قراءات ودراسات

قراءة في رواية دفاتر الوراق

للروائي الأردني جلال برجس

عفيف قاووق

دفاتر الورّاق للروائي الأردني جلال برجس،صدرث حديثا في طبعتها الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سبق وأن تعرفت على هذا الكاتب من خلال روايته السابقة “سيدات الحواس الخمس” والتي حفزتني لترقب نتاج هذا الكاتب وسعييِّ للحصول على نسخة من دفاتره ” دفاتر الورَّاق”.
تميزت الرواية بلغة سهلة وبليغة في آن، مع تسلسل فصولها ، وبإنتهاج أسلوب مشوق بصبغة بوليسية إلى حد ما ، وبرزت مهارة الكاتب في قدرته على الإمساك بخيوط الرواية المتعددة والمتشعبة بالرغم من قيامه بإنهاء كل فصل والتوقف عن السرد عند حدث مفاجيء او مشوق لينتقل إلى فصل آخر ودفتر آخربشكل يجعل القاريء في حالة إرتهان وترقب وتتبع لما ينتظره من أحداث.
تعدد الرواة في الرواية أعطاها نكهة خاصة تبعدك عن الملل الذي يُحدثه السرد لو كان على لسان راوٍ واحد. فالراوي الأحادي السرد والكلام والرؤية، يحرم الشخصيات من قول ما تريد بشكل عفوي ومنسجم مع حركتها ودورها . لذا أوكل الكاتب لكل شخص من شخوص روايته مهمة قراءة دفتر من دفاتر الوراق هذه.
الصحافية “ناردا” قرأت في دفتر جادالله والد أبراهيم الوراق لنتعرف على بعض المحطات المفصلية في يومياته ، في حين أن إبراهيم إضافة إلى سرده تفاصيل يومياته والعلاقة التي ربطته بكافة شخوص الرواية فقد تولى بنفسه القراءة في دفتر الصحافية ناردا لتكتمل الحكاية ويسهل الربط بينها وبين والده جادلله. ايضا السيدة إيميلي تولت بنفسها البوح بمكنونات دفترها وكذلك ليلي فعلت الشيء نفسه وأيضا الطبيب يوسف السماك. لقد تولى كل شخص من الشخصيات الرئيسية في هذه الرواية بقراءة دفتره والإفصاح عن سره الخاص الذي رافقه وأثر به طيلة حياته.
أماكن ثلاثة هي مادبا ،عمّان وروسيا جرت فيها أحداث الرواية وأيضا تناولت يوميات أجيالا ثلاثة ، محمود الشموسي الاجير وراعي الأغنام والذي يصرعلى ان يصبح ولده جادلله طبيبا، ولكنه خيّب حلمه بدراسة الطب ودرس الفلسفة في روسيا وقبل ذلك انتسب للحزب الشيوعي . وجادالله العائد من روسيا مهزوما بسبب حنقه وغضبه من خذلان الإتحاد السوفياتي للعرب في حرب حزيران 67 هذا الغضب دفع ثمنه إعتقالا في السجون السوفياتية . وعاد إلي موطنه منكسرا بسبب وفاة زوجته الروسية أيضا. وتوالى مسلسل الهزائم والإحباط لجادلله ليعتقل مرة ثانية في الاردن وتهمته انه شيوعي ولم يطلق سراحه إلا بعد ان تخلى وتبرأ من كل مبادئه ومعتقداته فعاد إلى بيته مهزوما خائفا من كل شيء وينتهي به الأمر مشنوقا في المطبخ. ليبقى ولده إبراهيم الذي ورث عنه كشك الوراق لبيع الكتب يُقلب لنا مع غيره من الذين عاصرهم في دفاتر الوراق لنتعرف على هذه الرواية.
الشخصية الرئيسة في هذه الرواية هي إبراهيم الوراق الذي فقد كشك الكتب الذي ورثه عن أبيه كونه صودر من قبل المتنفذ إياد نبيل لبناء مول تجاري مكانه فأصبح بدون عمل ، وبدأ يشعر ان هناك صوتا بداخله يأتية كلما انتفخت بطنه كما تنتفخ بطن المرأة الحامل. هذا الصوت يحرضه على ان يثور على نفسه وينتقم من الذين تسببوا له بهذه الأذية . وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا ان حالة الإنتفاخ هذه المشابهة لحالة الحمل تؤذن بولادة هذا الصوت الحبيس في اللاوعي لكل منَّا ولا بد له ان يخرج يوما ليحرضنا على القيام بأفعال قد تنسب في ظاهرها الى انها عنفية وشريرة ولكن بالحقيقة قد تكون ثورة محقة على ما نكابده من ظلم وتعسف.
بإنصياعه لهذا الصوت وإنقياده له (متقمصا لشخصيات روايات كان قد قرأها مثل “سعيد مهران بطل رواية اللص والكلاب ،أحدب نوتردام، بطل موسم الهجرة إلى الشمال مصطفى سعيد، دكتور زيفاكو وأيضا أحمد عبد الجواد شخصية سي السيد عند نجيب محفوظ وغيرها.) تحول إبراهيم الوراق إلى لص وسارق وربما أحيانا إلى قاتل . يسرق من الأغنياء لإيواء المشردين والأيتام.
جملة من القضايا الإجتماعية أثارتها الرواية وسنحاول ان نشير الى البعض منها.
مواجهة الظلم والفساد وعدم الإستسلام: هي دعوة صريحة تناولتها الرواية ،ألم يقل الصوت الداخلي لإبراهيم مصيبتنا في صمتك ؟ فعندما رضيَ إبراهيم الوراق بمصادرة كشك الكتب خاصته من قبل المتنفذ إياد نبيل، أتاه الصوت من داخل بطنه ” كان يجب أن تتمترس في الكشك لئلا يزيلوه وتقول لهم لا، لو كنت مكانك لما تجرؤوا على الإقتراب مني ” (ص 26). وفي مكان آخر يتساءل ابراهيم الوراق كيف يحدث لموظف لا يتجاوز راتبه الشهري 500 دينار أن تتغير أحواله ويقتني الملابس الفاخرة والسيارات الجديدة والمسكن الجديد (ص 42).
القمع والإعتقالات السياسية : وهي حالة لا ينفرد بها المكان التي جرت فيها أحداث الرواية بل تشاركه بها معظم بلادنا العربية حتى أصبحت حالة الخوف والحذر هي السمة السائدة في مجتمعاتنا العربية هذه الحال دفعت بجادلله الوراق العائد من الإعتقال الثاني الذي تعرض له إلى تحذير أفراد عائلته قائلا:”من الآن فصاعدا عليكم أن لا تثقوا بأي شخص..(ص23). داعيا إبنه إلى أن يبقى كتوما، ما أدراك أن البقّال مثلا ينقل المعلومات للجهات الأمنية ؟ألم تلاحظ كيف يتنصت عمال النظافة على البيوت يلتقطون أي كلمة ليدونونها في تقاريريهم اليومية ؟ (ص70).
الفقر والتشرد وفقدان الأمن الإجتماعي : تقدم لنا الرواية نموذجا عن حالة الفقر وغياب الرعاية الإجتماعية،هذا النموذج هو أنيسة جارة إبراهيم الوراق التي تلتقط فتات أرغفة الخبز وحبات الطماطم من حاويات النفايات ، في مقابل ذلك نجد المحاباة في تنفيذ سياسة الرعاية الإجتماعية فبينما يرفض مسؤول الرعاية الإجتماعية عماد الأحمر صرف مساعدة شهرية لهذه الجارة نراه يصرف لأحدهم راتبا شهريا رغم إنه ليس بحاجته.(ص28).
المرأة وما تتعرض له من مشاكل: لم تغب المرأة عن ذهن الكاتب فقد كان لها حيزا مهما وادوارا مختلفة ، فهذه ليلي مجهولة النسب اللقيطة التي عاشت طفولتها وصباها في الملجأ إلى جانب أترابها لم تسلم من التحرش سواء داخل الملجأ من قبل المشرفة عليها “رناد محمود” ولم يمنعها تنكرها بزي الرجل من التعرض للتحرش خارج الملجأ. كما وان البعض من زميلاتها اللاتي خرجن من الملجأ إضطررن إلى الإنحراف وإمتهان البغاء. اما البعض الأخرفقد لجأ للسكن في بيت مهجور وتوزعوا ما بين التسول وبيع المناديل الورقية على إشارات المرور.بالمقابل كان للمرأة ( السيدة نون ) الدور الإيجابي في حياة إبراهيم الوراق فهي التي أعادت له الرغبة في الحياة بعد ان كان قد قرر الإنتحار . وفي إشارة موجزة تضيء الرواية وإن بشكل عابر إلى ما أصطلح على تسميته بجرائم الشرف في إشارة إلى إحدى الفتيات التي كانت على علاقة بزميلها في الجامعة فقام شقيقها بذبحها في الشارع متباهيا بأنه غسل عاره.(ص97). وإنسحب هذا النمط من السلوكيات على تصرف والد ناردا بأن قام بحرق الكتب وتكسير جهاز التلفزيون وفرض نمطا جديدا على عائلته لناحية الملبس وملازمة البيت وعدم سماع الأغاني وغيرها من الأمور المقيدة للحرية الشخصية. (ص97 و99 ) . لذلك عندما فقدت ناردا عائلتها جراء حادث سير شعرت وكأنها تخلصت من كابوس نراها تقول :” أنا إمرأة جاء وقتها الذي تنام فيه بسكينة، أريد نسيان أني عارَّ غيرت إسمي وطريقتي في إرتداء الملابس ورفعت منسوب جسارتي في الإقتراب مما أحب والإبتعاد عما أكره وتعلمت أن أقول لا حينما عرفت أن بإمكان هذه الكلمة أن تجنبني حلقة من سلسلة تلتف حول قدمي…(ص123). وتنكرت لذاكرتي ولسكانها ليس لأني لا أحبهم بل لأني كنت شغوفة بأن أسترد نفسي منذ أن وجهوا لي الأمر الأول (ص124)
التفلت من السلطة الأبوية القاهرة : “هل نستريح وتزول عنا عللنا إن قتلنا أباءنا؟! يبدو أننا مرهقون بالأبوية” بهذه العبارة يتساءل الدكتور يوسف السماك خلال محاورته مع إبراهيم .التخلص من هيمنة الأب برزت أيضا عندما خالف جادالله رغبة والده وانصرف لدراسة الفلسفة بدلا من دراسة الطب، هذه المخالفة دفع ثمنها رصاصة في كتفه من والده عندما علم بالامر.وبرزت أيضا عندما تمرد عاهد شقيق إبراهيم على والده وترك المنزل مهاجرا ولاجئا إلى تركيا رافضا أن يعيش في جلباب أبيه قائلا ” لن أكون نسخة عنك ” (ص11). واللأفت هنا أن نهاية إبراهيم الوراق وإنفضاح أمره أتي خلال محاولته سرقة منزل متقمصا شخصية أحمد عبد الجواد سي السيد وكأن الرواية تريد التأكيد على القضاء او الرغبة في التخلص من السلطة الأبوية القاهرة التي مثلها سي السيد.
التمايز الطبقي بين فئات المجتمع : بإشارة لافتة ولكن معبرة تطرقت الرواية إلى التمايز الطبقي وإندثار الطبقة الوسطى وهذه ربما حال المجتمعات في مختلف بلادنا العربية ، “غادرت وسط البلد حيث الإنتقال المفاجيء من عالم إلى آخر،كل شيء مختلف كأنهما مكانين ألصقا عنوة ببعضهما.. كل شيء لا يشبه الشق الآخر من عمان..(ص34).
الإعلام وقدرته على تحوير الحقائق:عندما يكون الإعلام ممسوكا تكون الحقيقة إما مغيبة أو ناقصة وبالتالي وكما ورد في الرواية ” لن تجد الحقيقة في الصحف،الحقيقة في الشارع الذي أمضيت فيه عمراَ ولم تعرفه جيداَ ” (ص30).
أخيرا أختم بالفقرة الأخيرة لأسأل هل إبراهيم هو القاتل أم أن والده هو من دفع بنفسه عن الكرسي، وإبن أنيسة هو من قتل عماد الأحمر،ويوسف السماك قتل إياد نبيل، وليلي قتلت رناد محمود. والسؤال الآخر والأهم هل الصوت الداخلي لإبراهيم صنع منه لصا أم بطلاً .

 
*لبنان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق