قراءات ودراسات

تحولات الحكاية في السرد الجزائري

علاَّل سنـﭭوﭭـة

استيقظ الوعي بالحكاية ولذة السرد لدى الكاتب الجزائري وهو بلا مرجعية آنفة فوقف مشدوها إلى جوها محاولا أن يرتاد فضاءاتها الصعبة فلم يكن له بد آخر غير أن يتخذ من الثورة مرجعا له ،وهكذا فبدل أنْ يعبّر عن عوالم الفردية؛ أخذ ينزع إلى تسخير قدرته الإنشائية للجماعة، أي أصبح يكتب للفكرة التي ترضى عنها الجماعة وتجد فيمن يؤلف فيها أصالة المبدع ويمكن أن نقيس علىالحكاية أنواع الخطابات الأخرى التي أخذت موضة ذلك الزمان ومازالت إلى حد الآن لدى البعض. يقول د. عبد الله ركيبي:” والقصة العربية الجزائرية وهي حديثة العهد، وجدت في الثورة منطلقا لها وطاقة خلاقة أعطت القصاصين الجزائريين مادة خصبة جديدة وفرت لهمك فرصة التجريب في الأسلوب أو في المضمون، وإذا بالواقع الحي الذي يكتب بالدم والبارود والتضحيات يفرض نفسه بأبعاده الإنسانية الشاملة وقيمه ومثله.. قيم الإنسان المعبرة عن نضاله وآماله وآلامه ومطامحه وتطلعاته “1

وهكذا، كان المسار مسطرًا مسبقا، لا أحد له الحق في الارتداد عنه ، كان مستحيلا ً الخروج عنه ، فكان ذلك ضد طبيعة ناموس الحكاية ، لأنها وجدت لتتعدد وتتلون وتتماهى  في المجهول والمطلق، فانعكس ذلك على إنتاجية القص، إذ بقي رهين اللحظة التاريخية الثورية  محاصرا بها من كل جانب، وككل تلفيق تاريخي؛ يقوم المثقفون بدور طلائعي فيه، فإن الحصار هذا فرضه المثقفون –خاصة الأدباء- في منابر الصحف والمجلات وما كان يسمح له بالذيوع والنشر تحت وصاية مؤسسات النشر “الثورية”  وما كان يلقى في مهرجانات الأدب والثقافة .

لكن هذا لا يعني هجانة هذا الإنتاج، فقد كان منه الذي “احتال” على هذا الوضع برؤية جمالية أعطت قيمة لطريقة إنتاج الثورة فنيًا، يمكن أن نشير إلى تجربة المرحوم عمار بلحسن في مجموعتيه القصصيتين “الأصوات” و”حرائق البحر” وواسيني الأعرج في “أسماك البر المتوحش” ومجمل إنتاج مرزاق بقطاش القصصي ولكن المستثنى قليل بالنظر إلى الكم الهائل من النصوص وكذلك في الرواية نجد رواية الطاهر وطار الكبيرة  “الحوات والقصر”.

تحرر وعي الكتابة ابتداءً من نهاية الثمانيات ،وهو ما تجلى على صعيد الأفق النفسي للكاتب، حيث أصبح لا يركن إلى حضن الأوثان ، كوثن الثورة ، بالمعنى التقليدي الخطابي لها في الكتابة ، يمكن القول أنّ الثقافة الوافدة شجّعته كثيرًا، خاصة التجريب في السرد ومنه الغرائبية والعجيب والفانتاستيكي في أمريكا اللاتينية على التحوّل، من العبادة والوقوف المستمر على الطابوهات المحرمة إلى العصيان والتمرد على كل ماهو دائم  وواجب الطاعة.

في هذه الفترة ،لم تعد فرنسا عدوًا ، في الوعي العام للمثقفين، بل أصبحت رافدًا مهمًّا من روافد المثاقفة، كما أنَّ رياح الانفتاح النسبي على التجربة السياسية الليبرالية سمحت بدخول إنتاجيات جديدة لـ” الحكاية “إلى السوق الأدبية الوطنية، ثم ما فرضه التحول الاجتماعي السوسيولوجي في الوعي الثقافي من ضرورة التحول الأدبي.

لقد ساهمت أحداث أكتوبر في خلاط الذاكرة الوطنية ، والخروج من طاعة المعبود الواحد الذي حكم الذهن الإبداعي منذ الاستقلال كما دفع المبدعين إلى عدم الإيمان بالدعاوى الرسولية الاقصائية  .

لهذا السبب لا نجد اليوم نزعة واضحة في الكتابة القصصية  في بلادنا، هناك توجهات مختلفة، جماليا وإيديولوجيا، فمثلا لا أحد يكتب مثل الطاهر وطار عندما يكتب ولا أحد يشابه واسيني الأعرج وهكذا… على العكس من ذلك نجد بين الكتاب الجدد بعض القواسم المتقاربة ، منها القضايا الوجودية والنفسية المرتبطة بالوضع السوسيولوجي الجديد.

لكن السمة البارزة في طريقة بناء الحكاية لدى الجيل الجديد هي العزلة والفردية، وهي نزعة تجعلنا نتساءل عن علاقتها بالذاكرة الماضوية وكيف أنها رهنت الإبداع الحكائي في شيء مخصوص لا يتعداه ولابد أن تساؤلات من بينها: هل تجارب الكتابة الجديدة هي تجارب أتت ردَّ فعل على القسر والظلم والإحباط الذي تعرَّض إليه المبدعون عبر تاريخ الحزب الواحد أم هي اجتهادات مشتتة تروم الاجتهاد والخروج عن سلطة الأب؟ وما جدوى أن تنحو الحكاية منحى بعض التجارب العالمية؛ إذ كثيرًا ما يخرج التقليد من التقليد ليدخل –بلا وعي ربما – في شكل آخر من التقليد؟ يجعلها ذات شرعنة معينة  وهو ما نلاحظه على أية حال على مستوى السؤال الثقافي والإبداعي الجزائري في العشرين سنة الماضية على أقصى تقدير لأنها تساؤلات تحاول التعرف على طبيعة هذا الوعي الخفي الذي يتحكم في اتجاهات الحكي المحلي.

الوعي الجديد في النص الحكائي يهدم القواعد الماضية، في حين أنه يلتزم أحيانا بقواعد جديدة تصبح مع مرور التجارب وثنا جديدا يهدد حرية الكتابة، وهو ما نلاحظه في وعي بعض الكتاب الشباب عندنا ،إذ يعتقدون أن كل ما هو قديم زمنيا ليس أدبا على الإطلاق، ويدعون إلى تجاوزه ( ويقصدون بالتجاوز التناسي والقطيعة والإهمال لا مساءلة جوهره وتفكيكه ) في حين أن المكتبات الوطنية تمتلئ بالقديم الكلاسيكي الفرنسي والإنجليزي، وما تنفك المطابع الفرنسية والانجليزية والمحلية تستنسخ منه الملايين ،بينما القديم العربي مهمل وإذا وجدته لم يسرك منظره، هذه الاحتفالية بالكلاسيكي لدى الغرب جاءت في اللحظة التي يدعو فيها البعض إلى ما بعد الحداثة وكأنها رديف نسيان القديم والماضي، وهي دليل استلاب الوعي وضعفه أمام تعدد الخطابات الثقافية ذات المحمولات الأيديولوجية الخفية والظاهرة.

تحولات الحكاية لا علاقة لها بلا زمن، إن إرادة الزمن لا يمكن أن تفعلا شيئا ذا بال، الملاحم العظيمة ما تزال خالدة على الرغم ما يفصلنا عنها من أزمنة  ، الإخوة كرامازوف، روايات الفانتاستيك لغابريال غارسيا ماركيز وهكذا دواليك ..فلماذا يعاكس بعضنا التاريخ؟ فمن الجديد ما هو غير مرتبط لا باللحظة ولا بأصالة الإبداع الخلاق؛ إنْ هو إلا هرطقات وهذيان غير معبَّأ لا بالمعرفة ولا برعشة الكاتب المتفاني في المشهد والعبارة والبناء ومن هنا ليست كل دعوة إلى هدم ما بناه السابقون حداثة ولا كل دعوة إلى التخندق في الماضي فلسفة في التراث والأصالة.

نحن نحتاج فقط أن نفهم كيفية تحول الحكاية وميكانزمات هذا التحول مرتبطة بالمعاناة والتجريب والتواضع بعد ذلك، والرغبة في التجاوز إلى ماهو يوتوبي وجديد ولذلك كانت الحكايات المتحولة محتفظة بسحرها وجاذبيتها التي لا تضاهى لتدخل دائرة الخلود بعد مسيرة من الزمن.

فيما ينشر اليوم، على أساس أنه ابن اللحظة، يفتقد إلى الإحساس بجمالية التلقي وضرورة التجاوز، خاصة في ظل هيمنة معايير غير جمالية في النشر، إلا بعض الاستثناءات القليلة التي تولدت من وعي حقيقي بضرورة بناء عوالم سردية غير مكررة للمرة الألف (نماذج مثل السعيد بوطاجين ، جمال فوغالي بشير مفتي حسين فيلالي، الخير شوار  وما إلى ذلك من أسماء الكتاب الجدد ) أما النماذج السابقة فلاشك في أن بعضها يجتهد في هذا الحقل مثل واسيني الأعرج على مستوى الرواية وأمين الزاوي، ففي كل مرة نطالع جديداً لهذين الكاتبين نجد بصمة الاجتهاد؛ ليس على مستوى التيمات فحسب بل على مستوى البنية السردية، بينما يعيش البعض الآخر من الكتاب في فضاء تناظري واحد لا يكادون يخرجون عنه، اعتقادا منهم أن ذلك يكرسهم ويجعلهم يبقون نموذجا يحتذى ويقتدى وفي ذلك مغالطة تدل على رغبة دفينة في كبح جماح التحول وهو من سنن الكتابة .

وفي حقل الثقافة العربية، نجد التجريب والاختلاف في الأدب والفلسفة والسوسيولوجيا بينما في داخل البلد يتضاءل التجريب كدليل على التواطؤ مع الجمود والسكون وفي ذلك يبرز الخطاب الأدبي الإبداعي السردي بشكل خاص مفتقدا إلى هذه النكهة المحفزة على التحول والتعدد على الرغم من عشرية كاملة من انهيار الأب الواحد .

أعتقد أن أغلب ما يكتب – خاصة ما يكتبه الكتاب الشباب- يأتي انطلاقا من الهواية لا الاحتراف وهو ما يعني أن التأليف لا يأخذ بعده التأسيسي بقدر ما يكون تزجية وقت وتنفيسا عن كرب وتعبيرا عن تلقائية غير منضبطة .

الفئة هذه ، تفتقد إلى المرجعية الضرورية ، بما في ذلك المكتسبات اللغوية البسيطة والاطلاع المؤكد على التجارب السردية في الوطن العربي على الأقل .

عند الحديث عن التحول ، يجب أن نضع في الحسبان أنَََََّ هناك ممكناتٍ كونية وأخرى بنيوية –كما يقول امبتو إيكو- والإمكان الأول قاربتْه السردية الجزائرية في مراحل تاريخية أكثر منها روائية أو قصصية ، بمعنى أنَّها ارتدادات الخارج في الداخل وليست بنيوية تأصيلية وهو ما يعني غياب الإمكان الثاني الذي نسعى للوصول إليه .

وهو أن يتحول النص السردي إلى عوالم إشكالية تحفز المتلقي على الصبر والأناة وإمعان النظر في المقروء وبالتالي أن لا يكون غرضها تصوير الحقائق بقدر ما يكون إعادة صياغتها أو فلسفتها وفق منظار الجمالي لا السوسيولوجي والعميق البنيوي لا الموضوعاتي الخارجي .

في هذا الصدد نخشى أن تتحول السردية الجزائرية إلى الخلف ، ففي العشرية الأخيرة أخرجت نصوص سردية تحاول أن تعطي للسردية صبغة جديدة : الشمعة والدهاليز ،ذاكرة الماء، المراسيم والجنائز ، البارانويا ، أرخبيل الذباب ، فتاوى زمن الموت ،ليل الفتنة …الانزلاق وهي كلها نصوص همها الأساسي أن تفضح البنية الاجتماعية والمعطيات السياسية والثقافية الجديدة في المجتمع الجزائري ، لكن القليل منها فقط من التفت إلى محاولة تأسيس الشكل ، أي تحقيق الاختلاف الحقيقي على مستوى البنية العميقة.

إن الحكاية ، يمكنها أن تأخذ الوجه الاختلافي ،لتؤسس لخصوصية ما ، على نحو ما هو موجود مثلا في المغرب وتونس إذا ما فتح المجال واسعا أمام التجريب والنقد معا وأتيحت الفرصة للكتاب المتمكّنين أن ينشروا أعمالهم وتناقش على مستوى أوسع بين المثقفين والمتلقين .

هوامش :

1- د.عبد الله ركيبي : الرواية الجزائرية العربية الحديثة بين الواقعية والالتزام ، الدار العربية للكتاب ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، ط1، الجزائر 1983

2-إمبرتو إيكو : القارئ في الحكاية ( التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية ) ترجمة :أنطوان أبو زيد ، المركز الثقافي العربي ، بيروت، لبنان ، ط1.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق