قراءات ودراسات

القرية في المجموعة القصصية ” مربط الفرس ” للدكتور مرعي مدكور

مجدي جعفر

( 1 )

رغم كثرة الكتابات القصصية التي تناولت القرية المصرية ، إلا أن معظمها جاءت مسخا مشوها للقرية ، اللهم إلا عددا قليلا من الكتاب ” أصحاب القامات العالية ” الذين تماسوا مع القرية بأجوائها وناسها ، بأحلامها وانكسارتها – في علاقة حميمة – فكانت أعمالهم شديدة التميز وشديدة الثراء والتفرد ، وأحسب أن د . مرعي مدكور واحد من هؤلاء .
ففي مجموعته ” مربط الفرس ” يأخذنا إلى قرية مصرية ، تبعد عن قرية اليوم بمسافة زمنية تزيد على ربع القرن ، متخذا منها فضاء رحبا لأحداث قصصه ، مستخدما مفردات البيئة القروية في الوصف والسرد والحوار ، مما جعل القاريء يعيش القرية التي يتحدث عنها إعاشة كاملة .. فانظر إليه مثلا وهو يصف البهلول الداهية في قصته الجميلة ” مربط الفرس ” : فرجليه الواقفتين على الأرض مثل مرزبتين كبيرتين ، ساقاه الضخمتان صلبتان كعرقي خشب، وأسنانه الضاربة باصفرار عريضة مثل أسنان جحش ، وعيناه الكبيرتان كعيني بقرة، وأذناه الطويلتان مثل أذني خفاش، ولسانه مثل طحال عجل جاموس .. حتى النفس الذي يخرج من منخاريه ومن فمه المفتوح عن آخره مثل النفثات التي تنفثها الطاحونة .
وهذا الوصف الظاهري للبهلول – الذي ساهمت البيئة الجمادية والبيئة الحيوانية في تكوينه الجسدي – هذا التكوين الحثماني استثمرته أم فايز ” الفتّالة ” على مستويين :
المستوى الأول : وظفت قوته البدنية وجسده العملاق في حمل آلة صنع الشعرية فوق كتفيه والتي لا يقدر على حملها جمل .. وفي إدارة الآلة بذراعيه القويين حينما تمتلئ بالعجين .
والمستوى الثاني : استثمرته ليشبع حاجتها الجنسية ولري جسدها المتعطش للحب ، وإذا كانت الطبيعة وهبته هذه القوة الجسدية فقد حرمته من العقل – أداة التفكير – ومن الكلام ، فيعبر عن فرحه أو حزنه بأصوات وأحرف متقطعة مثل الحيوانات ( با .. ببب .. با ) – وهذا ما جعل نسوة القرية اللائي هجرهن أزواجهن في رحلات عمل للخارج يراودنه عن نفسه في محاولة منهن لري أجسادهن المتشققة والمتعطشة مستثمرين فحولته وقوته الحيوانية وحالة الخرس .. وإزاء حاجة المرأة للجنس وفحولة البهلول الداهية ، ينهار حياء المرأة وخجلها .. فتتحول من مفعول به إلى فاعل .. فرأينا المرأة التي غاب زوجها تغير ملابسها وتبقى على سنجة عشرة وتشده من يده ، وتزم الباب ، وتشب على مشطي قدميها وهي تقف أمامه ملتصقة بجسده وعيناها تتمشى عليه في شراهة ، تجد نفسها تتصرف كأنها الرجل وهو الزوجة .. وأصبح من المعتاد أن نرى إمرأة تعتليه في ظل صفصافة أو في غيط ذرة .. وأعتقد أن د . مرعي مدكور قد رمز لهذا البهلول بالجنس – بمعناه العام والمطلق – فالبهلول يمثل تلك الغريزة البدائية والحيوانية ، وهنا في رأيي ” مربط الفرس ” ، فهذا الفرس الجامح حين يرمح قد تغيم الرؤية في عينيه ولا يرى جيدا وهذه الغريزة الجنسية إذا خرجت من القمقم وانفك عقالها تبدو ماردا عملاقا يجتاح كل ما في طريقه غير عابئ بالقيم والمبادئ والأعراف – وهنا تكمن خطورة الموضوع – والتنبيه الخفي إليه من الكاتب ، فالحرمان قد يدفع المرأة التي هجرها زوجها للعمل إلى موت حيائها ، والحياء خُلق أصيل في المرأة – وقد تتغاضى عن القيم الدينية والأعراف الخُلقية – فالمسألة تحتاج إلى تنظيم وتوازن ، والحل ليس في قطع العضو الذكري للبهلول . وتعليق البهلول على الشجرة – فأسطورة إله الجنس عند الفراعين والخصاء عند بعض الأمراء والملوك في عصور الظلام والإنحطاط لم تحل هذه الإشكالية ، وأعتقد أن د . مرعي مدكور قد تناول الموضوع بشجاعة وجرأة نادرين وهذه مزية تحسب له .
( 2 )
تتميز قصص د . مرعي مدكور – التي تناولت القرية عن غيره من الكتاب – أنه ينقل لنا أجواء القرية بتفاصيلها ودقائقها ، ونشم في قصصه رائحة القرية وعبقها ونستمع لأصواتها .. وقد برع في استخدام الصوت كأثر سمعي ، وفي تسريب الرائحة إلى أنوفنا أيضا .. ( في دقيقتين كانت طاسة البيض بالزبدة طشطشت ) وفي مقام آخر يقول : ( تشعل الكانون وتطش السمن وتضرب بيضتين ) وهكذا يختلط الصوت بالرائحة في كلمات قليلة ولكنها دالة وموحية ، وانظر إليه وهو ينقل لنا هذه الصورة الجميلة وتتسرب لنا رائحتها ( يخرجون وأطباق الملوخية على كفوفهم ورائحة ” طشة ” تقليتها تعبق نواحي القرية وتدخل كل بيت ) ونشتم أيضا رائحة البخور فيقول : ( عبق البخور الذي يفج من قلب الدار ) ونسمع أيضا طقطقة العظام وزعيق الجرارات ، وجواميس وأبقار تنعر ، وجمال تضرب القلة ، وحمير تبرطع وتنهق ، وبوم ينعق ، والزعردة ، وشخللة الذهب ، والولولة ، وطنين الذباب .. إلى آخر هذه الأصوات التي تساهم في نقل أجواء القرية وتكثيف الصورة في لغة فنية راقية تعج بالدلالات .
( 3 )
في قصة ” الشلاقمة ” يذكر المؤلف في الهامش : ( أن ذكرها ورد منسوبا إلى ” شلقم اللئيم ” أول من حط بالبقعة في ظل شجرة سنط عتيقة مائلة على ترعة صغيرة ، بعد أن فج رأس مخدومه بكتلة حجرية وتركه يشخب دما ) . وأعتقد أن هذا الاستهلال الذي جاء في الهامش قد خدم النص ولم يكن مقحما على السياق ، وساعد على تأويل النص إلى دلالات أعمق وأبعد من الدلالات الايحائية البسيطة التي يشي بها ظاهر النص . ويوقفنا الكاتب على أهل قرية ” أعطو الوقف ” الذين يمتهنون الزراعة ، و ” الشلاقمة ” الذين يعيشون على الأطراف لا يملكون الأرض ولا الديار ولا يكفون عن اطلاق النكات على أهل قرية ” أعطو الوقف ” ويحملون في قلوبهم الحقد والحسد ، ويبين لنا الكاتب كيف استطاع الشلاقمة أن يتحولوا إلى ملاك لأراضي قرية ” أعطوا الوقف ” ، وينقلب الهرم والسلم الاجتماعي ويصبح الأُجراء ملاكا والمعيار في النهاية معيار الأموال ، فمن يملك المال فهو السيد أيا كان أصله وفصله .
والكاتب في هذه القصة يفصح عن مهارة فائقة في رسم الشخصيات وإقامة الصراع وتجميع الحوادث وتنقيتها واختيارها بدقة ، فحادثة تسلم لأخرى وتلتضم معها لتكون لنا حبكة متماسكة ، فانظر إليه وهو يرسم لنا صورة ” علي الأحمر ” الذي يمت للشلاقمة بصلة والذي جاء به الكفراوي الكبير ليحفر أساسا لبيت يزوج فيه ابنه ( يومها كان علي الأحمر والتسمية من لون وجهه الضارب بالحمرة ، ليست حمرة الخجل ، لكنها خلقة ربنا وشعره الأبيض الضارب بالصفرة حتى رموش عينيه ، مما جعله لا يفتح عينيه في الشمس إلا وإحدى يديه فوقهما ) .. هذا الأحمر الذي كان يحفر ، اصطدمت فأسه بجسم صلب أحدث رنينا وشخللة وقطع صغيرة صفراء تخطف البصر ، وتسمر” علي الأحمر” واقفا ويده تشكل هلالا مقلوبا فوق عينيه ، انفتح فمه عن آخره ، والبريق يخطف العينين اللتين تنظران جهة الشخللة ولا تريان الشمس و” يزر ” عم علي عينيه .
ونفاجأ بأن الولد ابن الكفراوي كبش حفنة تراب في خفة وسرعة ورشقها في عيني “علي الأحمر” وفي لمحة برق يخلص الولد رقبة الناقة المحشوة بالذهب ويضعها في حجر جلبابه الواسع ويطير كالحمامة .. ولم يستطع الأحمر أن يثبت حقه عند العمدة ، فضرب الكفراوي كفا بكف وأكد في أقواله أن علي الأحمر ” أشعل ” لا يرى الأرانب من البقرة في عز الظهيرة وأن عقله أصبح مثل عينيه اللتين لاتريان الشمس ، وأنه كهين مثل أخواله الشلاقمة الذين لا تنفض حنوكهم من القيل والقال على عباد الله .. وشهر وراء شهر وسنة تجر سنة والكفراوية أصبحوا أصحاب أملاك – وكلما زاد صيت الكفراوية وازدادت أملاكهم ازداد الأحمر غيظا وحنقا ويروح يعيد ويزيد في حكاية رقبة الناقة ، وهذا ما جعل مرزوق الهلالي الذي استمع عشرات المرات عن رقبة الناقة من علي الأحمر وهو يغلبه في لعبة السيجة ، يؤمن أن القرية نائمة على كنز ، وقال نلعب لعبتنا ونفك رصده ويمكن الدنيا تلعب معنا ، ويغيب الهلالي ويعود عصر يوم يجر في ذيله مغربيا من الصلاح والبخور الجاوي وانتقل الخبر ، وأصبحت القرية مهووسة برقبة ناقة أو زلعة ذهب .. وزاد الطلب على المغاربة وعلى البخور الجاوي وعلى الشلاقمة وحميرهم وأولادهم الذين يقومون بالحفر ونزح المياة ، وتحولت القرية إلى مرتع للشلاقمة ، والناس تفرغوا للحفر داخل بيوتهم لازرع ولا قلع ، وبارت الأرض وتشققت من العطش وامتلأت بالثعابين .. ولحاجة أهل القرية إلى الأموال – التي تعينهم في فك رصد الكنز – أصبح من المعتاد أن تجد الحيازات تنتقل إلى شلقامي وراء شلقامي ، أرض الأعطوية تنتقل إلى الشلاقمة ، وذات صباح شق الجو صوت مفجوع وآهات ممرورة ، وولولة : بيت الهلالي جاء عاليه أسفله .. حيطان بيت الهلالي رجت البيتين المجاورين ، فانهارا بدورهما .. وبدأت سلسلة انهيارات وولولات مفجعة – وفي اللحظة التي كان يعلن فيه الزمن عن انتهاء زمن ” أعطوا الوقف ” كان يعلن عن بداية زمن آخر ومولد عصر جديد للشلاقمة الذين راحوا ينتشرون في أرض الزمام وحيازتهم في جيوبهم ويحفرون آبارا عميقة لري الأرض التي انفتحت أفواهها عن آخرها . وأعتقد أن تلخيص العمل الفني يخل به وإن فعلنا فاننا نحرم القارئ من علاقة جميلة وتفاعل كيميائي قد ينشأ من تفاعله مع النص ، ولكننا كما قلنا قبلا أن د . مرعي مدكور ينتقي شخصياته بحرفية و يرسمها بمهارة من الداخل ومن الخارج ويختار المواقف ، ويبين عن الصراعات الداخلية للشخوص والصراعات الخارجية والتي تصطبغ بالصبغة الإنسانية ، وأجمل ما فيها أننا نراها لحما ودما ونشعر بنبضها على الورق .
( 4 )

للموت عند المصريين – وللفرح أيضا – طقوسه الخاصة ، والمشهد الجنائزي في القرية رغم مهابته إلا أن له بريقه ، ولمشهد العرس أيضا وهجه ، ولم يقتصر كاتبنا في قصة ” المكتشف ” على تقديم وصفا دقيقا لمشهد جنازة الطفل والذي قدمه في لوحة فنية رائعة ، ولكنه استطاع أن يلتقط بمهارة إنسانا معدما ومهملا في القرية ( المدرسة لم يفلح فيها ، وجهده لايقدر على الزرع والخلع ، ودمه ما ساح في خناقة ، ولم تضمه قعدة عرب ، حتى لو ضمه طرف قعدة فلا هو هنا ولا هناك ) .. هذا الإنسان المهمل والذي لايمثل قيمة في القرية ويعيش عالة على أمه التي ( تغسل وتنشر وتخبز لخلق الله وتحضر اللقمة ولا تمد يدها إليها إلا ويده قبلها ) .. هذا الكائن المهمل والعاطل وجد نفسه أخيرا حينما حمل اللفافة التي تضم الطفل الميت ، بقلب جامد ، تناولها من الجد ، وبرفق ضمها لصدره ، واستطاع أن يسيطر على ارتعاشة يده والخوف الذي تسلل إلى قلبه .. ومع دب الخطوات على الطريق يزداد الموكب طولا وعرضا – فيسعه هو – فهذه هي المرة الوحيدة التي يهتم به أحد ، فكل واحد يقول له : ” أجرني ” – شعر بأنه بؤرة اهتمام ، لا أحد يشيح بوجهه عنه أو ينطر يده في وجهه أو ينظر إليه بتجهم أو لا يعطي مبالاة لعوده الممصوص ، يتمسك باللفافة ويرفض أن يجير غيره وكأنه أصبح هو وهي قطعة واحدة ، امتزج بها وتوحد معها ، فهذه هي المرة الأولى التي تتطلع إليه فيها العيون وتتركز عليه وتفسح له الطريق ويصبح بؤرة اهتمام أمة لا إله إلا الله ، ولم يترك اللفافة إلا عند باب المقبرة وسلمها للتربي ودخل معه ، ومن يومها ما أن يرتفع صوت ميكروفون الجامع معلنا عن حالة وفاة حتى ينفض يديه الإثنتين مما بهما ويهم مسرعا حتى يضم اللفافة إلى صدره إن كان المرحوم رضيعا أو يتشبث بمقدمة الخشبة على كتفه غير مبال بمن ينهر يده قائلا : ” أجرني ” .
وهكذا نجد أن المؤلف استطاع أن ينسج بمهارة من طقوس الدفن والموت ، قصة تماس فيها مع نفسية انسان بسيط مهمش ومهمل مثل الأموات في الواقع المعاش ، ولكن حياته ووجوده يتحقق من خلال الموت وممارسة طقوس الدفن ..
وفي قصة ” ومتى تجيئ البشارة ” يقترب من طقوس الزواج من خلال شاب أحب فتاة ليست من بيئته وثمة فروق اجتماعية واقتصادية بين عائلته وعائلة فتاته ، وأمام اصرار الشاب على الزواج من حبيبته ورفض بنات الخالة وبنات الأعمام وبنات العمد والوجهاء يرضخ والده لرغبته ويذهب في موكب كبير إلى منزل العروسة الذي يستاء من أبيها الذي يقابله مرتديا ” شبشب ” وبيجاما مقلمة ويضايقه ثرثرة أم العروسة وصمت أبيها .. ولم تنحر الذبائح ولا فجت رائحة غذاء ، ويدخل في الموضوع بمكر ودهاء ويطلب القرب ويقول : ( 15 باكو مباركة عريسنا ، 2 باكو مقدم صداق ، 30 ليلة فرح يحييها شمندي القناوي وأهل طرب ومغنى ، 5 فدادين موالح طازجة يتم تسجيلها باسم ولي العهد ) وظل يعدد حتى وصل إلى ليلة الدخلة : ( 3 بطوشة ، 5 خرفان لباني ، 10 جديان مخصية ومقرشة ، 15 أوتومبيل ” بيجو ” لنقل المعازيم وملازمتهم والعودة بهم بعد أن يبيض العريس وجوهنا ، 3 صنادل تحت تصرفكم ليلة الدخلة لتعدية بحر النيل حتى مراسي ديارنا والعودة ) وتوالت بشائر الكرم حتى جاءت الكلمة الصاعقة وهو يهم بالخروج – فقال : ( وعليكم مثل ما علينا !! ) وهكذا وضع العقدة في المنشار ، ويظل الشاب منتظرا رد أهل العروسة ويراوده الأمل .. ينتظر البشارة ،( ومن ساعتها أنتظر أي داخل إلى دارنا ، وعيني على السكة الجديدة ، وأبحر مع المراكب في بحر النيل ، وقلبي – رغم البعاد – يحدثني أننا سنتواصل وسيرتاح البال ) وكل واحدة يراها – يعتقد أنها هي – ولكنه لما لا يجد النغزة في وجنتيها ولا العينين المكحولتين بالكبرياء ، ولا الأهداب الرامحة ، يشيح الوجه إلى ثانية قادمة قد تكون المراد وما إن تظهر قسمات الثانية حتى يتحول ببصره إلى ثالثة .. وتاسعة .. وعاشرة .. ومازال ينتظر البشارة .
والقارئ لقصص د . مرعي مدكور لا يمكن أن يغفل اهتمامه بالمكان ، واحتفاءه به ، فالمكان عنده ليس وعاء للأحداث ، ولكنه يكتسب من خلال الأحداث أبعادا اجتماعية وظلالا نفسية – والمكان – ينسج – من خلال بناءا معماريا جميلا ولوحة تشكيلية فريدة ، ففي رسم البيوت يقول : ( تبدو البيوت الطينية الواطئة مثل ظهور خراف نائمة في صفين طويلين لا يفصل بينهما سوى درب صغير لا يدخله جمل ولا يتسع لمرور أكثر من اثنين بجوار بعضهما في المسافة بين فتحة كل بيت ) . وإذا أضفنا إلى هذه اللوحة التشكيلية لوحة أخرى : ( كنا ملتفين حول عمدة قريتنا في ديوانه ، في نور الكلوب المعلق في مسمار مغروس في لحم شجرة الجميز العتيقة ، وآذاننا مشرعة تكاد تطول وجهه في انجعاصته فوق دكته الخشبية .. ) .
واللغة عند د . مرعي مدكور لغة فنية ويختار ألفاظه بدقة ، حتى لو بدت اللفظة عامية إلا أنها في دلالاتها ووضعها في المكان الصحيح ، تكون أوقع على النفس من الفصحى الشائعة وأبعد أثرا وأكثر عمقا ، ويعني في المقام الأول بالسرد ، والحوار عنده على قلته إلا أنه ليس أساسيا ، فالحوار يستخدمه للكشف عن الشخصية من الداخل أو للمساعدة في رسمها من الخارج أو في تطوير الحدث ، وإذا رجعنا إلى جمله الحوارية نجدها تؤدي هذا الغرض ولا نجد جملة حوارية مقحمة بلا داع وبلا ضرورة فنية – ونعتقد أن د . مرعي لا يكتب القصة بقدر ما تكتبه القصة ، ولهذا جاءت القصة عنده متوهجة فنيا ومساحة الفن فيها تتسع طولا وعرضا وعمقا ، وبمجموعته ” مربط الفرس ” يكون قد حقق إضافة إلى فن القصة العربية .
وأعتقد أنه من العبث لو حاولنا أن نبحث عن مدرسة لهذه المجموعة ندرجها تحتها كالواقعية ، الرومانسية ، التصويرية ، الرمزية ، السحرية ، .. إلخ ، فلكل من هذه المدارس نصيب في هذه المجموعة وإن اختلفت النسب ، وأفضل تنظير لهذه المجموعة في تصوري أنها تنتمي إلى مدرسة كاتبها بعينه في القصة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق