ثقافة المقال

بوح في زمن منكود

بقلم: شهربان معدّي 

ملعونة هي الأيام تنال من مبدع دمشقي، ينفخ سحره في الزجاج الملون، ليتحول إلى تحف مُبْهِجَة تأسر العين من صنع قلبه وفمه ويديه، حينما يخونه حظه لحفظ هذا التراث.. تراث مجيد لكن أتعابه لم تعد تسد رمق العيش.

قاسية هي الأيام على رجلٍ عاثر الحظ، يعرض لمن يشتري في سوق الخردة في حيفا، محراث جده القديم، المصنوع من خشب السنديان، ونمنمات تطريز نادرة عثر عليها في نملية جدته.. النازحة من قرية البرّوَة المهجّرة..

جائرة هي الأيام على عجوز مقدسية، عاشت أكثر مما ينبغي بلا معيل، فغامت عيناها واحدودب ظهرها وتعبت في يدها عصاها، وهي تعرض بسطتها مع أول خيوط الفجر في كل صباح، لتبيع بجانب باب العمود.. الفجل والبقدونس و القرصعنة والزعتر..

متعسّفة هي الأيام بحق بائع كهل هاجر بنوه وراء البحار، ليحمل على ظهره وعاء العرقسوس، يتجول وحيدا في أزقة يافا العتيقة يدق الأكواب كصناجة بين يديه.

ظالمة هي الأيام على أرملة حورانية، تدغش كل صباح وتجلس على رصيف الفاقة والعوز، لتبيع خبز الصاج الساخن المُتبل بزيت الزيتون والزعتر، لتعيل يتامى بعمر الورد..

جاحدة هي الأيام بحق فلاح سوداني؛ ثابت كعود الصندل، دمّر له الطميّ والفيضان، غلال الفول السوداني، وجرار السمن البلديّ، وحفل زواج ابنه البكر..

حاقدة هي الأيام على أم مصرية؛ ربت ابنتيها بدمع العين ونبض القلب، ليقطّع أوصالهن والد غبيُ متعصب ومهووس، بسبب دردشات بريئة على الإنستجرام.

طاغية هي الأيام على صبيّ يمنيّ يتيم؛ يجمع قوارير البلاستيك؛ وعبوات الكوكاكولا الفارغة، ليسد رمق اخوته الصغار، وقد فقد الأهل والدار..

عقيرة هي الأيام على عوانس برقة النسيم، يبعن وقتهن على منصات التواصل الإجتماعيّ، وقد دفعن زهوة عمّرهن ثمن أزمة السكن والبطالة وقلة الموارد..

قاهرة هي الأيام لفهلويّ خذلته مهاراته، وشطارته ومكره، وفي قمّة نجاحه..؟ لم تسعف جائحة الكورونا حتى أقرب الناس إليه، لتوديعه الوداع الأخير..

ضنينة هي الأيام على “خيّاطة العرايس” عاشت نصف قرن خلف ماكينة الخياطة؛ تخيّط فساتين العرائس، بأنامل الروح، وتطرزها بنبض القلب، وتستقبل زبوناتها بوجه طافح بالنور والبِشّرِ.. وعندما رحلت..؟ وريت الثرى دون حضور أحد، ودون أن يُفتح لها بيت عزاء..

ثقيلة هي الأيام.. والساعات واللحظات؛ علينا جميعنا، في ظل فيروس لا تراه العين، وما ترتب عليه من تداعيات في العادات والمفاهيم والأعراف في شتى المجالات.

كل شيء أصبح ثقيلاً في هذا الزمن الرديء.. حتى الحروف والكلمات المتفائلة بلون الربيع؟ باتت بائسة، حزينة، يعلوها الإصفرار؛ ويستوطنها اليباب..

*كاتبة من الجليل

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق