الموقع

صحّ عيدكم !

هو العيد الذي يأتي إلينا في ظروف يراها كل واحد بنظرته الخاصة التي تتداخل فيها المؤثرات العامة السياسية منها والاجتماعية. لم يعد العيد يحمل البهجة الأولى كما في ذاكرتنا القديمة، أيام كانت للطفولة نكهة أخرى، وكانت للمدينة جمالها الضارب في القلب.. لم يكن العيد يعني لباس جديد، بقدر ما يعني ذلك النهار الجديد الذي يشرق من الروح، والناس السعداء بعفوية، على شرف يوم يعرفون أنه مصنوع للفرح ! حتى الفقراء كانوا يفرحون بالعيد، رغم أنهم كانوا بالكاد يستعدون إليه ماديا، كانت معنوياتهم الصادقة جاهزة لتلك البهجة على بساطتها، على سجيتها، وعلى حقيقتها.. اليوم، يأتي العيد، بعد شهر من الصوم، قضاه بعض الناس في المصارعة على أشياء دنيوية فانية، مثلما قضاه نصيب آخر منهم في الأسواق، أو أمام الفضائيات، وأفي النوم.. لا نحاول الحديث عن الجانب الروحاني من رمضان، بل الجانب الإنساني الذي كان يجعل البيوت مفتوحة في وجه الخير والحوارات العفوية والتواصل الدافئ، حيث لم يكن الناس يعرفون حظر التجوال داخل بيوتهم، وفي أزقتهم المغلقة في وجه الشمس ! فرحة العيد لطختها الكثير من المظاهر، ومن السلوكيات، وأصبح الأطفال يشعرون بالخجل من آبائهم، ومن أمهاتهم وهم يحمّلونهم عبء الثياب الجديدة، مثلما سيحملونهم عبء الدخول المدرسي وما يعنيه من مصاريف أخرى وأخرى وأخرى.. راتب الموظف الجزائري، والعربي، لا يحتمل عبء الخسائر التي تحدثها الحياة اليومية، مثلما لا يتحمل عبء الضرائب التي تدفّعها له الدولة باسم القانون. والحال أن صرخة الموظف الذي طالب مسؤولي الدولة أن يجربوا العيش براتبه شهرا واحدا، لم تكن صرخة أحادية ولا شاذة، بل كانت صرخة إنسان يجتر الخسائر يوما بعد يوم، ولهذا حين يأتي العيد يكون منهكا، غير قادر على الفرح وهو يتذكر أنه مطالب بتسديد الفواتير المتراكمة ! عيدنا قبل سنوااااات على بساطته، وعلى فقره، أو تواضعه كان أقل وجعا من اليوم، بحيث كنا قادرين على الخروج إلى الشارع فرحين دون لباس جديدة، عن قناعة أننا صمنا وأدينا شعائرنا بما استطعنا إليه سبيلا، وأن المظاهر أقل قيمة من الدواخل ! لكنه عيد الفواتير الكثيرة اليوم، وعيد التعب اليومي، والركض في كل الجهات. عيد البطالة والفراغ، والأمراض النفسية التي جعلت عدد الأحياء يشتهون توابيت الموتى، ليموتوا أقل تضررا مما تضرروا منه، أو به ! عيد المدن التي تشبه نفسها، ولم تعد تشبهنا في شيء، وعيد الأوطان التي بعضها احتل وبعضها ينتظر دوره من الاحتلال، وما بدلوا تبديلا !

وكل عيد وأنتم ….. بخير !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق