الموقع

جدال حول هوية قسنطينة

أثارت مقاطعة الفنانيْن الأمازيغييْن الكبيرين؛ يدير ولونيس آيت منڤلات، لنشاط برنامج ” قسنطينة عاصمة الثقافة العربية ” ردودَ أفعال جدالية لبعض المثقفين، منهم من أكـّد عروبة قسنطينة، ومنهم من أكـّد أمازيغيتها، وكلاهما قدّم رؤية تفتيتية بدل تقديم صورة شاملة. وقبل أن أبدي رأيي في هذا الجدال، أودّ في البداية أن أعلق على موقف الفنانين المذكورين. 

فلئن كنت أقرّ لهما بالحق في اختيار ما يناسبهما من المواقف، فإنني لا أخفي أسفي على عدم مشاركتهما في هذه التظاهرة الثقافية الكبيرة، باعتبارها فرصة سانحة تمكـّن الجزائريين أوّلا من تذوّق إبداعات عمالقة الأغنية القبائلية على  المباشر، ولتمتين اللحمة بين المكوّنين العربي والأمازيغي في هويتنا الجزائرية. كما أنها فرصة تتيح لهما أداء دور ” السفير” لتقديم صورة شاملة عن التنوع الثقافي الجزائري للعالم العربي، الذي يعتبر- تاريخيا- عمقا استراتيجيا لشمال إفريقيا منذ العهود القديمة، بشهادة الشعراء الأمازيغ القدامى الذين تغنوا بمصر والشام والحجاز، ولا يزال هذا الشعر محفوظا بين طيات الكتب وثناياها. ثم هل يُفهم من هذا الموقف المقاطع للتظاهرة، أن هذين الفنانين الكبيرين قد استهدفا جمهور العالم العربي، علما أن الفنان يدير قد سبق له أن شارك في بعض مهرجانات الأغنية العربية في الماضي؟ أخشى أن تكون الثقافة قد ذهبت ضحية لإيديولوجية ضيقة، تهدف إلى إخراج الأمازيغية من وعائها الحضاري الطبيعي المتمثل في وعاء الحضارة الإسلامية، لربطها بوعاء الحضارة اللاتينية الغربية.

وبالنسبة للجدال القائم حول هُوية مدينة قسنطينة ( أهي أمازيغية أم عربية؟ )، فلا أخفي على القرّاء أنه ترك جرحا غائرا في نفسي، لأنه أعادنا إلى نقطة ” الصفر” التي كنا نعتقد أنها وراء ظهورنا، فمن شأن هذا الجدال العاطفي أن يكرّس علاقة تصادمية بين البعدين الأمازيغي والعربي في واقعنا الثقافي، نتيجة ترجيح المقاربة الإيديولوجية الضيّقة على المقاربة المعرفية. وكان من المفروض أن يختفي هذا الطرح التنافري، المنجب  للبغضاء والشنآن والعداوة بين أبناء الوطن الواحد، مباشرة بعد تعديل الدستور سنة 2002م، الذي أدرج الأمازيغية لغة وطنية ثانية. كان من المفروض أن تصبّ الآن كل الجهود، حول مناقشة أساليب ترقيتها وتطويرها، التي من شأنها أن تساعدنا على ربح الوقت، وعلى توجيه مسار العمل في الاتجاه الصحيح.  

لا أدري كيف سمح البعض لأنفسهم باختزال تاريخ قسنطينة في المكوّن العربي فقط؟ ولا أفهم كيف تجرّأ البعض الآخر على اختزال المدينة في المكوّن الأمازيغي فقط؟ لأن الحقيقة تؤكد أن المكوّنين معا يشكلان هوية المدينة. وعليه فليس من العلمية أن نوقف التاريخ في الحقبة القديمة، كما أنه ليس من الموضوعية أن نقفز على العهود الأمازيغية لنتكفي فقط بالوجه العربي للمدينة.

وإذا أردنا أن نقارن مقارنة مادية بين المكوّنين الأمازيغي والعربي في المدينة، فلا شك أن الكفة ستميل كل الميل لصالح الثقافة العربية باعتبارها ثقافة غالبة. لكن عندما يتعلق الأمر بمسألة الهوية والشخصية، فلا يصحّ أن نهمل المكوّن الآخر الواقع في ظل المكوّن القويّ، لما له من رمزية ثقافية وهوياتيّة، فالاستخفاف به يعدّ خطأ جسيما قد يكلفنا  ثمنا غاليا.

علينا أن نتحلى بالروح العلمية وأن نقدم رؤية المؤرخ الموضوعية في تعاملنا مع تاريخ قسنطينة، وعلينا أن تستلهم الحكمة من حياة رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس (وهو ابن قسنطينة) خادم الإسلام والعربية، الذي أكـّد انتماءه الأمازيغي، حينما وقـّع مقاله الموسوم: ” ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان” باسم عبد الحميد بن باديس الصنهاجي ( وصنهاجة قبيلة كبيرة من قبائل الأمازيغ)، والمقال منشور في مجلة الشهاب، في العدد الصادر في شهر فيفري 1936م.

ولعل من المجالات التي تجلت فيها ” الرؤية الثاقبة” للحركة الإصلاحية الفكرية الجزائرية، الناشطة في عهد الاستعمار الفرنسي، إبرازها للمكوّن الأمازيغي في تاريخ الجزائر لاعتبارات علمية وسياسية، هدفها بعث الروح الوطنية في صفوف الجزائريين وإقناعهم بالعمل من أجل استرجاع المجد التليد. فقد أفاض المؤرخ مبارك الميلي في الحديث عن الحقبة الأمازيغية في كتابه ” تاريخ الجزائر في القديم والحديث” الصادر سنة 1928م، وسار على نهجه من بعده أحمد توفيق المدني في كتابه الموسوم:” كتاب الجزائر” الصادر سنة 1931م، ومن بعده المؤرخ عبد الرحمن الجيلالي في كتابه: ” تاريخ الجزائر العام” الصادر سنة 1954م. ولا شك أن التاريخ القديم لمدينة قسنطينة المرتبط بالحقبة الأمازيغية، قد أدرج بقوّة ضمن هذه المؤلفات.    

وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدرج بعض شعراء الحركة الإصلاحية، المكوّن الأمازيغي ضمن اهتماماتهم التاريخية، لتوجيه رسائل سياسية مشفرة للاستعمار الفرنسي، مفادها أن الجزائر واحدة موحّدة رغم تعدد مكوّناتها الثقافية، وأن أصالتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، الأمر الذي يجعل تحرّرها قضية وقت فقط. وفي هذا السياق أشار الشيخ أحمد سحنون في قصيدة له بعنوان:” العامل الجزائري”، التي مطلعها:

أخوض غمار العمل <<>>  وأهوى حياة الكـفاح

لأقطف زهـر الأمل  <<>>  وأجني ثمار النجـاح

أشار الشاعر فيها بحماس إلى  البعد الأمازيغي قائلا:

أنا ابن الجزائر من <<>> لـه مثــل آبائـــيهْ؟

أنا ابن الأمازيغ لن <<>> أذل لأعــدائــــيهْ

وهكذا فلا شيء يبرّر التنكر للبعد الأمازيغي في تاريخ قسنطينة. ومهما كان تحمّسنا للقومية العربية، فلا يجب أن نقفز على التاريخ. فهناك من الطرائق المعقولة ما يمكـّنـنا من خدمة مشروع  الوحدة العربية الذي تشرئب إليه الأعناق، دون أن نتنكر للخصوصية المحلية، بدليل أن  إخواننا المشارقة الحاضنين لمشروع القومية العربية بشكل كبير، قد عضوا بالنواجذ  على عمقهم التاريخيّ. فقد جعل المصريون حضارة الفراعنة رمزا من رموز الدولة، كما تبوّأت الحضارة الفينيقية مقاما محمودا في هوية لبنان، أمّا في العراق فحدّث ولا حرج، إذ نجد الحضارات القديمة(السومرية والكلدانية والبابلية والآشورية) علامة بارزة في ثقافتها.  

إن التاريخ كالنهر، هو سيل متدفق من الأحداث، فلا يمكن تجزئته وتفتيته إلى منبع وإلى مصب، فالنهر نهر بمنبعه ومصبه. ومدينة قسنطينة هي قسنطينة ببعديْها الأمازيغي والعربي. واختيارها عاصمة للثقافة العربية لسنة 2015م، هي فرصة سانحة لتمتين اللحمة مع وعائنا الحضاري الأكبر، وعاء الحضارة العربية الإسلامية التي جعل الله لها التنوع الثقافي وتعدد الألسن آية من آياته.

د. محمد أرزقي فراد*
كاتب ومؤرخ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق