ثقافة السرد

عدالة

أعراب احمد*

كانت عقارب الساعة بطيئة تسير نحو اعلان منتصف الليل ، موعد اغلاق الحانة ، بعد ان تلفُظ من تاخر بهم الزمن وهم غافلون عن الوقت . كانت امامه ساعة من الزمن ليبلغ آخر درجات انتشائه ،ويفرغ ما تبقى في صدره من شجن قديم قدم تردده على هذه الحانة ، يقضي فيها معظم يومه ،قبل ان يعود الى البيت غائبا عن وعيه من شدة سكره لينام حتى وقت متأخر من الصباح ، فليس هناك من يشاركه البيت ممن قد يهتم لحاله فيوقضه ، ولا موعد عمل ينتظره وهو يقضي اجازته السنوية بعيدا عن بيت العائلة الذي آثر مغادرته من يوم التحاقه بوظيفته واصبح يتقاضى راتبا أغناه عن مد يده لابيه او احد اخوته .
نظر حوله الى زاوية قصية يسار باب الحانة ، تحت ضوء خافت رآه هناك وحده كما رآه اول مرة منذ اسبوعين ،
اخذ قنينة الجعة التي جاء بها النادل للتو ولم يفرغها بعد في جوفه ، اقترب منه ، لا يدري اي فضول دعاه لذلك ، القى التحية وجلس تحت انظار مشدوهة من الاخر الذي كان يتناول شرابه من قنينة ويسكي من نوع بلاك اند وايت لم يبق منها غير كاس او كاسين . لم يبد شارب زجاجة الويسكي اي انزعاج فقد خبر سلوكات الشاربين متى بلغوا حدا من السكر ، انفرجت شفتاه عن ابتسامة تكشفت عنها اسنانه البيضاء ،كمن يرحب بضيف غير مرغوب فيه. بادره بالسؤال ، أرى انك وحيد هنا لا احد يؤنسك ، وأنا كذلك كما ترى ، ولم اتجرأ على الجلوس اليك الا بعد ان ذهبت قناني البيرة بوعيي واحمرار وجهي عند الخجل ، فهل تسمح بالجلوس ؟ جاءه الجواب ممزوجا برائحة الويسكي وضحكة مستغربة سؤاله بعد ان كان قد جلس بدون استئذان . نظر اليه يتفحص قسمات وجهه وملامحه ، ادرك رغم سكره انه مختلف عن باقي رواد الحانة الذين ألِفَهم ، يعرفهم ويعرفونه . شاب لم يتم بعد عقده الرابع ، حليق الوجه وسيمه ، تتدلى من عنقه ربطة انيقة منسجمة تماما مع البذلة الرمادية الداكنة الغالية الثمن في تقديره . جرى بينهما حديث كذلك الذي يجري بين السكارى في مثل هذا الوقت من الليل ، حيث لا احد يهتم بما يقوله صاحبه رغم ما يصدر عنهما من ضحكات بين حين وآخر . اخذهما الحديث في مجريات شتى ، غير خاضع لعقل ولا لمنطق الا منطق المخمورين في منتصف الليل. جاء النادل يريد فبض اجر ما شربوا ، بعد ان اطفأ الاضواء الا قليلا منها إيذانا بموعد الاغلاق ، فقال له حسابي وحساب صديقي علي ، ولم يبد صديقه ، اي اعتراض لا على الصداقة المزعومة ولا على تسوية الحساب مع النادل .خرجا من الحانة معا ، سار صاحبه نحو سيارته ، وسار هو في اتجاه آخر مترنحا متمايلا وآثار السكر بادية عليه ، في انتظار سيارة اجرة تقله الى بيته. تثاقل خطوه ، أسند جسده الى عمود للكهرباء اعترض سبيله ، وراح يردد مقاطع من اغنية لمحمد رويشة لا ناظم بين مقاطعها . تراءت له اضواء سيارة قادمة ، لوح اليها بيده . توقفت السيارة . حمل جسده المتثاقل تحت تاثير البيرة ، فتح باب السيارة ، لم تكن سيارة اجرة ، نزل منها شرطيان ، امسكا به وهو لم يكد ينهي افراغ مثانته الممتلئة بالسائل الذي افقده وعيه ، تحركت السيارة نحو مخفر الشرطة دون ان يكلمه احد ولكنه تنبه بعد حين انه في حضرة رجال الامن الساهرين على امن المواطنين وراحتهم التي قد يقلقها الخارجون عن القانون المتسكعون في الشوارع ليلا وخاصة الذين هم في حالة سكر .
انفتح باب الزنزانة فاحت رائحة البول ممزوجة بشخير احدهم كان هانئا في نومه لا يدري على اي سرير القى بجسده المتعب بعد ان التقطته سيارة الشرطة هو الآخر مخمورا لا يعي شيئا مما حوله . دفعه الشرطي بقوة ، تعثر برجل احد المحبوسين ، سقط على الارض ، لم يتحرك من مكانه . استسلم وهو منبطح على الارض ، لثقل جسده ، فغط في نوم عميق. أيقظه آذان الفجر ، جاءه من خلال قضبان نافذة تكاد تلامس سقف الزنزاة ، مفتوحة على الشارع العام غير بعيد عن المسجد الذي يُسمع آذانه داخل الزنزانة كلما أذن المؤذن لصلاة من الصلوات الخمس اليومية . انتصب واقفا ، مذعورا ، لا يصدق عينيه بعد ان ازاح عن جسده رجلا ممدودة فوقه لا يعرف صاحبها اين باتت رجله. كان الضوء ينبعث من النافذة المعلقة في اعلى الجدار بمحاذاة السقف . نظر اليه احدهم كان قابعا في زاوية ، يبدو انه لم ينم طوال الليل ، وهو يلتهم دخان سجارته بنهم كبير وقد لا حظ من شكل لباسه ، اختلافه عمن شاركهم الزنزانة تلك الليلة . قال له : جاؤوا بك ليلا ، كنت غائبا عن وعيك تغمغم باغنية لمحمد رويشة : إناس إناس …لم يصدق عينيه ، كان معتادا على السكر في الحانة ذاتها ، وغالبا ما كانت مغامراته تنتهي به ملقى بين جدران بيته ممدا في زاوية على اريكة ، ان لم يهتد الى السرير . اي قدر ساقه الى هذه الزنزانة ليبيت بين السكارى والخارجين عن القانون بعد ان باغتتهم دورية الشرطة متلبسين بما يعاقب عليه القانون . ضل واقفا ساهما ، شاردا لا يستقر ذهنه على منحى واضح . تناسلت التساؤلات والاستفهامات ، بعضها يفضي لبعض. ليس عيبا شرب الخمر ببلادنا وان كان من المحرمات ، ولكن العيب ان تستيقظ صباحا لتجد نفسك مقبوضا عليك ، تنتظر ان تعرض على المحكمة بتهمة السكر العلني البين . مسكينة أمي ، هذا ما خطر بباله بوضوح بين .
مرت الساعات الاولى من صباح ذلك اليوم الاثنين خامس عشر من اكتوبر 2018 ثقيلة تنهش بعض ما تبقىى من صفاء ذهنه، غير مكترث بما تفوح به الزنزانة من روائح كريهة منبعثة من مرحاض ذهب الزمن ببابه ولم تطأه رجل المنظفة منذ أمد بعيد لانشغالها عنه بمكاتب المسؤولين.
على الساعة التاسعة توقفت عربة الشرطة امام المحكمة الابتدائية . نزل مقيد اليدين مطأطأ الرأس يتبع جماعة من المتهمين امثاله ، يرافقهم شرطيان يحملان بين ايديهما اوراق إدانته .
كانت التهمة واضحة ، السكر العلني البين ، مستوفية لجميع شروط ادانته باحدى العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي ، وكأن من حرر محضر الشرطة القضائية ، بينه وبينه عداوة دفينة، كان يتحين الفرصة للانتقام منه والنيل من سمعته وكرامته.
افتتحت الجلسة بالمناداة على المتهمين واحدا واحدا للنظر في المنسوب اليهم من تهم واصدار الاحكام المناسبة حسب اجتهاد القاضي وبعد نظره . طيلة انتظار ان ينادى عليه وهو ينظر الى القاضي رئيس الجلسة ، يتفخص وجهه وملامحه . تاكد انه هو أخر من جلس اليه ليلة امس ، قبل اغلاق الحانة . وتذكر جيدا انه كان قد ادى هو نفسه ثمن زجاجة الويسكي التي استهلكها هذا القاضي الشاب الوسيم ، بعد ان عده في لحظة من لحظات اللاوعي صديقا . انتابه شعور غريب انقبضت له نفسه واشتد بسببه غيضه . هز راسه ساخرا وابتسامة خفيفة تعلو شفتيه وهو يمني نفسه ان يتذكر من ينتظر حكمه عليه تفاصيل جلسته معه ليلة امس كما يتذكرها هو . اي سخف هذا ، القاضي يصدر احكامه اعتمادا على ما تتضمنه المحاضر والملفات المعروضة عليه من ادلة اثبات او نفي ، ولا يبالي بمن هو واقف امامه ، والا فما العدالة ؟
تمت المناداة عليه . تحرك من مكانه ليقف في قفص الاتهام حيث أُمر بالوقوف ، تعلقت عيناه بصورة الميزان المعلقة امامه في اعلى الجدار والمكتوب تحتها بخط بارز واضح : العدل اساس الملك. انتشله من شروده صوت القاضي يدعوه لرفع يده اليمنى والقسم على قول الحق ،تتابعت الاسئلة بدءا من اسمه وسنه ومهنته ، ثم جاء السؤال الذي كان ينتظره وقلبه ينط بين اضلعه كارنب هارب يخاف الوقوع بين فكي ثعلب ماكر يطارده . انت متهم بالمشي في الشارع العام مترنحا ، متمايلا مخمورا ، بعد منتصف الليل. الا تعلم اننا في بلد مسلم ، يحرم فيه شرب الخمر الذي رخصت الدولة بيعه لغير المسلمين في اطار سياسة تنمية وتنشيط السياحة ببلادنا .
رد على سؤال القاضي وتلك الابتسامة الماكرة ، الساخرة من موقفه السخيف ، البئيس الذي ما كان يتخيل يوما ان يقفه . قال : سيدي القاضي ، كنت في فضاء عمومي ،مرخص له ببيع الخمور على اختلاف انواعها من الجعة الى الويسكي ، صاحبها مسلم والعاملون بها مسلمون وروادها مسلمون ، او على الاقل هذا هو المفترض فيهم وهذا ما فهمته من لغة كلامهم وسحنات وجوههم التي تعلو كثيرا منها آثار بؤس وحرمان، وبالباب شرطيان بزيهم المغربي لا يسألون الوافدين الى الخمارة بطاقات هويتهم ليعرفوا ان كانوا مسلمين او نصارى او يهودا … خرجت من هناك امام مراى الشرطيان الذين بقيا هناك ينتظران انصراف الجميع في هدوء وكنا نفرا من الناس يزيد عن العشرة ، منهم من ركب سيارته الفخمة وانطلق لا يلوي على شيء الى بيته ليُتِم ما بقي من ليله بين احضان زوجته التي كانت لا شك تنتظر عودته بعد ان خرح مبكرا من البيت ، وهي طبعا لا تجرؤ على سؤاله عن تأخره وسكره ، ومنهم من سرى على رجليه يطلب بيته ، وكنت انا هناك انتظر سيارة اجرة تقلني الى بيتي ، فما الحرام وما المخالف للقانون في هذا كله ، ألا ترى سيدي القاضي ، انت المتأهب لاصدار حكمك علي ان في الامر التباسا بينا ما دام الامر لا يتعلق بشرب الخمر ولا بالمشي في حالة سكر ليلا في الشارع العام . الا ترى سيدي القاضي ان الحانات ببلادنا مفتوحة تستقبل زبائنها ليل نهار وان كثيرا من المتاجر تعرض منتوجاتها من الخمور للبيع علانية وفي واجهاتها الاكثر انفتاحا على الشوارع العمومية . أعترف سيدي القاضي انني شربت الجعة كام يشربها اغلب بسطاء هذه البلاد ومقهوريها ، ونحن بذلك نساهم في تنمية اقتصاد البلاد باعتبار بلدنا المسلم ينتج الجعة ، في حين ان علية القوم وذوي المناصب الادارية العالية يشربون اجود الخمور المستوردة وبذلك يسهمون في استنزاف مخزون الدولة من العملة الصعبة . دق القاضي بمطرقته على الطاولة ثلاثا طالبا الالتزام بالجواب على السؤال احتراما للمحكمة وهيئتها التي لا يهمها غير تطبيق القانون . الحكم بعد المداولة .
محكمة ، قالها العون بصوته الجهور الرخيم وكأن السنوات التي قضاها في خدمة العدالة ذهبت بصلابة حباله الصوتية ، دون ان تتيح له الارتقاء في سلم الاستفادة من خيرات البلاد وثرواته . أعادوه الى قفص الاتهام ، نشر القاضي اوراقه امامه استعدادا للنطق بالحكم . خائفا كان ، يرتجف ، ينتظر حكم المحكمة التي جاءها متلبسا بتهمة السكر العلني البين، وكان يامل وهو ينظر في قرارة نفسه لو كانت صداقته للسيد القاضي شارب الويسكي على حسابه فعلية واقعية ، فيرق قلبه لحاله ويصدر اخف الاحكام عليه . اما القاضي فكان ينظر اليه حائرا من امره ، متسائلا كيف يحكم على شارب الجعة الذي رآه بأموعينيه ، حين كان هو يشرب الويسكي ، دون ان ان ينسى جوده وسخاءه ، أهو حكم القوي على الضعيف ؟
صمت رهيب خيم على الحاضرين في قاعة الجلسات الاولى ، قبل ان ينطق القاضي بالحكم. والجميع يفكر في الامر ، ان كان الخمر حراما فهل يجب ان يعاقب عليه القانون ام ان الامر بيد الله يعاقب من يشاء ويعفو عمن يشاء . ان يعاقب عليه القانون ، معناه ان الدولة تستلهم قوانينها من تعاليم الدين وشرائعه وتسهر على تطبيقها حفاظا على المجتمع من المارقين والزنادقة والملحدين ، حتى لا تحل الأخلاق والقيم ويعم الفساد ويهتز ايمان المواطنين وثقتهموفي سلطة الدولة حامية حمى الملة والدين . ولكن ، ماذا عن انتاجه واستيراده وتوزيعه بترخيص من الدولة ، ماذا عن الحانات والكباريهات وافخم الفنادق المصنفة التي لا يرتادها ابناء الفقراء المستهلكين للمنتوج المحلي لعدم قدرتهم على أثمنة المعتق المسترورد الذي ينعم بحلاوته لذته كبار القوم وقليل من السواح النصارى الذين لا يعتبر شرب الخمر حراما عندهم . ازدادت الحيرة والصمت حدة واشتدت معه وطأة الترقب ، وطال الانتظار .

* الحسيمة / المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق