ثقافة السرد

فصل من رواية “ليل علي بابا الحزين”

عبد الخالق الركابي

وسط “معمعة الدستور” تلك فوجئت، صباح ذات يوم، باتصال هاتفي من “دنيا” أخبرتني فيه بأنها في بغداد، وحين سألتها عن كيفية لقائنا؟ اعترفت ضاحكة أنها لا تعرف من جانب الكرخ، حيث أسكن، سوى شارع الأميرات، فطلبت منها أن توافيني بعد ساعة في ذلك الشارع عند “جامع الرحمن”، فقاطعتني سائلة:
– وأين يقع هذا الجامع؟
– إلى يمين الداخل، قريباً من المدخل.
– أتعني ذلك البناء الكونكريتي العجيب الذي تعلوه قبة هائلة الحجم وسط عدد لا يحصى من القباب والرافعات العملاقة؟
– تماماً هو الذي أعنيه. فعلّقتْ ضاحكة:
– لم يخطر لي قط أنه جامع؛ فهو أشبه ما يكون بكاتدرائية!
وبرغم قرب المكان من محل سكني بيد أن الوصول إليه تطلّب أكثر من ساعة ونصف وذلك بسبب الإجراءات الأمنية المشددة؛ فنقاط التفتيش كانت تقطع عليّ السبيل كل بضعة أمتار، حيث يطالعني رجال ملثمون مزودون برشاشات وأجهزة اتصال تقتصر مهمتهم على عرقلة حركة سير السيارات وهي تتخطاهم واحدة في أعقاب الأخرى في سير بطيء يبعث على الجنون.
لم أكد أصل إلى المكان المنشود حتى فوجئت بـ”دنيا” واقفة في انتظاري بهيئة جديدة كان من المحال أن أعرفها بها لولا معرفتنا السابقة؛ فقد كانت دون حجاب، ينسدل شعرها الأشقر في خصلة واحدة خلف ظهرها، وقد ارتدت ملابس أنيقة، وثمة حلى، من المؤكد أنها ذهبية، تزين عنقها وزنديها!
– لا شك أنك تحسبني جئتك متنكرة؟!
سألتني مبتسمة لحظة دلفت إلى السيارة تسبقها رائحة عطرها، فأجبتها مازحاً وأنا أصافحها:
– يبدو أن من دأب القادمين من الأسلاف، بعد التاسع من نيسان، أن يعمدوا إلى التنكر قبل وصولهم إلى بغداد؛ فسبق لي أن فوجئتُ بهيئة يحيى لحظة التقيته أول مرة في بغداد بعد رحلتي المشؤومة إلى الأسلاف!
واعتذرتُ إليها لتأخري بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، فعلّقتْ بدورها:
– أعرف؛ فسيارة الأجرة التي حملتني من الرصافة إلى الكرخ شقت سبيلها بشق الأنفس وسط آلاف السيارات المحشورة في الشوارع وكأن الدنيا انقلبت!!
وحين طلبت منها أن تذكر المكان الذي تفضّل الجلوس فيه أجابتني من فورها:
– المكان الذي اعتاد يحيى أن يصطحبني إليه كلما قصدنا هذا الشارع؛ أعني مرطبات “الروّاد”.
فسألتها، وأنا أقود سيارتي على مهل، عن سر ملازمتهما – هي ويحيى – هذا الشارع المترف؟ فأجابتني ضاحكة:
– ذلك هو السبب؛ لكونه شارعاً مترفاً!
وأردفتْ متحدثة عن الأميرتين الهاشميتين “بديعة” و”جليلة” ابنتي الملك علي وأختي الوصي على عرش العراق عبد الإله، واللتين كانتا من أوائل من بنوا دوراً سكنية في هذا الشارع الذي اتخذ اسمه منهما.
– وهل تنوين الاقتداء بهما عسى أن تصبحي أميرة مثلاً؟
سألتها مازحاً، فأجابتني من فورها ضاحكة:
– وما جدوى الاقتداء بمن أمستا “دقة قديمة”؟ فقد انتهى مصير دار إحداهما إلى تاجر غنم، في حين تدهور حظ الثانية، بعد زمن الأمجاد والترف، فباتت محل مزاد علني!
وكنت، في أثناء حوارنا، قد اجتزت شارع الأميرات بسيارتي حتى نهايته لأستدير عائداً بها إلى الشارع العام حيث عبرت إلى الجهة المقابلة لأوقفها عند الرصيف المحاذي لمرطبات الرواد.
– اسمح لي أن أدعوك، هذه المرة، على حسابي لكوني من الزبونات القديمات.
رجتني “دنيا” ضاحكة وهي تتقدمني نحو الواجهة الزجاجية للمحل لتسبقني في دفع ثمن المثلجات التي عدنا بها لنجلس إلى إحدى الموائد القليلة الموزّعة على الرصيف حيث “دنيا” أخبرتني بأنها قدمت إلى بغداد، هذه المرة، دون علم يحيى وذلك لشأن خاص. ومضت، وسط ضجة السيارات في الشارع وصخب الناس في رواحهم ومجيئهم من حولنا، تتحدث عن الوضع المقلق في الأسلاف.
بدا وجهها على شحوبه المعهود برغم أنه لم يخلُ من لمسات زينة سريعة. وكانت عيناها الكبيرتان الغارقتان وسط كثافة أهدابهما تتصيدانني، بين فينة وأخرى، بنظرات خاطفة لتواصلا بعدها ملاحقتهما للسيارات.
– لكنك لم تخبريني بسر تعلّقكما بهذا الشارع!
كلّمتها وأنا أراقبها وقد انشغلتْ بالنقر بملعقتها على كتلة المثلجات التي تملأ، بألوانها المتعددة، كأسها، فأجابتني بشيء من التردد:
– ذلك لأننا اشترينا أحد بيوته!!
تأملتها لحظات غير مصدّق ما سمعت؛ فالبيوت هنا مرتفعة الأثمان لكون الشارع من أرقى شوارع بغداد!
– لأنكم؟ من تعنينه بهذه “أنكم”؟
سألتها بشيء من قسوة؛ فرمقتني من فورها بنظرة الذعر القديمة التي كانت دائمة الارتسام في عينيها، كمن اعتاد زجر الآخرين، لتوضح بعدها باندفاع وكأنها تدفع عن نفسها تهمة:
– أنا ويحيى بطبيعة الحال!
– أنت ويحيى؟ وهل استعضتما عن استنساخ الكتب بالمتاجرة ببيع العقارات هذه المرة؟
عدتُ أسألها بالقسوة نفسها، فتأملتني لحظات بعينين لم أدرك جمالهما إلا تلك اللحظة. وكانت شمس الصباح قد انصبت على وجهها جانبياً كاشفة اتساق تلك الملامح وسط هالة شعرها الأشقر الذي زادته الشمس سطوعاً.
– أصدقني القول يا أستاذ: أأنت غاضب مني لأمر أجهله؟!
فوجئت بسؤالها؛ فبادلتها النظر لحظات وأنا في حيرة من كيفية الرد، لكنها سارعت بانتشالي بأن استرسلت مبتسمة:
– أنا أعرف طبعاً ما حصل بينكما يوم كنتما في طريقكما إلى مطعم “فلس”!… بالمناسبة: أيوجد مطعم بهذا الاسم حقاً؟ أم أنك اخترعته من باب النكاية بيحيى؟
واسترسلت في كلامها دون أن تنتظر ردي: فتحدثتْ عما سببته من ألم ليحيى في ذلك اللقاء العاصف الذي انتهى بخروجي من سيارته – وسط هدير أجهزة تنبيه السيارات الذي انطلق احتجاجاً على قطع يحيى عنهم السبيل بإيقاف سيارته وسط الشارع – صافقاً ورائي بابها منهياً بذلك صداقة كانت مضرب المثل في الأسلاف.
– صدّقني يا أستاذ: لم يكن يحيى يستطيع الإمساك بدموعه كلما تطرق إلى ذكر تلك اللحظات، وحينما كنت اسأله عما يمنعه من أن يتصل بك هاتفياً منهياً بذلك ما حدث بينكما من سوء فهم مرده جهلك – واعذرني على هذه المفردة – بحقيقة الأمور؟ كان يؤكد استحالة أن ترد عليه، مكرراً أنك أخذت في احتقاره منذ حدثك عن عمله في المنفذ الحدودي وما ترتب على ذلك من تحسّن أوضاعه المادية.
– لم يكن مخطئاً في يقينه ذاك!
قاطعتها وقد فاض بي الكيل. وأفرغتُ كل ما تراكم في صدري من غلّ ليس بإزاء يحيى فحسب، بل بإزاء كل ما يجري في طول البلاد وعرضها من سلب ونهب منظمين بدءا منذ التاسع من نيسان ليزدادا عنفاً وشراسة بمرور السنوات!
– أتدرين ما هي الأسطورة التي فوجئت بالناس يتداولونها يوم عدت إلى بغداد عقب سفري بأسرتي إلى الأسلاف هرباً من الاجتياح الأمريكي المرتقب؟
باغتُّ “دنيا” بذلك السؤال، واستطردتُ متحدثاً عما أشيع عن توقف “كهرمانة”، في نصبها القائم في “الكرادة”، عن سكب الزيت في جرارها، منذ التاسع من نيسان، حيث شوهد أربعون لصاً يثبون تباعاً مغادرين تلك الجرار ليتوزعوا، تحت جنح الظلام، في شتى أرجاء بغداد!
– أنا لم أصدّق تلك الأسطورة بطبيعة الحال؛ بل عزوتها إلى شعور الناس بافتقاد الأمان، لكنني الآن، حين أستعيدها مع نفسي، أذهل لمدى قدرة الحس الشعبي العريق على استباق الأحداث: فها هو ما كان يخشى حدوثه منذ أول يوم للاحتلال وقد بات تحصيل حاصل مع فارق تمثّل بأن هؤلاء اللصوص أمسوا الآن يعدون آلافاً مؤلفة في طول البلاد وعرضها!
– يا لها من صورة سوداوية هذه التي يتبدى لك فيها يحيى المسكين!
علّقتْ “دنيا” وهي تتأملني بأسى، فأجبتها كالمعتذر:
– اعذريني فالأمر خارج عن إرادتي.
فعادت تتأملنني بنظرة ثابتة قبل أن تسألني على حين غرة:
– هكذا تحتقره دون أن تعرف دافعه لعمله ذاك؟
– وما يكون دافعه غير تسويغ عمله بذكر الأسباب المعهودة: فقره الأبدي، وطفولته البائسة، وقسوة أبيه “المبيضجي” وهو يتمايل يميناً وشمالاً في تجليته للأواني النحاسية، وقسره على زواج مبكر لأن من تزوجها كانت دون مهر وأنها…
وسكت مستعيداً مع نفسي بقية كلام يحيى عن أبيه وهو يخبره، وسط شتائمه، أن زوجته ستكون بمثابة ثقب سيفي بأغراضه الدنيئة قبل أن يورّطه مع إحدى بنات الجيران!
– ولكن الأسباب التي كان يستند إليها حقيقية ولم تكن قط تسويغاً لعمله هناك.
قالتها وقد زوت ما بين حاجبيها استنكاراً، فأجبتها متهكماً:
– في هذه الحالة ما من امرئ ينحرف عن سواء السبيل إلا وله الأسباب التي يسوغ بها انحرافه!
– من المؤكد أن كلامك صائب لو كانت الأمور تجري في سياقها الطبيعي لا كما شأنها الآن إذ الأخ يكاد يفترس أخاه.
ومضت تحدثني عما يجري في الأسلاف الآن حيث الجميع في سباق محموم لاغتنام الفرص المتاحة بعد سنوات الحصار التي حرموا خلالها من أبسط وسائل العيش كبشر.
– يدهشني أن أسمع منك هذا الكلام الغريب وأنت المسيحية التي تربّتْ على قيم الفداء والتضحية!
قاطعتها بتلك الجملة الاستفزازية؛ فكفت من فورها عن النقر على كتلة المثلجات التي كانت قد بدأت بالذوبان في كأسها. وسألتني ويدها معلقة بالملعقة في الهواء:
– وهل اختلف المسيحيون في عمق معاناتهم، في فترة الحصار، عن المسلمين؟
– أبداً؛ لقد ذهبت بعيداً في فهم كلامي، في حين أنني تذكرت – وأنا أسمع تسويغاتك – ما ورد في الإنجيل: “ما قيمة أن تكسب العالم وتخسر نفسك”؟
– ما ورد في الإنجيل هو كلام الله… أما أنا فأعيش على الأرض حيث لا سبيل لي إلى الحصول على خبزي “كفاف يومي” إلا بشقّ النفس!
قالتها وهي تغرز الملعقة بحركة سريعة في كتلة المثلجات، وسحبت منديلاً ورقياً من حقيبتها اليدوية أخذت تمسح به أصابعها وهي تتطلع أمامها بنظرة ساهمة.
– نحن سلالة آيلة إلى الانقراض!
أضافت بصوت خفيض وكأنها تخاطب نفسها. وسألتني وهي تحدق في عيني مباشرة:
– أتدري يا أستاذ كم عدد المسيحيين الذين يعيشون الآن في الأسلاف؟ إنهم لا يكادون يتخطون أصابع اليدين إلا قليلاً!
ومضت تتحدث عن شروع المسيحيين بالهجرة إلى أوربا وأمريكا وأستراليا ونيوزلندا منذ اشتعال الحرب بين العراق وإيران، حتى إذا ما فرض الحصار في أعقاب احتلال الكويت تضاعفت أعداد المهاجرين لتتحول إلى أرقام فلكية بعد الاحتلال الأمريكي وبروز التنظيمات الأصولية المتطرفة على الساحة، هذه التنظيمات التي ناصبت الأقلية المسيحية العداء.
– تصوّر… لم يبق من أسرتي سوى حشد عجائز أصغرهم أنا التي تخطيت الثلاثين من عمري. إنهم مجموعة رجال ونساء يبعث منظرهم – بشعرهم الأبيض، وظهورهم المحنية، وخطاهم المتعثرة وهم يتجولون في أرجاء البيت دون هدف – على الشفقة. إنهم لا يجازفون بالخروج إلا عند الضرورة القصوى، وإن حصل فلا مفر لنا من أن نتصل بهم هاتفياً – وحمداً لله لأن وجود الهاتف النقال يوفر علينا الكثير من القلق – لنطمئن إلى أنهم وصلوا إلى أهدافهم بسلام ولم يختطفوا مثلاً لنساوم على إطلاق سراحهم لقاء مبالغ خيالية!
وصمتت لحظات لتلتقط أنفاسها قبل أن تواصل الكلام:
– والحجاب؟ هل سمعت قبل الآن بمسيحية تعمد إلى الاقتداء بالمسلمات في ارتداء الحجاب؟ لا أعني نفسي بطبيعة الحال؛ ذلك لأنني لم أتحجّب إلا استجابة لإلحاح يحيى، بل أعني أفراد أسرتي المسنّات: إذ من المحال عليهن مثلاً الخروج حاسرات الرؤوس؛ ذلك لأنهن لن يطقن النظرات المنتقدة والمستهجنة التي تلاحقهن في رواحهن ومجيئهن، هذا إذا لم يتطور الأمر إلى الزجر علناً، أو الإهانة والضرب كما حصل أكثر من مرة!
– أيعقل أن أثير لديك كل هذه التداعيات لمحض سؤالي البريء إن كنتما قد استعضتما عن العمل باستنساخ الكتب بالمتاجرة ببيع العقارات؟
سألتها وأنا اصطنع الدهشة، بيد أنها لم تؤخذ بطريقتي في طرح السؤال؛ ذلك لأنها أجابتني متهكمة:
– يا له من سؤال بريء!… يبدو أنك يا أستاذ – وأعتذر مرة أخرى على صراحتي معك – لا تزال تنظر إليّ نظرتك إلى “دنيا” المحجّبة وهي منهمكة بالعمل على آلة الاستنساخ!
وأضافت وهي تزيح بظاهر يدها كأس المثلجات من أمامها لتنحني على المنضدة مقرّبة وجهها مني وهي تتطلع إليّ عن كثب:
– لم أجازف في القيام بهذه الرحلة إلا لكي التقيك لأجل أن أبدد ما تراكم لديك من أوهام عن العلاقة التي تربطنا أنا ويحيى… ذلك لأننا متزوجان… نعم أنا ويحيى متزوجان، والبيت الذي اشتراه في هذا الشارع المترف هو مهري!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق