ثقافة المقال

روائع المقال تأليف: هوستون بيترسون ترجمة: يونس شاهين- السادس:

مقال وترجمة - اوليفر جولد سميث

خالد محمد جوشن

اوليفر جولد سميث (1728- 1774) هو ابن لقسيس بروتستانتى ، ولد فى بريطانيا ومات فى لندن عن عمر ستة واربعون عاما .

وقد لخص اوستون دوبسون ذلك الاخصائى الممتع فى ادب القرن الثامن عشر حياته فقال:- ثلاثون عاما من الاخذ، وخمسة عشرا عاما من العطاء  تلك هى قصة اوليفر جولد سميث باختصار .

فحين اخفق فى امتحان كلية الجراحيين الملكيين عام 1758، اضطر الى الالتجاء الى الادب طلبا للرزق ، وكان ذلك نهاية الثلاثين عاما وبدء الخمسة عشرة عاما التالية .

ولم يكن يعلم ما يخبئه له المستقبل حينئذ، ولكنه كان يستطيع ان ينظر الى الماضى من مسكنه العارى الجدران فى جرين اوربور كورت ، فيرى فيه ما يكفى من حياة مختلفة الالوان ، ، فقد كان تلميذا كسولا يسرق الفاكهة من الاشجار ، ثم طالبا عنيدا ذا ملكة موسيقية فى جامعة ترينتى يتقاضى اعانة من كليته ، ثم شابا فقيرا يقلد الاغنياء ويلعب الفلوت ويزور مهرجانات الريف ، ولقد حاول ان يتعلم القانون واللاهوت ، ولكنه لم يتعد عتبة الباب فى اى منهما ، ولقد ازمع الذهاب الى لندن ولكنه توقف عند دبلن فى ايرلندا
وعقد النية على الذهاب الى امريكا ولكنه وصل الى كوريك ايرلندا ، وكان عدة اشياء طالب طب ، موسيقيا متجولا – مصححا فى الصحافة ، صيدليا ، مدرسا فى مدرسة اولية ، ولو حكمنا على سلوكه بالمفاهيم السائرة ، لوجدناه قد اضاع وقته بانطلاقه وراء اهواءه ، ومع ذلك فكما تبلورت الامور بعد ذلك ، فمن المشكوك فيه ان هذه التجارب المتعددة الالوان لم تفده كثيرا مما لو كان سيره فى طريق اكثر ثباتا واقل ذبذبة

وفى خريف 1759 ، بدأ جولد سميث يخرج الى نور الشهرة ، من غمرة الظلمة التى كان يؤدى فيها العمل المأجور ، وذلك حين اصبح المحرر الوحيد لمجلة ذى بى ( النحلة ) المجلة التى لم تستمر لاكثر من شهرين ، ثم بدأ يراسل مجلة السجل العام ( ذى بليك ليدجر )

وكانت مقالاته على هيئة خطابات من والى فيلسوف صينى افترض انه يعيش فى لندن ، وحين جمعت هذه الخطابات فى كتاب عنوانه ” مواطن عالمى ” عام 1763 ، كان ذلك بدأ شهرته ،

وفى العام التالى اصبح احد التسعة اعضاء المؤسسين لنادى الدكتور جونسون الشهير ، واكتملت شهرته بنشر سيل سريع من الاعمال المتعاقبة منه القصيدة الشعرية المتاملة ” المسافر ” والرواية السهلة الممتعة ” قسيس ويكفيلد ” ورواية “القرية المهجورة ” ، ولم تنجح مسرحيته ” الرجل الطيب ” ولكن مسرحيته الاخرى ” انها تتمسكن حتى تتمكن ” سجلت نجاحا كبيرا على المسرح ، وقد حصل على دخل كبير من هذه الاعمال ، الى جانب بعض المؤلفات الاخرى الجميلة للاطفال ، ولكنه بدده بكرمه واسرافه الزائد .

وقد وصفه جاريك بانه مغرور ، حاسد ، رقيق ، وغير اهل للمسؤلية ، ولكن الدكتور جونسون اقترح ان يكتب على قبره باللاتينية – لقد جمل كل شيىء لمسه
وهى شهادة رائعة من ناقد عظيم

والان الى مقاله عن ( التعصب للقومية )

حيث اننى من الاشخاص الذين يقضون معظم اوقاتهم فى الحانات والمقاهى ، فان لدى فرصة لا نهائية لمراقبة الاشخاص ، وهو شيىء فيه من المتعة لرجل جبل على التأمل فى الناس اكثر مما فى غرائب الفن والطبيعة .

فى احدى جولاتى من وقت قريب وقعت على ستة من الاشخاص احتدم بينهم النقاش على بعض شئون السياسة ، ولما كان العدد مساويا من جانبى الجدال فقد ارادوا ان يحلوا الاشكال بينهم بالاحتكام الى ، مما جرنى الى مشاركتهم فى الحديث.

من بين المواضيع التى تشعبت بيننا جرنا الحديث الى استعراض الخصائص المتباينة لشعوب اوربا المختلفة ، وهنا اعلن احد الحاضرين وقد ازاح قبعته متخذا لنفسه صورة بالغة الاهمية ، وكانه يمثل مميزات الامة الانجليزية .

قال ان الهولندين هم حزمة تعسة من البخلاء ، والفرنسيين جماعة من المتملقين الاذلاء

والالمان امة من السكارى النهمين فى الاكل ، والاسبان طغاة متغطرسون مشاكسون ، الانجليز وحدهم هم من يتصدرون شعوب الارض فى الشجاعة والكرم والتسامح وكل فضيلة اخرى

وقوبلت كلماته من الحاضرين بالموافقة التامة من الجميع ، طبعا الا انا ، وحاولت ان ابدوا منهمكا فى التفكير على امل ان اتجنب الادلاء برأيى ، وحرمان الرجل من السعادة التى صورها لنفسه .

ولكن هذا الرجل المدعى للوطنية لم يدعنى اهرب بهذه السهولة ، ولم يرضى ان يمر رأيه دون معارضة ، بل صمم كذلك ان يوافق عليه باجماع الاصوات بما فيهم انا بالطبع ، ولذلك وجه حديث لى وسألنى ان كنت لا اشاطره رأيه .

ولما كنت دائما التزم الصدق فى التعبير عن مشاعرى ، فقد اخبرته اننى لم اكن اجرؤ لو كنت مكانه على الحديث بهذه الطريقة الحاسمة ، الا لو كنت سافرت فى انحاء اوربا ودرست سلوك شعوبها بكل دقة ، وقلت له انه ربما لو كان هناك حكم اكثر انصافا وحيادا لما تردد ان يوافق على ان الهولندين احرص واشد اقبالا على العمل منا

وان الفرنسيين اكثر اعتدالا وادبا عنا ، وان الاسبان اكثر رصانة ورباطة جأش عنا ، وان الالمان اصلب عودا واصبر منا على العمل والمتاعب ، وان الاسبان اكثر رصانة ورباطة جأش ، وان الانجليز وان كانوا شجعانا وكرماء بغير شك فانهم فى نفس الوقت عنيدون ومندفعون ومتهورون ، وانهم يبتهجون اكثر مما يجب فى الرخاء ، ويبتئسون اكثر مما يجب فى الشدة
وكان من السهل على ان ارى ان الجميع كانوا يرمقوننى بعدم الرضا عن حديثى هذا ، الذى لم اكد اتمه ، حتى انبرى ذلك الوطنى ليقول فى ازدراء المتهكم ، انه يعجب من اولئك الذين يعيشون فى بلد لا يحبونه ، ويستمتعون بحماية. لا يكنون لها لها فى اعماق قلوبهم سوى الكره .

وحين رأيت ان اننى باعلان رأى المتواضع قد تخليت عن حسن ظن رفاقى بى ، فقد توصلت الى انه من العبث ان اناقش قوما لهم هذا الغرور والتعصب ،واثرت ان ادفع حسابى وانصرف.

ليس هناك قول اعظم من قول ذلك الفيلسوف الذى سئل عن البلد الذى هو مواطن فيه، اجاب ” انه مواطن عالمى ” ما اقل اولئك الذين يستطيعون فى العصور الحديثة ان يكرروا هذا القول بصدق ، وما اقل من ان يتفق سلوكهم وهذا الاعتراف .
، لقد صرنا اليوم انجليز وهولندين وفرنسين والمان واسبان ، الى حد منعنا من ان نكون مواطنين عالمين ، لقد اصبحنا سكان قطعة معينة من الارض ، او اعضاء فى جماعة صغيرة ، الى الحد الذى لم نعد نفكر فى انفسنا كسكان لهذه الكرة الارضية ، او اعضاء فى تلك الجماعة الكبيرة التى تشمل اليشر اجمعين.

ولو ان هذا التعصب فى موجود فى الجمعات الدنيا من الناس لهان الامر ، لانه ربما يكون سببه عدم القراءة او السفر او الحوار مع الاجانب وغير ذلك ، ولكنه المصيبة موجود فى عقول السادة الجنتلمان ويؤثر فى سلوكهم .

ان لم يكن الرجل متحررا من التعصب فلا قيمة لعراقة نسبه او علو مكانته ، او كبر ثروته ، وهذا شيىء طبيعى فالكرمة الرفيعة تلف نفسها حول شجرة البلوط القوية لا لسبب سوى انها عاجزة عن صلب عودها بنفسها

وان قيل دفاعا عن النعصب القومى ، انه نمو طبيعى وضرورى لحب الانسان لبلاده ، فانى اجيب بان هذه سفسطة ووهم كبير .

اليس من الممكن جدا ان احب بلدى ، دون ان اكره شعوب الارض الاخرى ، اليس من الممكن ان ادافع عن قوانينها وحرياتها ، باقصى ما تصل اليه الشجاعة والبطولة والعزم الصادق الاكيد ، دون ان احتقر باقى سكان العالم ، واعتبرهم فى نظرى جبناء ازلاء.

ان هذا ممكن بكل تأكيد ، وحتى ان لم يكن ممكن ، ولكن لماذا افرض المستحيل – حتى اذا لم يكن ممكن، فاننى اقرر اننى افضل ذلك اللقب للفيلسوف القديم وهو
” المواطن العالمى ” عن ان اسمى انجليزيا او فرنسيا او اوربيا او اية تسمية اخرى كانت .
المقالات 1765
والى مقال قادم ….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق