قراءات ودراسات

بطل الخوف… بطل المصادفات في رواية بحر الصمت

بقلم : محجوب العياري *

“يوجد في مكان ما من هذا الليل، قلبٌ يجهش بالبكاء… قلب حاصرته الذكريات، والتفاصيل الصغيرة التافهة… قلب شقي وعنيد ومجروح… قلب لا يعرف هدنة ولا راحة… ذاك هو قلبي أنا، السّاقط في فخاخ القدر الرتيب… كنت أقع دائما، أتكسر، أتوجع، ولكني في النهاية أقف من الرماد وأتظاهر بالاستمرار… ولم يكن أحد يعرف كم كنت أموت داخل قلبي…” (1)
مُرّةٌ هذه الكلمات، وجارحة !!. مُرّةٌ هذه الكلمات، وهي تنتصب أمام قارئها عارية كأنها الاعترافُ، كأنها الشهادة، أو كأنها كل ذاك جميعا.. وهي جارحة لأنها تختزل مأساة “سي السعيد”، وهو يتحدث عن نفسه، وعن أحلامه المغدورة، ونجمه الآفل.. و”سي السعيد” هذا –إضافة إلى كونه عاشقا مغدورا- هو بطل الخوف بامتياز، وقائدُ الصدفة المحض… وهو إلى ذلك كله، الشخصية الرئيسية في رواية “بحر الصمت” للمبدعة الجزائرية: ياسمينة صالح، الصادرة عن دار الآداب ببيروت سنة 2002، والحائزة على جائزة مالك حداد لسنة 2001.

بطل من خوف:

يفتح “سي السعيد” عينيه على عالم موحش ليس فيه غير أبٍ صارم ووحيد… فهو لم يعرف أمه أبدا… قيل له إنها ماتت وهو بعد في عامه الأول، فعاش يتيما، يجر أسئلة تثير غضب أبٍ يكره الإجابة، مما جعله يبحث عن والد بديل وأمٍّ لا تموت أبدا… وفي غمرة شعوره بالوحدة واليتم، يكتشف أن له عمّة عطوفا، فيحبها ويتعلق بها، ويرحل ليعيش معها في الجزائر العاصمة، في حيّ “بلكور” النّابض العريق… غير أن عمته تموت فجأة، ليصبح “يتيما جدّا، وحزينا جدا، وخائبا جدا…” (2).. يسلخ “سي السعيد” جزءا من طفولته وشبابه في العاصمة الجزائر، ثم يعود إلى قريته خائبا فاشلا بعد أن تبخر حلم أبيه الذي كان يريد أن يجعل منه طبيبا يتباهى به أمام الناس… يموت أبوه بعد ذلك فيرث عنه قطعة أرض ويتحول إلى فلاح يهابه كل سكان القرية… فتمضي حياته عادية، لا ينغصها شيء، كشأن كبار الفلاحين الذين يمتلكون الأراضي الشاسعة ويتحكمون في أقدار الفقراء من الفلاحين المأجورين…

ثم تأتي الحرب !!..

لم يكن سي السعيد، لو تُرك لشأنه، ولحرية اختياراته، لينخرط يوما في صفوف المقاومة، وينضم إلى المحاربين، بل إن الحرب كانت قدرا في حياته، وكذلك “بطولاته” التي لم يسع وراءها يوما: “الحرب كانت قدرا في حياتي أنا أيضا، لم أكن محاربا، ولم أكن متطوعا لحمل راية لا أفهم رموزها. لكني، كنت موجودا.” (3)

رموز راية المقاومة كانت أشد تعقيدا مما يمكن أن يستوعب ذهن سي السعيد الذي كان “سعيدا” بوضعه، إذ اختار أن ينأى بنفسه عما يمكن أن يكون مجلبة لتعقيدات هي أكبر منه بكل تأكيد، غير أن للثورة أحكامها وللحب أيضا…

في البدء كان بلا تاريخ، ولم يكن قد أحبّ امرأة من قبل… كان حياديا تماما، ولكنه، حين رآها تنظر إليه بدهشة ماكرة، ورآها تبتسم، أصبح التاريخ كله ملكا له وحده… كان وجهها واضحا كشمس الربيع، دافئا كنسائمه، عذبا كمساءاته… وكانت “جميلة، دافئة، ماكرة، لذيذة، وجارحة… أما هو، فكان مبهورا ساذجا، يقف على حافة البكاء…” (4)

تنشأ خلخلة كبرى في حياة سي “السعيد” أول ما يلتقي يـ”جميلة”. يقول: “جميلة، تلك التي حولتني من رجل بلا تاريخ إلى عاشق مجنون…” ثم يردف: “الحب؟ أليس هذا ما حدث لي؟ أليس هذا ما غير حياتي كلها، وغيرني من مجرد إقطاعي فاسد إلى عاشق.”(5) وجميلة هذه شقيقةٌ لِمُعلِّمٍ ينتمي إلى صفوف المقاومة. ومنذ الوهلة الأولى يتمكن حب جميلة من سي السعيد، ويظل ملازما له لا يشفى منه أبدا: “والحال أنني اكتشفت أن زيارتي هذه لن تعيدني إلى بيتي سالما…” (6)

وإذا كنا نتفهم تماما كيف يمكن لـ”سي السعيد” أن يسقط صريعا للهوى من نظرة أولى، فإننا لا نعتبر أن حالة الحب تلك، هي التي جعلت منه مقاتلا ومقاوما وطنيا كما تحاول الرواية أن تقنعنا به في أكثر من موضع. ذلك أن التحول الذي طرأ على حياة “سي السعيد”، وجعله يفتح عينه ليجد نفسه في الجبال بين المقاتلين، كان بداعي الخوف والرغبة في المحافظة على الحياة، ولم يكن للحب دور فيه لا من قريب ولا من بعيد.. فهو، حينما طلب منه أن يؤمن مخبأً لأحد المناضلين المفتش عنهم من قبل السلطات الفرنسية لم يكن بإمكانه أن يرفض ذلك يقول: “الثورة تتظاهر أنها تعطينا حق اختيار مواقعنا، في الوقت الذي تصدر فيه الحكم، إما جزائري مخلص، وإما جزائري خائن.”(7) خوفه من أن يقال عنه جزائري خائن، ثم خوفه من أن يقتل بعد ذلك، (مثلما قُتِلَ العمدةُ المتعامل مع الفرنسيين) هما اللذان جعلاه يقبل بذلك وليس إيمانه بعدالة الثورة وليس لكونه أصبح عاشقا…

يقول: “كنتُ في خطر مستمر، والأيام تمضي بطيئة ومخيفة… لم يكن هنالك شيء اسمه “الاطمئنان”، ففي الثورة كل شيء مفتوح على الخوف والقلق…”(8)

أيام من “خوف” و”قلق” أمضاها “سي السعيد” حينما كان المناضل المفتَّشُ عنه مختبئا في غرفة صغيرة مهجورة في خلفية بيته. ولم يكن ليختار حياة الجبال والقتال لو لم يقع اكتشاف المخبأ، ومداهمته بعد شهر من الرعب والترقّب. يقول: “كنت رجلا، داخل حصار الحرب، اكتشف فجأة أنه مجبرٌ على فعل أشياء لم يخترها قطعا، وعندما داهمنا الجنود، لاحت حقيقة أخرى أشد وضوحا: كنت مطالبا بالحياة، ليس لأجل الوطن، بل لأجل قضية تخصني وحدي، واستقلال لا يعني سواي… كنت خائفا جدا وأنا أركض مع الرجال نحو اللاشيء…”(9)

إذاً، الرجل هنا واضح جدا: الخوف وحده هو الذي جعله يهرب، وهو يقولها بصراحة لا لُبْس فيها: “كنت مطالبا بالحياة”، أي أنه يرفض فكرة الموت أو “الشهادة” كما يفهمها المجاهدون. ولما كان قدره السيّءُ قد جعل منه هاربا ومطاردا، فقد كان من السهل على رجال الثورة أن يستدرجوه معهم إلى حياة الجبال وهو لذلك كاره. يقول: “كان يخيل إلي أنني وقعت في الفخ، وأن النهاية تدنو مني بخطوات واثقة من نفسها… في قرارة نفسي كنت أعرف أن الرجال الذين استدرجوني إلى هنا، وأولئك الذين استجوبوني ينتمون إلى الثورة نفسها التي استدرجتني من سكوني إلى هذا الهدير الموحش. كنت غاضبا ومصدوما في الوقت نفسه.”(10)

هو ذا إذا في “قبضة” الثورة، وعليه أن يتحول إلى بطل بالرغم عنه، بعد أن سدت أمامه كل الاختيارات الأخرى: “كنت بحاجة إلى حريتي وقوتي لأعيش كما أريد، لا كما تريد الثورة أن أعيش…” (11). غير أن الثورة لم تترك له أن يعيش كما يشاء: “كلهم جاؤوا إلى هنا ليصبحوا شهداء وطن يعد موتاه يوميا… كلهم حملوا السلاح تاركين زوجات وأمهات وأبناء… كلهم كانوا أبطالا مسبقا، وشهداء مسبقا… أنا لم أكن شيئا من هذا، كنت رجلا قادته الأحداث إلى هنا، إلى هؤلاء الرجال الشهداء، الذين يذهبون إلى نهايتهم باسمين، راضين عن أنفسهم…” (12)

م يكن أمامه من بد سوى الالتحاق بالمقاومة في الجبال. يقول: “فجأة اكتشفت الحقيقة المرعبة: لقد أصبحت هاربا ومطاردا وكان علي ألا أسقط في فخ الاعتقادات المفبركة والجاهزة… كان علي ألا أموت شهيدا أو منسيا داخل حرب شرسة كان الرجال يموتون فيها راضين تماما على أنفسهم”(13). غير أنه، حتى وهو في الجبال، لم يكن يرى في نفسه جنديا حقيقيا: “لم أكن جنديا بالمعنى الحقيقي، كنت رجلا خائفا بالرغم من كل شيء…”(14). ولما كان خائفا، فإنه لم يكن مستعدا للموت: “لم أكن مستعدا للموت… كنت أرفض فكرة الشهادة التي تخلف الوصايا فقط…”(15). إنه يريد أن يكون حيا: “كنت أحب أن أكون جنديا وحيّاً فقط”(16)

قائد بمحض الصدفة:

في الجبال، والثورة على أشدها، لم يتعلم سي السعيد إلا أمرا واحدا: البقاء على الهامش حفاظا على حياته. يقول: “كان قد مضى عامان على التحاقي بالثوار… عامان تعلمت خلالهما معنى البقاء على الهامش… كان الجبل قاعدة مقدسة ينطلق منها الثوار باتجاه الشهادة تمنحهم شرفا أسمى من البطولة… كنت ثوريا متقاعدا… لم أكن جنديا مقاتلا… بل مجرد مشارك ضمن كتيبة…”(17) ولذلك لم يكن قائد الكتيبة ليكلفه بأية مهمة صعبة، ولم يكن هو ليتضايق من ذلك أو يرى فيه أي حرج: “أعترف أنني لم أكن أتضايق من عدم اشتراكي في معاركه، كنت أكتفي بالحراسة ليلا، سعيدا وراضيا. في قرارة نفسي، كنت أخشى تلك المهمات الصعبة… كان الخوف أكبر مني…” (18)

غير أن للـ”ثورة” أحكامها. فبعد معركة يشارك فيها “سي الرشيد” مرغما، يستشهد قائد الكتيبة، ويستشهد معه خيرة الرجال، ليجد “سي االسعيد” -وهو الناجي المحظوظ رفقة قلة قليلة من المقاتلين- نفسه يتحول إلى قائد على ما تبقى من الكتيبة: “وجدت نفسي –دون أن أريد- قائدا على ما تبقى من الكتيبة… تتكون من ستة أفراد من بينهم جريح واحد لا يقدر على المشي… كنت قائدهم المؤقت… قائد صدفة كما تقوله عيونهم…”(19) ثم تأتي الأوامر للالتحاق بالعاصمة الجزائر، فيدخلها “سي السعيد” قائدا نشوان سعيدا: “التحقنا بالعاصمة… كنا أربعة وكنت القائد… لشدما كنت سعيدا هذه المرة…”، غير أنه يعرف في قرارة نفسه أنه لم يكن سوى جبان، وأنه لم يكن يوما أهلا للقيادة: “لعل اختياري أنا بالذات على رأس المجموعة لم يعجبهم… كنت أشعر بالامتعاض منهم، كأنهم كانوا يرون فيّ رجلا لا يصلح إلا للخَلْفِ… رجلا صار مقاتلا بالصدفة…” (20)

ثم كان انتصار الثورة وكان الاستقلال.. وأصبح “سي السعيد” رجلا محترما، ومناضلا صعبا، والتحق بالحزب، لينال نصيبه و”حقه الشرعي” من غنائم الاستقلال ومزاياه: “كان التحاقي بالحزب عاملا مُهمّا بالنسبة إلي، أعطاني مزايا رجل محترم، وأكثر من ذلك، مناضلٍ صعبٍ…” ثم كانت الوجاهة والجاه: “كنت المستفيد الأول في كل الأحوال، وكانت ترقياتي داخل الحزب جزءا من التعويض بالنسبة إلي… كنت أكبُرُ مع الأيام، لا مع السنين…”(21)

وبعد،

“بحر الصّمت” رواية عذبة، دافئة، ولكنها جارحة، وماكرة أيضا… وقد استطاعت ياسمينة صالح في أسلوب يفيض شعرية أن تقتحم أشد المناطق غموضا و”قداسة” في تاريخ الجزائر الحديث، ألا وهو “الثورة التحريرية”، وعرفت كيف تهتك أسرارا طالما تجنّبها الكثير من الكُتّاب، وتفاداها العديدُ من المؤرخين، نظرا لحساسيتها، وكثرة الإرباكات التي تحف بها… و”بحر الصمت” فوق ذلك كله رواية مزعجة فضّاحة، لأنها تزيح هالات من القداسات المزعومة عن كثير من “الثّوّار” الذين جاء بهم الخوف، وتفضح حقيقة كثير من “القادة” ما أنتجتهم إلا الصدفة الخرقاء، والأقدار السيئة. كما أنها تفضح رهطا من الناس كانوا في أصلهم أنذالا، سفلة ومجرمين، وكيف أن الثورة كانت قادرة على غسل آثامهم بمجرد انتسابهم إليها، فتحولوا بين ليلة وضحاها إلى أبطال وطنيين يشار إليهم بالبنان…(22)

* محجوب العياري، شاعر وكاتب تونسي راحل

(1)  بحر الصمت/ ياسمينة صالح، بيروت: دار الآداب، 2002. (صدرت الطبعة الثانية من الرواية عن دار الحضارة بالقاهرة 2009) ص.24

(2)  نفس المصدر ص. 58.

(3)  نفس المصدر ص. 41

(4)  نفس المصدر ص. 51

(5)  نفس المصدر ص. 52

(6)  نفس المصدر ص. 53.

(7)  نفس المصدر ص. 76.

(8)  نفس المصدر ص. 76.

(9)  نفس المصدر ص. 77.

(10)       نفس المصدر ص. 82.

(11)       نفس المصدر ص. 83.

(12)       نفس المصدر ص. 93.

(13)       نفس المصدر ص. 79.

(14)       نفس المصدر ص. 108.

(15)       نفس المصدر ص. 115.

(16)       نفس المصدر ص. 115.

(17)       نفس المصدر ص. 85.

(18)       نفس المصدر ص. 92.

(19)       نفس المصدر ص. 115.

(20)       نفس المصدر ص. 117.

(21)       نفس المصدر ص. 129.

(22)       أفضل مثال على ذلك شخصية “بلقاسم” الذي كان يضطهد الفقراء من الفلاحين والقرويين، وكان يتفنن في إذلالهم والإساءة إليهم، ولكن بمجرد قتله للعمدة، والتحاقه بالمقاومين تحول إلى بطل قومي. يقول الراوي ص. 25 : “لم يكن سهلا الاقتناع بعدئذ بفكرة أن الثورة تقدر على غسل آثام الناس، لمجرد انتسابهم لها… لم أكن لأقبل أن يصبح الزنديق قديسا بموجب انتمائه للثورة –أية ثورة كانت- … تخيلت فجأة “بلقاسم”… لو صار ثائرا من الثوار؟؟ تساءلت: هل بمقدور الثورة أن تغسل آثام هذا الرجل وتنسي الفلاحين والقرويين كرههم الشديد له؟ هل يعقل أن يصبح “بلقاسم” قديسا بهذا الشكل المبهم؟ وهل يعقل أن أتسامح مع ثقافة الثورة بعدئذ؟”. غير أن بلقاسم ينجح في اغتيال العمدة، فتسميه الثورة “بطلا”، وما هم بعد ذلك إن كان “ابن حرام” أو “ابن خنزير” “طالما الثورة تعفو عمن تشاء وتعاقب من تشاء” ص. 45.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق