ثقافة المقال

وللأدب حكاية ..

بقلم: منير مزليني

.. وللأدب حكاية أيضا، حكاية قديمة، قدم الحياة الإنسانية نفسها، ومتجددة بتجدد الأنفاس المتصاعدة فينا، جيلا بعد جيل.. تبدأ مع الكلمات الأولى التي لقي بها آدم حواء ، وهو في شدّة الاندهاش والشوق .. لتستمر مع نسله ، مرورا بملحمة جلجامش من حضارة ما بين النهرين السومرية والآشورية والبابلية ثم ملحمة الإلياذة والأوديسة من الحضارة الإغريقية ، وصولا إلى المعلقات العربية .. أجيال تتعقبها أجيال، وحضارات تتعقبها حضارات، والأدب فيها يتجدد ويتلون بتلون الثقافات على مختلف مشاربها، ويتنوع بتنوع الألسن وتباينها.. والسؤال القديم دوما يتجدد بالطرح حول، ماهية الأدب، وغايته ؟

وحتى لا أتوغل عميقا في التاريخ ، وأذهب بعيدا .. أذكر أنه وقعت لي حكاية في هذا السياق مع أستاذ محاضر وكاتب مرموق ، كان ذلك في بداية التسعينيات وفي إحدى الملتقيات الأدبية بمدينة عنابة ، أين قدم  هذا الأستاذ مداخلة حول الأدب والبيئة ، عرض من خلالها بعض النصوص الأدبية التي اهتمت بالبيئة ووظفتها كموضوع لطرحه ، ثم دعا من خلالها معشر الأدباء إلى  تضمين مسألة البيئة في نصوصهم والدعوة إلى حمايتها . ثم فتح النقاش وكنت من المتدخلين ، وأذكر أنني عارضت طرحه صراحة ، بحجة أن الأدب فن و جوهر قائم بذاته ، وليس وسيلة دعائية لأي موضوع مهما كان شكله أو نوعه ، لكونه حينها سوف يفقد أدبيته وغايته الفنية ولن يكون حينها أدبا ! .. لكن يبدوا أن هذا التدخل لم يعجب الأستاذ المحترم ، فتجاهله أثناء الإجابة ، غرته حداثة سني وحماسة شبابي في ذلك الوقت .. على الرغم من جدية الطرح وأهميته الفكرية والفلسفية ، والذي طالما كان محل جدال الأولين والآخرين من الأدباء والكتاب .. وأذكر في هذا السياق ما وقع بين الأدبين الكبيرين ( أحمد أمين ) و ( توفيق الحكيم ) من جدال حول هذا الطرح ذاته ، حينما كتب الأديب ( أحمد أمين ) مقال في مجلة الثقافة سنة 1944 يدور موضوعه حول ( غاية الأدب والفن ) يقول فيه أحمد أمين مستشهدا بالأدب الأمريكي حينذاك : ( هذا هو الأدب الأمريكي يحمل لواءه اليوم رجال مارسوا الحياة العملية في شتى شئونها ، ثم لم يكتبوا في خيال وأوهام وأحلام ، إنما يكتبون أكثر ما يكتبون في مشكلاتهم الحالية ، ومسائلهم اليومية . وحياتهم الاجتماعية ! … وأكثر هؤلاء لا يستوحون أساطير اليونان والرومان ” وإنما يستوحون مجتمعهم وما فيه وما يصبوا إليه ؛ فللأدب العربي أن يستوحي ” امرأ القيس ” أو ” شهرزاد ” ! …ولكن يجب أن يكون ذلك نوعا من الأدب ، لا كل نوع ، ولا هو النوع الغالب، ولا هو الأرقى .. )  .. لم تستطع هذه الأفكار أن تجد مكان تحت شمس فكر توفيق الحكيم ، والذي رأى فيها نوعا من التجني على الأدب ـ ليست على طريقة زكي مبارك ـ ولم يلبث أن ردّ على هذا المقال بمثله ، معارضا الطرح جملة وتفصيلا ، إذ يرى أنه ليس على الأدب أن يهتم بالشؤون المادية للحياة ومطالبها النفعية وعليه أن يترفع عنها إلى ما هو أسمى وأرقى ويحتفظ بمتعته الذهنية ومقامه الروحي .. فيقول : ” كلا .. لا ينبغي أن نملي على الفن اتجاها بعينه ، ولا يجوز لنا أن نوصيه بارتداء لباس الحكمة الرزينة ، أو رداء الإصلاح الوقور ! .. إلاّ أن يشاء هو ويرضى ؛ لأننا إذا أرغمناه سخر منا ، وجعل من أردية رزانتنا ووقارنا أثوابا مساخر ، وقلب بسحره أثواب الهزل خلودا تنحني أمامه الجباه على الرغم منا .. لقد أصاب ( أندري جيد ) إذ قال : ” إن الفن لا ينبغي له أن يثبت شيئا ، ولا أن ينفي شيئا … لأن الفن العالي ليس أداة للجدل … إنما هو شيء كالسحر ينفذ إلى النفوس فيحدث فيها أشياء “… إن الفنان ليس مصلحا، ولكنه هو صانع المصلح ! …كل أولئك المصلحين من ملوك وزعماء وساسة ؛ ما كونهم وهيأتهم لرسالات الإصلاح غير أدب الأدباء ، وشعر الشعراء ، وفن الفنانين !  … ولم يستطع الكاتب الكبير ( العقاد ) أن يظل متفرجا على الجدال الدائر بينهما ، وعلق على النقاش الذي دار بين صديقيه وعلى طريقته وبأسلوبه قائلا : ” إن اتجاه التاريخ متقدم من الاجتماعية إلى الفردية ” .. مؤيدا بذلك رأي توفيق الحكيم ، وهو الذي كان قد خاض سابقا الجدال نفسه في الموضوع عينه مع الكاتب ( سلامة موسى ) !  .

إن الأمر لم يتوقف ومازال الطرح يتجدد مرّة بعد مرة ، تجرفهم إليه مشاغل الحياة المختلفة من اجتماع وسياسة واقتصاد ودين . فلا تخمد له نار ولا يروى منه ظامئ !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق