ثقافة السرد

فصل من رواية: سييرا دي مويرتي

عبد الوهاب عيساوي

كنت قد نسيت اللجنة الانجليزية، وعندما رأيت السيارة تتجه إلى الربوة، فكرت في آلاف الاحتمالات، وأنا أراقب التجمع المريب للمعتقلين، لم يكن الاسبان فقط هناك، واستنتجت أنهم اجتمعوا مثلما اجتمعنا، ثم توقفت السيارة عند باب الإدارة ونزل منها ممثلوا القنصل، وفجأة نزل القنصل أيضا من السيارة، لم أكن لأعرفه، ولكن بيير تفاجأ وهو يراه، ونحن واقفين عند باب العيادة، نوزع أعيننا ما بين تجمع المعتقلين، والإستقبال الحار الذي أعده المدير للقنصل، دخلوا جميعا إلى مكتبه، ماعدا غرافال الذي انتبه لما يحدث في الساحة، سار تجاههم وطلب إليهم أن يتفرقوا، ولكنهم رفضوا، وكرر طلبه قبل أن يطلب من الحراس أن يحيطوا بهم، ولدقائق قضاها القنصل بالداخل، امتد إليه الصراخ، خرج برفقة المدير والممثلين، وذهلوا وهم يرون الجميع وفي مقدمتهم الاسبان. كانوا يصرخون ويطلبون من القنصل أخذهم معه، ولكنه صعد إلى السيارة وغادرت بصعوبة من بينهم، وغادر في إثرهم المدير، وبقيت أراقب ماذا سيفعل غرافال بهم، اشتد غضبه على الحراس العرب وأمرهم بأن يلتحقوا بمن سبقهم من الفرنسيين، وأن يتقدموهم بمواجهتهم، ثم صرخ أن يفصلوا الاسبان مثيري المشاكل عن الجمع، ولكنهم لم ينفصلوا وظلوا يصرخون وينادون على القنصل الذي غابت سيارته في الاسفل، وإلى هنا بدا الأمر عاديا، ولكن بعد لحظات ازداد حنق غرافال، نظر إليهم وكأنه يريد أن يقول لهم، أنتم الذين اضطررتموني لذلك، وصرخ بالحراس العرب أن يصوبوا أسلحتهم تجاه المحتجين، وصوبوها مهددين كي يوقفوا تقدمهم، ثم أمرهم بأطلاق النار، وما إن سمعت أمره حتى فزعت، وأوشكت على السقوط، ماذا يريد أن يفعل هذا المجنون؟ وهو يطلب منهم أن يقتلوا أكثر من مئة شخص، وكرر صراخه على الحراس العرب، وهنا سمعت صوتا آخر يرتفع، ويطلب إليهم أن يخفضوا أسلحتهم، وظهر الصبائحي على فرسه، ثم نزل وهو يعبر البوابة، ونظر إلى أصدقائه من الحراس نظرة عتاب، ولكنها بدت أكثر قسوة وهو يرفعها تجاه غرافال : لسنا نحن الذين نرفع السلاح في وجه الأسير، يا سيد غرافال. ازداد حنقه وهو يسمع عبارات التحدي منه، وتقدم منه، لكنه لم يجرؤ أن يرفع يده، أو يقوم بأي حركة، عطلته نظرة الصبائحي القاسية، وجعلته يكرر نفس الكلمات : افصلوا الإسبان..افصلوا الإسبان. وللحظات هدأت الثورة وتفرق الجمع، ولكن الحراس قادوا مجموعة الاسبان الثائرين إلى كافارولي، رأيتهم ينحدرون وتنهدت أن الأمر بلغ هذا الحد، ولم يجاوزه، لكنت الآن أعد الجثث، وربما لخرجت من جلفا كحفار للقبور.
الذي فعله الصبائحي ذلك اليوم، جعلني أفكر كثيرا في الله، وأنا الذي كنت في قطيعة مع الدين، لم أستوعب كيف أمكن له أن يحمل ذلك المقدار من الإيمان ، وكل الأشياء التي تحيط به لا تعطيه أي مبرر لوجوده، على الأقل ليصحح الأخطاء التي يرتكبها البشر باسمه، ثم فجأة يصرخ عليهم أن ينزلوا أسلحتم، لأن الله لا يوافق على قتل الأسير، عن أي إله كان يتكلم؟ أجزم أنه ليس الذي يؤمن به غرافال أو السيد كابوش،  ولن يعرفه أحد من الذين أوشكوا أن يقتلوا يومها، ولكنهم مثلي سيفكرون في هذا الإله الطيب الذي وقف بينهم وبين الرصاص، ومنعه من أن يخرج من فوهات البنادق. الطبيب أيضا دهش من تصرفه رئيس الحرس، وتخيله شخصا آخر، لم يعتقد أن ينحو هذا المنحى، ولكنه استوعبه أكثر مني، وأنا الذي لم أستطع أن أتجاوز الحادثة، حتى بعد سنوات بعيدة، استيقظت فجأة ، وكأنني رأيت حلما امتد لأكثر من سبعين سنة.
وقفت على الربوة أراقب الطريق التي تؤدي إلى كافارولي، وتذكرت الثوار الذين ساروا بهم إلى هناك، وقلت : لن يسمحوا لهم بإشعال النار، وأوشكت أن أسأل الطبيب إن صاروا يسمحون بها، أم أن القوانين لم تتغير، وصمت عندما رأيته يدخل متعبا، وكأنه عائد من سفر طويل، وضع المحفظة وانهار على الكرسي، ولم يتكلم إلا بعد أن دخن ثلاث سجائر: اللعنة على المعتقلات، لم يعد مبررا كل ما يحدث، يجب أن أرحل من هنا، أشعر أنني أشيخ هنا يوما بعد يوم، يجب أن أرحل يا مانويل. لم أعرف كيف تحول موقفه هكذا، شككت أن الأمر له علاقة بما حدث قبل أيام، ولكنه لم يصرح لي، كما لم يحتج إلى تصريح، كل شيء واضح إلا للذي لا يريد أن يراه، هذه السهوب الموحشة تقتلنا كل يوم، بعيدا عن أوروبا، ويجب أن نرحل مبتعدين عنها، وجميع الأسئلة التي طرحتها في يوم ما، على نفسي حول الطبيب، بدأت تتجسد اليوم أمامي، وخشيت أن ينحدر قبل أن يحقق حلمه هو أيضا، صار كل شيء ممكنا هنا، ولا قوانين تحدد الحياة بالنسبة للبشر، وهكذا ودعت الطبيب وحملت نفسي إلى الكوخ مبكرا.
عندما بدأت الظلمة في الانتشار، وعبقت رائحة الخشب المحترق بين الأكواخ، وقف عند الباب، وعندما سمعته ينادي باسمي، خرجت إليه، وتفاجأت بالحارس يطالعني، ويطلب إليّ السير معه إلى مكتب المدير، كان الوقت متأخرا، والدوام انتهى منذ ساعات، ولأني لم أر سيارة المدير تغادر المعتقل، ارتديت معطفي وانضممت إليه، ترافقنا حتى بلغنا الإدارة، وقد خلت من الموظفين، ثم تجاوزنا الرواق حتى وقفت أمام مكتب المدير، وقبل أن أطرق الباب فتحه، دخلت بتثاقل. لم تغادرني نظرة الريبة وأنا اسير مع الحارس، والهواجس التي تقول أن غرافال قد اكتشف خطتي، بعد أن اطلع على الوثائق، وأرسل الحارس ليقودني إلى الكمين، كتمت خوفي إلى أن بلغت الإدارة، أما وأنا أقف عند باب المدير فقد زالت كل الهواجس، وتأكدت أنه لم يحدث شيء مما فكرت به، وجلست أقابله، وهو يتأملني دون كلمات، ويعبث بقلم فضي بين أصابعه، لأكثر من نصف ساعة بقينا هكذا، ولم أجرؤ على سؤاله، وهو يطالعني بالنظرة الغريبة التي لم أتكهن منها أي شعور،  ثم عدّل نفسه على الكرسي ونظر إلي :

بماذا تفكر يا سيد مانويل في هذه اللحظة؟
في سييرا دي مويرتي.
ولماذا؟
ربما لأنها الخيبة الأولى.
وهل هناك خيبات أخرى؟
أجل، ولكنها ليست بنفس القسوة.
وعين الأسرار، ألا تعتقد أنها أيضا قاسية ؟
أجل، رأيتها أكثر قسوة من سييرا في وجه بابلو والذين سرتم بهم إلى كافارولي.
غدا سيعودون، لا تهتم لأمرهم.
هذا جيد.
ألا تريد المغادرة من هنا يا مانويل؟
أتصدقني لو قلت لك أن روحي التي تنشد الرحيل، تأسف وهي تعلم أنها ستضيع في العالم، غير قادرة على دخول اسبانيا.

صمت لحظتها السيد كابوش، مفكرا في جملتي الأخيرة وسحب الأوراق التي أمامه، أمضاها بسرعة، وأخرج من درج المكتب ظرفا سلمه لي، حينما فتحته تفاجأت بالصور به، ثم أردف: لقد احتفظت بالتي أخذتها مع الحراس والجنود، ثم وقف وسلمني ظرفا أصغر حجما، وقال : سعدت بالتعرف عليك سيد مانويل، لا أريد أن أراك هنا غدا صباحا.
حدث كل شيء فجأة، ولم أستوعبها إلا وأنا في الكوخ، وعلى ضوء المصباح  الزيتي تأملت الصور، وقرأت التصريح آلاف المرات، لم أصدق ما جاء فيه، والطريقة التي افتعلها المدير وهو يودعني، تأكدت من حدس المحامي، وحدست بأن الخطة ستفشل إذا ما اتصل المدير بالمسؤولين في الجزائر أو فيشي، وهكذا حزمت امتعتي، وانتظرت الفجر بعين لم تعرف النوم.
لم يكن مجديا أن أودع أحدا، شعرت بأني ارتكبت مؤامرة اشتركت فيها مع المدير، وسحبت نفسي حتى البوابة، رآني الحراس ولوحوا لي بأيديهم مثلما اعتادوا أن يفعلوا أيام الآحاد، وانحدرت تحت ضوء الفجر البنفسجي، وقد وزع سحره على المدى الواسع، الذي ازداد وحشة مع رحيلي، وإلى أن عبرت الجسر لم التفت، ولكني عندما تأكدت أن الخطوات صارت معدودة على بوابة المدينة التفت إلى المعتقل، وارتفعت ربوة عين الأسرار، شامخة في وجه الريح، غير عابئة بأحد، غيري أنا وبابلو الوحيدين اللذين خلقا الاستثناء، وخرجا من المعتقل بطريقة مختلفة، للحظات تجاوزت بوابة المدينة، وسرت عبر شارع بوا دو جيلبار حتى بلغت ثكنة الخيالة، ورأيت الصبائحي يسحب لجام فرسه، وبدا لي يومها مثل نبي، قدم من بادية قديمة، من أجل أن يوقف انهمار الدماء في المدن العارية، اقتربت منه وودعته بعناق طويل، وبحثت عن سيارة تقلني إلى الجزائر، وبعد ساعة كنت أطل من خلف مرآتها على بوابة المدينة.
بدت جلفا من بعيد مثل حلم حدث ذات ليلة قديمة، أو آية يديشية نحتها كورسكي على قبري، الذي قدرت أن بابلو قفز من فوق الأسلاك الشائكة من أجل أن يحفره في المجحودة، والسلمي سيحملني مثل المنفى في التابوت، ويرميني في الواد، وسيكون رحيما مثل البحر، ويناغيني حتى أبلغ المقبرة، وحين أعود أكتب السيرة الانسانية، التي طلبها الطبيب، وسيكون شاهدا أيضا عندما يسألونه : هل كان بالفعل الصبائحي أحمد ذلك اليوم نبيا أم لا؟  سيجيب بالصدق، ولكنه يطلب منهم أيضا أن يسألوا مانويل، وتبدأ الأفواه في نطق اسمي مانويل مانويل….ولن أكون هناك، لأنني أقف على ظهر الباخرة التي تعبر الأطلنطي أنا وزوجتي باتريسيا نرحل إلى المكسيك، نضيع من أجل الحصول على وطن بديل عن إسبانيا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق