حوارات هامة

“الجندر”.. يغزو مجتمعاتنا العربية..

حوار مع د.السيد إبراهيم

أجرته الكاتبة السورية روعة محسن الدندن

أطل على المجتمع العربي في الأعوام الأخيرة ما يعرف بالجندر أو النوع الاجتماعي، وربما اقتصر الموضوع في أول الأمر على بعض النخب الثقافية التي تهتم به، وقد كان للدكتور السيد إبراهيم أحمد عددا من المقالات والدراسات التي نشرت والتي لم تنشر بعد حوله، ولقد رأيت من واجبي أن أحاوره حول هذا الموضوع لما لمسته من كونه خطرا يغزو مجتمعاتنا العربية، دعوني أرحب بضيفي الكريم في مستهل حواري معه:

ـ ذكرت يا دكتور أن هناك إشكالية في تعريف مصطلح “الجندر” تتعلق بترجمته؟

ـ دعيني أولا أرحب بجنابك الكريم كاتبتنا الكبيرة الأستاذة روعة الدندن وبقرائك الكرام..

وأقول مستعينا بالله تعالى، نعم مازال مصطلح الجندر(Gender) يمثل معاناة لمن أراد ترجمته، ولابد من ترجمته؛ لأنه المصطلح الذي تدور حوله معظم مصطلحات الأمم المتحدة التي تتناول موضوع التنوع الاجتماعي، كما لا يزال الخلاف دائرا حول بداية خروجه للعالم، هناك من يرى أنه قد ظهر لأول مرة عام 1979 في الفقرة التمهيدية لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والمعروفة اختصارا باسم “سيداو”، غير أن الوفود الحاضرة من الدول الإسلامية لم تنتبه له، وذلك لأنه ورد مرة واحدة فقط، كما ترجمته في النسخة العربية وقتها في الاتفاقية جاءت بمعنى المساواة بين الجنسين، وهي ترجمة خاطئة وربما تكون مقصودة، ثم جاء ذكر “الجندر” في وثيقة مؤتمر القاهرة للسكان الذي عقد في القاهرة عام 1994م، وأحصوا مرات ذكره بـ (51) موضع، أشهرها الموضع الذي جاء في الفقرة التاسعة عشرة من المادة الرابعة من نص الإعلان الذي يدعو إلى تحطيم كل التفرقة “الجندرية”، وأيضا ولم يثر المصطلح أحدًا؛ لأنه ترجم بالعربية إلى (الذكر/الأنثى)، ومن ثم لم ينتبه إليه أحد، ثم ظهر نفس المصطلح مرة أخرى وقصد في هذه المرة أن يكون بشكل أوضح في وثيقة بكين عام 1995، حيث تكرر مصطلح الجندر في هذه الوثيقة (231) مرة، وهو ما كان من ضرورة معرفته والوقوف على معناه في لغته الأصلية، ودلالته، غير أن الكل يعترف أنه مصطلح مضلل.

ـ ومصطلح الجندر هذا.. ماذا يقصد دكتور السيد؟

لقد حاول من يترجمون المصطلح من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية أن يجعلونه في صورة أقرب للمفهوم الاجتماعي العربي لتمريره وقبوله، ولقد عرفته منظمة الصحة العالمية باعتباره مصطلحا يفيد تناول الصفات التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، ولا علاقة بها بالاختلافات العضوية، وهو ما يعني أن التكوين البيولوجي للذكر أو للأنثى ليس له علاقة باختيار النشاط الجنسي الذي يمارسه كل منهما؛ لأن النوع في ذاته كمصطلح يحمل سمات أساسية يتصف بها، هي التي ستجعل ليس من العسير فهمه فقط بل وتقبله في ضوء هذه السمات.
تعرف الموسوعة البريطانية الهوية الجندرية “Gender Identity” بأنها: شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، وتقول: “إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة ـ كذكر أو أنثى ـ بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية، وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كلما نما الطفل، بما يعني أن الهوية الجندرية ليست بالولادة وإنما تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهُوية الجندرية للفرد. ويوضح ما أقول العبارة التي وردت في وثائق مؤتمر روما لإنشاء محكمة الجنايات الدولية الذي انعقَد في عام 1998م: “كل تفرقة أو عقاب على أساس الجندر، تشكِّل جريمة ضد الإنسانية”، وتفسير العبارة: أنه إذا مارس أحدهم الشذوذ الجنسي، فتمت معاقبته طبقا لتشريعات الدولة وقوانينها، فإن الحكم ومن حكم به بمثابة من ارتكب جريمة إنسانية!

ـ كيف تسلل هذا “الجندر” إلى مجتمعاتا العربية؟ وهل نحن وحدنا ـ العرب ـ هدفه أم معنا غيرنا؟

ـ الجندر يغزو العالم كفكر تفرضه الحركة النسوية الغربية في الأساس، ومن ثم تريد هيئة الأمم المتحدة فرضه على كافة البلدان في العالم دون النظر إلى الخصوصيات والهويات والأعراف والتقاليد والديانات، وذلك حين أعلنت عن “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” واختصارها “سيداو”، والمؤسف أن جميع الدول العربية والإسلامية صادقت عليها ماعدا السودان، وأمريكا، وإسرائيل! يعني الولايات المتحدة الأمريكية التي تنادي به وتدعو إليه وتفرضه عبر هذه الاتفاقيات وتلزم به جميع الدول .. تمتنع عن التصديق عليه لكونه يتعارض مع ثقافتها!

وأعود للإجابة على السؤال في ذكر الوسائل دون الدخول في تفصيلاتها: المنظمات الأممية والدولية، المنظمات الحكومية، و”الأهلية “غير الحكومية” والتمويل الأجنبي، الإعلام ومؤسساته، المراكز الدراسية والبحثية والابتعاث.

ـ عفوا دكتورنا، كيف يستخدمون المراكز الدراسية والبحثية العربية في الترويج لتطبيق الجندر في المجتمعات العربية؟!

ـ من حقك كاتبتنا أن تدهشي، وستزول دهشتك حين تعلمين أن هذه الوسيلة تمثل آلية من أنجح الآليات في تمرير الجندر داخل المجتمع الإسلامي دون اللجوء إلى الضغوط أو صياغة القرارات في المؤتمرات، بل عن طريق الالتحاق بالجامعات التي تروج لهذا الفكر وعلى رأسها الجامعة الأمريكية بفروعها في عدة بلدان عربية، والعديد من المعاهد المستقلة، وبعضها خاص بالمرأة، ومن أهم الآليات هو تقديم حزمة كبيرة من التسهيلات للابتعاث الطلابي داخل دراسات تتعلق بالجندر ومنح الطلاب المبتعثين والطالبات شهادات فور تخرجهم.

وقد تم إعداد كثير من البرامج أثناء ابتعاث الطلاب والطالبات للانخراط في المجتمعات التي يعيشون فيها ونقل الأفكار والقيم إليهم دون أن يحسوا بهذا، ومن خلال عقد الكثير من الصداقات بالعديد من الطلاب من الجنسيات الأخرى والدخول معا في مناقشات حول الجندر والنوع الاجتماعي في بلادهم، وكيفية توصيل ذلك الفكر إليهم بطرق أكثر عصرية وحداثة وخروج على التقاليد.

ـ لابد أن يكون وراء زرع هذا الفكر في مجتمعاتنا العربية هدف إن لم يكن أهداف، فما هي؟

نعم وراءه أهداف كبيرة، منه: تقليص الفروق الطبيعية بين الذكر والأنثى، وهذا يأتي متماشيا مع مسح الفروق الفوقية بين الذكر والأنثى، لأن الجندرية لا تقبل بغير التكامل بل التطابق بين النوعين مع رفض الاختلاف الفطري، التشكيك في مفهوم القوامة للرجل على المرأة في الأسرة المسلمة، خاصة وأنها تحظر في المادة الرابعة من اتفاقية “سيداو” وضع أي فروق خاصة في القوانين بين الرجل والمرأة على سبيل التمييز متجاهلة تماما تلك الفروق بينهما، وكأن المرأة في غير حاجة للرجل، الخروج على نظام الأسرة باعتباره نظاما تقليديا يجب الخروج عليه، باعتبار أن هذا النظام “بطريركي” أي “أبوي” تبدو فيه سلطة الأب وهي السلطة الذكورية المطلقة وجعل من الأب سلطة مقدسة.

محاربة الزواج المبكر باعتباره وحشية، ولهذا طالبوا بتقنين الزواج في الدول الإسلامية وتجريم زواج القاصرات، وخرجت الإعلانات التلفازية والدعاية التي تبشع هذا الفعل من الأب مع ابنته الصغيرة، عدم تطليق الرجل لزوجته عند اكتشافه أنها فاقدة للعذرية أو لغشاء البكارة، لأن في هذا أهانة لها، وإلغاء طلب الإذن من الزوجة لزوجها عند خروجها من المنزل لأي سبب أو الخروج إلى العمل، وتجريم اغتصاب الرجل لزوجته في منزل الأسرة مما يدعو لمعاقبته إن تقدمت بشكوى ضده بذلك، والطلب من حكومات الدول إلغاء العبارات التي تدل على التمييز بين الرجل والمرأة في الأسرة، ومنها: عبارة رب الأسرة، ووضع عبارات أخرى تدل على شمولية المعنى لهما معا في الوظيفة.

وأخيرا: محاربة تعدد الزوجات في المجتمع الإسلامي، ولهذا فقد وضعت بعض الدول قيودا على هذا التعدد ومنها أن تبلغ الزوجة الأولى بزواج زوجها للمرة الثانية ويجوز لها خلال عام من علمها بهذا الزواج أن ترفع دعوى قضائية اعتراضا على هذا الزواج وطلب الطلاق منه للضرر إن رغبت في ذلك. وأعتقد أن هذا الهدف جيد بالنسبة لكِ وللسيدات العربيات..

ـ أوافقك الرأي على هذا الهدف الجيد لكن هناك أهدافًا ضارة كثيرة بالأسرة العربية، وتترك آثارها السلبية بالتأكيد على مجتمعاتنا العربية، فليتكم تطلعنا عليها دكتور؟

الآثار متنوعة منها الثقافي، والاجتماعي، والتعليمي، والأخلاقي، ويكفي أن أدلل على بعض هذه الآثار كمرشد للقارئ فيما لو أراد التوسع خارج حوارنا، إذا ما اهتم بموضوع الجندر، ومنها: لقد تحولت مطالبات المؤتمرات الدولية من المطالبة بالحقوق المهدرة للمرأة المسلمة إلى التشكيك في ذات الله تعالى، وفي أصول الدين الإسلامي وما هو مقرر ومعلوم من الدين بالضرورة، والإساءة للقرآن الكريم، والانتقاد الدائم لنظام الأسرة في المجتمعات الإسلامية باعتباره نظاما للهيمنة الذكورية البطريركية، متهمين عقد الزواج بأنه ليس إلا عقد تمليك من الرجل للمرأة، ومن هنا ظهرت الدعاوى التي تطالب بإلغائه وتحويله إلى زواج مدني، نشر الفوضى الأخلاقية في المجتمعات العربية، وقد تمثل هذا في انتشار العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج الشرعي التي حاولوا هدم أركانها، خاصة وأن القوانين المدنية في بعض الدول العربية لا تجرم الإجهاض في أغلبها وخاصة في تونس الذي أعطى قانونها الحق للمرأة في الإجهاض في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل وكذلك في لبنان، كما زادت في تلك المجتمعات الشبكات الواسعة في أعمال الدعارة، والحض على محاربة الحجاب والنقاب بدعوى أنه يحجب العقل.

لقد كثرت المطالبات التي نادت بوجوب صياغة المناهج التعليمية المقررة على المدارس والجامعات، بل ضمت بعض المناهج بالفعل كتبا تحوي فصولا عن تنظيم الأسرة وتطبيقها في البيئة اللبنانية، كما قامت وزارة التعليم العالي في المملكة المغربية بدعم من اللجنة الاقتصادية والمركز الإنمائي التابع للأمم التحدة بالإعلان عن مسابقة حول موضوع المرأة والجندر، في الوقت الذي تم فيه توحيد مناهج التعليم بين الذكور والإناث، وهدف دعاة الجندر من هذا تكمن في خلق أجيال عربية يؤسسونها من خلال التنشئة الأولى على قبول واعتماد ثقافة المساواة المطلقة والإيمان العميق بممارسة الحرية الشخصية، والثورة على التقاليد والضوابط الشرعية في التربية سواء في منازلهم أو في دور العلم على السواء، مما سيؤدي في النهاية إلى الابتعاد عن أسس ومقومات الهوية العربية.

ـ أعلم بما قرأته من مقالاتك ودراساتك دكتور السيد إبراهيم ومن غيرها، أن الجندر أو النوع الاجتماعي يحتاج حوارات أخرى تلقي بمزيد من الضوء عليه، غير أن هذا الحوار يدق ناقوس الخطر فوق الرؤوس في مجتمعاتنا العربية، قائلا: يا أيها السادة انتبهوا.. خالص تحياتي مفكرنا وأديبنا الكبير الدكتور السيد إبراهيم على هذا الحوار القيم.. وسنعود لمثله في مرات قادمة..

كل التحية والتقدير أقدمها لجنابك الكريم كاتبتنا وشاعرتنا ومحاورتنا الكبيرة والقديرة على هذه الدعوة للحوار حول موضوع يهم المجتمعات العربية، وأعلم مدى غيرتك على عروبتك، ودينك، ومجتمعك، ويشرفني أن نعاود الحوار في مرات قادمة حول هذا الموضوع أو غيره..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق