ثقافة المقال

الفضيحة.. بين كوميديا عادل إمام وميتافيزيقا مارتن هيدجر

د. ماهر عبد المحسن

للفضائح جاذبية خاصة لدى عموم الناس، لأنها تنطوي، غالباً، على ما هو غريب ومثير من ناحية، وتنطوي على معنى غير أخلاقي يُشعر متلقي الفضيحة بأنه أكثر أخلاقية من ناحية أخرى. فالمسألة تشبه كثيراً اللذة الناجمة عن مشاهدة أفلام الرعب وأفلام الكوارث، ففي كل الأحوال يجد الإنسان نفسه أمام أزمة طاحنة أو أحداث كارثية مليئة بالمخاطر، لكنها لا يمكن أن تصيبه بالأذى لأن ثمة مسافة تفصل بين الحدث وأبطاله، وبين متلقية، وهذه المسافة هي نفسها التي تفصل الواقع عن الخيال.
فحتى الأحداث الحقيقية التي تنطوي على فضائح صارت، هى أيضاً، فى مستوى العمل الفني، الخيالي، لأن المتلقي هنا أيضاً يخبر الوقائع عن طريق غير مباشرة من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وفى هذا السياق، لا يفوتنا أن نشير إلى أن التنظير للفضائح، بوصفها ظاهرة اجتماعية لها حضور كبير في حياتنا، لم يحظ بنفس الاهتمام الذى حظيت به ظاهرة “الشائعات”. غير أني لا أنسى الكتاب الممتع “كيمياء الفضيحة” الذى كتبه أنيس منصور، وهو يتناول فضائح بعينها تخص المشاهير، ليطرح إشكالية انتشار الفضائح، وقد توصل إلى أن هناك نوعاً من الكيمياء الداخلة فى تكوين الفضيحة بحيث تساعد على انتشارها بسرعة أكبر من أي ظاهرة أخرى. والحقيقة أن هذه الكيمياء، إذا استخدمنا مصطلحات مفكرنا الكبير، يمكن أن توجد في متلقي الفضيحة أكثر مما توجد في الفضيحة نفسها، لأننا كما ذكرنا نحمل بداخلنا ميلاً فطرياً للتعرف علي ما هو مثير، ويحمل دلالة على “لا أخلاقية” الآخرين فى الآن نفسه.
وإذا كانت الفضيحة ترتبط باللذة والفضول من قبل مشاهدها أو مستمعها، فهي ترتبط بالخوف من قبل صاحبها. فالناس، المفطورون على الانجذاب والتطلع على فضائح الآخرين، مفطورون أيضاً على الخوف من الفضيحة أن تقع لهم، ومن هنا يأتي التعبير الدارج “بلاش فضايح”. والمسألة بهذا المعنى لها بعدان، أحدهما معرفي، والآخر نفسي، والإنسان العادي يحمل بداخله كلا النزوعين المتناقضين، أن تسعى إلى التطلع علي سقطات الآخرين، وأن تتجنب، فى ذات الوقت، أن تكون سقطاتك موضوعاً لمعرفة الآخرين.
وإذا مضينا فى الاتجاه الأول حتى نهايته فإنه سيصل بنا، حتماً، إلى مسألة “التلصص”، لأن المعرفة المتحصلة من الفضائح لا تنتمى إلى دائرة العلم وإنما الأخلاق، وتحديداً اللا أخلاق، كما ذكرنا. وهنا يمكن أن يتحول النهم المعرفي إلى نوع من الهوس، أشبه بالهوس الجنسي القائم على الرغبة في إشباع شهوة الحس. وعلى ذلك يأتي التلصص على مساوئ الآخرين بمثابة الاطلاع على عوراتهم اللاأخلاقية. وهنا يمكننا استدعاء التحليل الفلسفي البارع لمفهوم “النظرة” على نحو ما طرحه سارتر في كتابه “الوجود والعدم”. ووفقا لهذا التحليل تكون العلاقة بالآخر، التي تحكمها النظرة، هي علاقة آثمة، لأنها تحصر الآخر في دائرة ضيقة وتجعله أسير نظرتي، بحيث لا يستطيع أن يتصرف إلا على النحو الذى أراه من خلاله.
وإذا مضينا فى الاتجاه الآخر، الخوف من الفضيحة، حتى نهايته كذلك، لوصلنا إلى نوع من الفوبيا (الخوف المرضى)، يمكن أن نطلق عليه “فوبيا الفضيحة”. وفى هذا الصدد، يُلاحظ أن هذه الفوبيا من الممكن أن تكون وسيلة للضغط من قبل الآخرين، الذين لا تعنيهم الفضيحة فى حد ذاتها قدر عنايتهم بالنتائج العملية المرجوة من التهديد، الذى يصل فى معظم الأحيان إلى درجة الابتزاز. ولعلنا نذكر فيلم “البحث عن فضيحة” للنجم عادل امام، الذى يعتبر تجسيداً صارخاً لهذه الفكرة بالرغم من الطابع الكوميدي للفيلم. وتتجلي أهمية الفيلم، بجانب القيمة الفنية، في أنه استخدم فضيحة وهمية من أجل الوصول لهدفه، واستند فى ذلك، لا على الفضيحة نفسها، ولكن على الخوف من الفضيحة، ومن ثم كان حرص السيناريو على توليف مجموعة من الوقائع المفتعلة من أجل صناعة فضيحة لا تستند إلى وقائع حقيقية.
وفى هذا السياق، يُثار التساؤل عن أسباب زيادة الفضائح في هذه الأيام، وإلى أي مدى كان للتدنّي الأخلاقي وازدياد معدلات الجريمة دخلاً في شيوع وانتشار الفضائح؟
في الحقيقة أن طرح هذه التساؤلات يُعد أمراً ملحاً في لحظتنا الراهنة، في ظل هذا الطوفان الكاسح الذى يحاصرنا يومياً من أخبار تدور حول جرائم الشذوذ، وزنا المحارم، والخيانات الزوجية، وكلها أمور تستدعى الفضيحة، لأنها تمس العرض، وهى مسألة ذات حساسية خاصة في المجتمعات العربية، كما ترتبط الفضائح المعاصرة بنوع من الممارسات السياسية الصادمة والمثيرة في آن، على نحو ما نجد في “التسريبات السياسية”، وهى مقاطع، مسموعة أو مرئية، تعكس أموراً من المفترض ألا يطلع عليها المواطنون، نظراً لحساسيتها من ناحية، ولأن من شأنها أن تكشف عن الوجه الآخر للسياسيين المسؤولين عن الحكم في البلاد، وإلقاء الضوء على الطبيعة الحقيقية لسياساتهم الناعمة التي يروجون لها في الظاهر، وهى أيضاً مسألة لها أهمية خاصة لدى المواطن العربي.
ولكى نجيب على هذه التساؤلات ينبغي أن نعود للمعنى اللغوي للفضيحة، فالفضح هو الكشف، وهذا يعني أن الفضيحة شيء كان مستوراً ثم انكشف، ما يعنى أن السلوك المشين محل الفضيحة لا يرتبط فى وجوده بالفضيحة، فهو موجود مسبقاً، ولكن تأتى هذه الأخيرة لتنقله من الخفاء إلى العلن.
وهنا يمكننا الرجوع إلى مارتن هيدجر، الذى يرى الحقيقة بوصفها تكشفاً، فليس هناك ظاهر وباطن، وإنما تكشّف، فحقيقة الشيء تكمن في ظهوره لا في شيء آخر يقبع وراءه. وأذكر أنى عندما كنت اشرح هذه الفكرة لطلبتي في مادة الميتافيزيقا، كنت اطلب منهم أن يتخيلوا العدم كحجرة مظلمة مكتظة بالأثاث، وأن هناك شخص يمسك بكشاف مضاء، ويتحرك به في أرجاء الحجرة، بحيث يتعرف على محتوياتها تدريجياً من خلال الضوء الساقط عليها، فكل قطعة أثاث في الظلام هي بمثابة المعدومة، ولا تتكشف حقيقتها الا عندما ينيرها ضوء الوجود (الكشاف) الساقط عليها.
وبنفس المعنى يمكن أن نفسر حقيقة الفضيحة وعلاقتها بالتدنّي الأخلاقي وازدياد معدلات الجريمة. فمهما كان مستوى الأخلاق في أي عصر، فالجرائم موجودة، والفضائح لا تنتهى، لكن الفارق أن وسائل الفضح، في زمننا، باتت أكثر، من حيث الكم والكيف. ويكفى اختراع الموبايل ومواقع التواصل الاجتماعي التي تجعلك ترى السلوك المشين مفضوحاً أمامك، بالصوت والصورة، وقت حدوثه. ليس هذا فحسب، بل إن صنع الفضيحة الوهمية لم يعد قاصراً على الأفلام، وإنما أصبح جزءاً من الواقع الغريب والمثير الذى يعيشه إنسان هذا العصر في كل لحظة. فنحن نحيا فى زمن يتداخل فيه العالم الواقعي بالعالم الافتراضي بالدرجة التي تجلنا نطلق عليه “عصر السيو الاجتماعي”، أى العصر الذى يتصرف فيه الناس، الراغبون فى الشهرة أو جمع المال، بحيث تظهر تصرفاتهم على محركات البحث، الافتراضية كجوجل، أو الحقيقية كالوعي الجمعي.
إن عبارة “اقرأ الحادثة” التي تربى عليها وعينا البريء ذات يوم، لم تعد مناسبة لزمن يرفع شعار “شاهد الحادثة وشارك فى الفضيحة”!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الفضيحة.. بين كوميديا عادل إمام وميتافيزيقا مارتن هيدجر”

  1. فيما يتعلق بنظرة هايدغر إلى /الحقيقة بوصفها تكشُّفا/، وبقول الكاتب /فليس هناك ظاهر وباطن، وإنما تكشُّف، فحقيقة الشيء تكمن في ظهوره لا في شيء آخر يقبع وراءه/..
    هايدغر يهتم كثيرا بدقة التعبير اللغوي، تحديدا.. وعلى ذلك، ليس دقيقا القول بأنه /ليس هناك ظاهر وباطن، وإنما تكشُّف/.. والأدق القول بأنه ليس هناك باطن ما دام مخفيا، ولكن هناك ظاهر ما دام مكشوفا.. وهذه النظرة الهايدغرية لا تختلف، من حيث المبدأ، عن نظرة الظاهرية /في مقابل الباطنية/ في التراث الفكري الإسلامي.. !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق