التي استوقفتني في رسالة “أسرار التميز المعرفي” للكاتب السوداني احمد بابكر حمدان، إنه عنوان إستفهامي بارع ينقلك من عالم الفقاعات الصابونية الذي تتبدد فيه المعرفة بلا فاعلية، إلى عالم أكثر تماسكاً وواقعية تطبق فيه المعرفة لإحراز نتائج حقيقية.
وتأتي الإجابة على هذا التساؤل ببلاغة وإيجاز. “كن ذا تخصص معرفي.. وتميز في ذلك التخصص”.. ويضيف الكاتب موضحا أن “المتخصص معرفياً هو المهتم بمجال مهني ما.. اهتماماً معرفياً يمكنه من فهم واستيعاب قضايا ومشكلات المجال.. ومن ثم الإسهام المعرفي في إثرائه وتنميته ومعالجة قضاياه ومشكلاته..”.

وحتى تتخصص معرفياً في أحد المجالات المهنية.. سنتعرف على أهم العوامل المؤثرة في اختيارنا لمجال التخصص المعرفي:
هناك معادلة الرغبة والفرصة والقدرة بالإضافة إلى الدعم الإجتماعي المتوفر، وهناك توليفة المواهب والهوايات التي تشكل الطموح المهني.. بالإضافة إلى الإحتياجات النفسية للشخص وإستعداداته ونمط شخصيته.

تجدر الإشارة إلى أن العوامل آنفة الذكر عوامل شخصية مهمة وفعّالة، إذا استطاع الشخص أن يضبطها بتناغم بحيث توجهه إلى مجاله المنشود، فسيكون أكثر ثباتاً ورضى، وفاعلية في مجاله الذي يختاره.

هناك عامل أحسبه من أهم العوامل إلى جانب العوامل آنفة الذكر، وهو عامل تفاعلي، لا يساعدك في اختيار مجالك فحسب بل يساعدك في اختيار أهدافك داخل المجال، وتقييم أدائك وتأثيرك بصورة مستمرة. بخلاف العوامل السابقة التي تساعدك على استهداف مجال مهني معين، فإن هذا العامل من شأنه توسيع دائرة استهدافك، بحيث يكون مجالك المهني جزء من (مشروع معرفي) مستمر ذي أهداف محددة في كل مرحلة.. وهو تجاربنا في المجتمع و ما نلاقيه من عناء بسبب المشكلات المجتمعية.
يوضح كاتب “أسرار التميز المعرفي” قائلا: “تمثل تجاربنا الشخصية في المجتمع وما نلاقيه من عناء بسبب المشكلات المجتمعية، أهم العوامل المؤثرة في اختيارنا لمجال التخصص المعرفي”.
في قصة السيد (س) الذي كان في السادسة من عمره.. حيث نشبت حرب قبلية ضارية في مدينتهم الصغيرة .. لم يكن حينها مدركاً لأسباب الحرب ولا أسباب توقفها فيما بعد..
وبعد توقف الحرب عادت المدينة إلى هدوئها المعتاد.. و مضت الأيام بأهالي المدينة و تناسوا ما كان من أمر الحرب.. إلا أن السيد (س) ومع مضي الأيام كان عازماً على الغوص في التاريخ الاجتماعي والقبلي لمجتمعه الصغير للتعرف على بذور الصراع.. ومن ثم توقع ما يمكن أن يخبئه المستقبل للأجال التالية…
أما السيد (ص) فلم يكن أسعد حالاً من صديقه (س).. فقد عانى أشد المعاناةـ في سبيل إكمال دراسته الأساسية بالرغم من أنه كان موهوباً متقد الذكاء.. ولم يكن مدركا حينها أن مواهبه تلك كانت مصدر شقائه في البيت والمدرسة.. لكنه أدرك ذلك فيما بعد لينطلق في رحلة بحثية مستمرة لتجنيب الأجيال الجديدة ما أصابه من شقاء.
أما السيد (و) فقد أصيب بالتهاب حاد تطلب نقله إلى المركز الصحي بالقرية في إحدى ليالي الشتاء.. فإذا بالمركز مغلق دون أسباب معروفة ودون إعلان عن إغلاقه أو توقفه عن العمل.. كانت صدمة كبيرة لذوي السيد (و) الذين أخذوا في الحديث حينها عن الإدارة والمسؤولية واللامبالاة وهلم جرا.. إلا أن السيد (و) ومنذ ليلته تلك لم يزل باحثاُ عن مكمن الخلل ومساهماً بقلمه في تشخيص الداء ووصف الدواء.
يا ترى ما هي قصة القارئ الكريم و معاناته الشخصية و تجاربه المؤلمة مع مراكز الضعف في مجتمعه الصغير؟ وما هي المشاعر التي خرج بها من معاناته تلك؟ وما نوع القرار الذي اتخذه فيما بعد؟

اقتباس من الرسالة: “إن قضايا المجتمع ينبغي أن تكون المحدد الرئيس لطبيعة المعارف التي يتزود بها (المتعلم) حتى يسهم بفاعلية في معالجة مشكلات مجتمعه وتجاوز الصعوبات التي تواجهه”.

(2)
ملامح المشروع المعرفي:
في مطلع المقال، تحدثت عن كيفية تسخير المعرفة لخدمة مجتمعاتنا وتطويرها. وذلك من خلال التخصص المعرفي في مجال معين، والتميز في ذلك التخصص، وقد ساعدنا على توضيح ذلك ما استقيناه من أمثلة وقصص وردت في رسالة “أسرار التميز المعرفي”.. وقد قدمت بعض العوامل التي تساعدنا على تحويل مجالنا المهني إلى “مشروع معرفي مستمر”.

في هذا الجزء، سأواصل في ذات السياق، متناولا بعض ملامح “المشروع المعرفي الشخصي” مستفيدا من إشارات السيد (س)، وهو شخصية افتراضية للتفاعل مع قارئ رسالة “أسرار التميز المعرفي”:
– اطلب من المعرفة ما تحتاج إليه في ممارسة حياتك الطبيعية، وما تتطلبه خدمة مجتمعك المحلي الصغير أو مجتمعك الإنساني الكبير .
– وحتى تكون معرفتك فعّالة منتجة يفترض أن تكون ناشطاً في (مجال مهني) يتيح لك توظيف و(تطبيق) ما تحمله من معرفة..
– لا بد أن يسبق النشاط المهني إدخال معرفي منظم؛ لأن المعرفة هي وقود الأنشطة الإنسانية أياً كانت.

في تقديري أن الإدخال المعرفي المنظم هو ذلك الإدخال الذي يعمل على تشكيل المفاهيم، وتمليك المنهجيات الصحيحة لرؤية وتحليل الواقع، والقضايا التي تواجه (المتعلم) في مسيرته المعرفية.. أكثر من الذي يعمل على تمليك المعلومات و الحقائق المثبتة كمفردات. يقال أن ”من يملك معلومة كمن يملك قطعة ذهبية، أما من يملك رؤية منهجيه فهو كمن يملك مفتاح منجم للذهب”.

هذا المفتاح هو ما يحتاجه كل من يطمح إلى بناء (مشروع معرفي)، فهو يفتح الأبواب أمام المتعلم ويعطيه القدرة على التعامل مع واقعه بصورة أكثر تفهماً ووعياً، ومع أحداثه الجارية بصورة أكثر مرونة، وفاعلية، و إدراكاً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور.. كما يساعده على تحليل القضايا التي تواجهه في مسيرته المعرفية تحليلاً منهجياً يمكنه من استخلاص نتائج وخلاصات، وتكوين خبرات تراكمية تمهد الطريق له ولغيره، (أي يساعده على تحويل نشاطه المهني إلى مشروع معرفي مستمر).

أُشير في هذا السياق إلى أن بناء مشروعك المعرفي يتطلب وجود “مرشد موجه” يساعدك على وضع النقاط على الحروف والحصول على مفتاحك الخاص، فهو بمثابة مدرب ذهني يفتح لك الآفاق ويوسع مداركك، وينقلك من التعامل مع الأمور كأحداث إلى التعامل معها كمعرفة وأفكار؛ لأن “المعرفة الجيدة هي تلك التي تبني إنساناً فعّالاً وتسهم في معالجة المشكلات وتنمية الحياة”.
***

* طالب في المستوى الثالث، كلية الطب البشري، جامعة غرب كردفان، السودان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق