ثقافة المجتمع

لماذا لم يلغ الإسلام نظام الرق؟

بقلم: أنس المبارك الهندي

إن الإسلام دين شامل كامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشريعته أعلنت أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، لكن أعداء الإسلام يثيرون حوله جملة من التهم والشبهات ويزعمون بقولهم: إذا كان الإسلام يرى البشر أسوياء فلماذا لم يلغ حتى الآن نظام الرق كما فعل الرئيس الأمريكي الأسبق أبرهام لينكولن؟

للأسف، هذه هي بعض التهم التي يرددها الملاحدة والمستشرقون ضد الإسلام. لكنهم إن أجروا بحثا تحليليا حياديا حول نظام الرق الذي كان في الإسلام، لما تجرأوا على هذه الأقاويل. دعونا نكتشف هل ما يدعونه حق، أم دعاوی ملفقة يقصد بها الطعن في الإسلام.
إن العبودية كانت قبل بزوغ فجر الإسلام واسعة الانتشار في كل أقطار الأرض، ما خلت منها الحضارة الهندية والصينية والمصرية والرومانية، وقد ذكر الرق وحبس الأسرى في شريعة حمورابي ملك بابل في مادتها الواحدة والثمانيين. وكان الإمبراطورييون الرومييون يحبسون عددا كبيرا من الأرقاء يأتون إليهم جراء الحروب الطاحنة التي جرت في ذلك الزمن. أولائك المحبوسون عملوا في حقولهم وقصورهم كالدواب، مصفدين بالأغلال، لا يرجون مثقال ذرة من الرحمة من مالكيهم.
وحين ظهر الإسلام كان نظام الرق معترفا به في العالم كله. فالإسلام لم يكن يقر على سياسة العبودية التي كانت وقتذاك، بل، سعى إلى إلغاء العبودية بشكل لم تسع إليه أي حضارة كانت أنذاك. لقد جفف كل منابع الرق التي كانت ضد الحقوق الإنسانية ما عدا واحدا هو الاسترقاق بسبب الحروب. علی هذا الأساس كان مسعاه.

أولا: جفف الرق الذي تمثّل بخطف الرجال.

ثانيا الرق الذي يختاره الرجل بنفسه.

ثالثا: استرقاق الأولاد.

رابعا استرقاق العاملين.

خامسا، استرقاق القتلة.

أما نظام الرق الذي يقع من أجل الحروب فهو الذي يذكره الملاحدة وغيرهم من الذين يتطاولون علی الإسلام، فلم لم يلغ الإسلام هذا؟ الجواب سهل وبديهي. المعارك التي خاضها الإسلام لم يكن من  مخططاته السيطرة على أراضٍ أخرى، وبم يكن ليرتكب المجازر ضد الرجال والنساء والصبية، كالكثيرين من الملوك الذين غمروا المعمورة بالدماء والظلم والجور، أو الاستعمار البريطاني الذي جعل العالم تحت هيمنته القاهرة، بل كان مقصده نشر التعاليم الإسلامية السمحة، وإنقاذ الناس قاطبة من وهذا الذل والهوان إلی نوره الساطع. فإذا ظهر الإسلام على الأعداء يضع ثلاثة شروط

١) أن يكونوا مسلمين.   

٢) أن يعطوا الجزية لحمايتهم مع حرية بقائهم في دينهم

٣) الحرب إن لم يقبلوا هذين الشرطين. ومن أجل الحروب، يبقى فيهم محبوسون. فالاسلام يخول لإمام المسلمين صلاحية الاختيار في أربعة أمور

١)قتل هؤلاء الأسرى

٢) أو أن يطلق سراحهم بلا مقابل هو المن

٣) أو أن يطلق سراحهم بمقابل هو الفدية، فالإمام يتخذ قرارا بما يراه صوابا، له أن يطلقهم برحمته كما أطلق صلاح الدين الأيوبي سراح الأسرى النصارى في معركة حطين، على الرغم من أن الصليبيين قد أذاقوا المسلمين ألوانا من الإيذاءات والمصائب.
 إن الإسلام عكس ما مارسه الرومانييون وغيرهم ضد العبيد عاملهم معاملة انسانية بحتة لأن ربهم قد أمرهم أن يعاملوهم على أحسن وجه، وألا يقولوا لهم كلمات جارحة، وأن يطعموهم مما يطعمون به أنفسهم، وأن يلبسوهم مما يلبسون، إذ قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه “لا يقولن عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم اماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاتي وفتاتي”
ويتضح أن الإسلام دين يحاول القضاء علی الرق مما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من تزويج بنت عمته زينب بنت جحش لولده الغلام زيد بن حارثة رضي الله عنهما في وقت كانت العرب فيه تفضل الحسب والنسب معيارا للزواج، وهذا أسامة بن زيد بن حارثة الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم في ساحة مؤتة وكان كبراء الإسلام كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما حاضرين.
وكم من حكومات إسلامية ازدهرت في تاريخ العالم تحت قيادة ملوك عبيد، كالحكومة المملوكية في الهند تحت زعامة محمد غوري، وكتب الدين ايبك، والحكومتين المملوكتين المعروفتين بالبحرية، والبرجية في مصر تحت سيف الدين برقوق وركن الدين بيبرس. ومن نوايا الإسلام أن يستأصل شأفة الاستعباد من المجتمع الإسلامي بطريقتين:

١) أن يعامل الرقيق معاملة حسنة حتى يتحسس بوجوده فلربما يطالب الحرية

٢) أن يضع أمورا تحفز على إعتاق الرقبة. منها ترغيبه بالإسلام للعتق كما قال الله تعالى: “فلا اقتحم العقبة. وما ادراك ما العقبة. فك رقبة” والعتق بالكفارات عندما يقترف المسلم ذنوبا كالحنث في الأيمان، والقتل الخطأ.
ومنها نظام أم الولد. وبهذا المنهج يحمي الإسلام الإماء من البغاء والدنس التي كانت منتشرة وقتها. فالسيد له أن يجامعها على أن يحسن معاملتها وأن ينف ما يكفيها، أليس هذا أحسن من أن تكون هؤلاء الإماء سلعة معروضة لكل من يريد البغاء؟ ثم عندما يموت سيدها تظل حرة وأولادها أيضا، ولا يجوز للسيد بيعها قبل موته. فالإسلام بنظام أم الولد يسعى إلی انشقاق سلسلة الرق من النسل. ومما سعی إليه الإسلام لإنهاء الرق هو منع ضرب السيد عبده أو أمته بما يتعدی الحدود التي وضعها الإسلام. فإذا كان ضربه مبرحا أو مسيلا للدماء فهو متخل عن عبوديته لقول النبي صلی الله عليه وسلم: “من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه”.
ومنها المكاتبة. من خلالها يستطيع العبد أن يطالب من سيده أن يحرره بمبلغ يعطيه إياه، فإذا ناوله المال يحرره السيد فمن الممكن أن يطرح سؤال كيف يمكن للعبد أن يجد المال وهو في الطبقة السفلی من المجتمع؟ إن الإسلام يأمر المسلمين أن يصرفوا سهما من زكاتهم إلی الرقاب أي العبيد، فهذا المال يساعد العبد كثيرا لقضاء وطره وكذا يحث الإسلام سادة العبيد أن يعينوا عليهم.
إما أن يعطوهم من مالهم، أو أن يحطوا عنهم شيء من مالهم. نستطيع أن نجد في صفحات التاريخ الإسلامي أنه استحسن علي كرم الله وجهه أن يكون ذلك من ربع ماله وابن مسعود رضي الله عنه الثلث. وقد رأی بعض العلماء أن هذه الإعانة تتحتم علی السيد. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی: “يجبر السيد علی الإعانة، ويحكم بها الحاكم علی الورثة إذا مات السيد ولم يعن عبده المكاتب بالمال. علاوة علی هذه الأعمال كلها، قد وردت أيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة تبدي فضائل عتق الرقبة. والصحابة الكرام كانوا يمارسون ويتباهون بأنهم قد أعتقوا كذا وكذا من العبيد.
ولكن، للأسف، بغض النظر عن كل ما سعی إليه الإسلام لإنهاء الرق، يقول الملاحدة ومن في شاكلتهم، الإسلام لم يلغ الرق نهائيا كما ألغی أبرهام لينكولن ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية! في الواقع، قد حرر لينكولن العبيد بجرة قلمه في أمريكا سنة ١٨٦٥ديسمبر ٦ ، هل كان ذلك ناجحا مئة بالمئة؟ العبيد الذين حررهم لم يكونوا ليقبلون تلك الطرفة، لأنهم أمضوا حياتهم بأعمالهم تحت أسيادهم، وحينما أطلق سراحهم لم يمكنهم أن يرجعوا إلی معاملهم وأن يجدوا ما يكسب لقمة عيشهم لذا يری العديد من المؤرخين أن التحرير المفاجئ في أمريكا قد باء بالفشل.
وكذا حال التمييز العنصري الذي كان سائدا في أمريكا وفي كثير من الدول الأوربية والذي يبقی ظاهرة حتی يومونا هذا. كم من أحداث تبرهن علی أن العبيد الأمريكيين خضعوا للتمييز العنصري حتی بعد تحريرهم. ها هو ذا أمامكم الملاكم الشهير محمد علي الذي اعتنق الإسلام بعد أن تصدی لشتائم كثيرة لمجرد كونه رجلا أسود، وهل ينسی العالم ما فعله الشرطي الأمريكي ضد جورج فلويد الشاب الأمريكي أفريقي حتی وافاه الأجل؟ ولم يكن غريبا أن تلحظ قبل سنوات في أمريكا التي تزعم أنها متحضرة الفنادق والمقاهي التي علقت في بواباتها لوحات تقول” ممنوع دخول السود والكلاب”! أية ثقافة هذه؟ إذاكان الحقد والتمييز لم يغادرا القلوب فكيف يمكن تحرير العبيد في المجتمع؟
هنا تتجلی أبهة الإسلام الذي جفف الحقد والتمييز من القلوب تجاه العبيد، ثم دعا إلى عتق الرقاب تدريجيا، فكيف يجرؤ الملاحدة والمستشرقون علی أن يثيروا التهم علی نظام الرق الذي كان في الإسلام قبل ١٤٠٠عام ولم يبق له أثر اليوم؟

المراجع
نظام الرق في الإسلام لعبد الله ناصح علوان
كتاب الشبهات لمحمد قطب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق