ثقافة المقال

الأرمن وحربهم الدينية والعرقية على أذربيجان

إدريس بوسكين*

في عام 1992 وبعيد انهيار الاتحاد السوفياتي هاجمت القوات الأرمنية أذربيجان بدفع من الروس وبدعم منهم للإستيلاء على إقليم “قره باغ” الأذري لتنطلق حرب دامية استمرت قرابة العامين أسفرت عن احتلال الأرمن لهذا الإقليم الاستراتيجي الواقع غرب أذربيجان قرب الحدود مع أرمينيا (حوالي 20% من مساحة أذربيجان) وإبادة الآلاف من الأذريين المسلمين وطرد مليون منهم من قراهم وأراضيهم التاريخية، ورغم انتهاء الحرب بوقف إطلاق النار عام 1994 إلا أن الدولتين لا تزالان في شبه حرب دائمة.
يعتبر إقليم “قره باغ” أو “ناغورني قره باغ” أرضا أذرية خالصة وفقا للقانون الدولي ووفقا لقرارات الأمم المتحدة غير أن الغرب وروسيا -ورغم خلافاتهما السياسية والاقتصادية والعسكرية “الأبدية”- يتوحدان في الدفاع عن أرمينيا فقط لأنها مسيحية وأذربيجان مسلمة.

من حيث المعنى اللفظي تنقسم كلمة “ناغورني قره باغ” إلى قسمين “ناغورني” ومعناه في الروسية “جبلي” و”قره باغ” ومعناه في الأذرية وبقية اللغات التوركية “الحديقة السوداء”، ومعنى الكلمة ككل “الحديقة السوداء الجبلية”، وأما في أذربيجان فيطلقون عليها “يوخاري قره باغ” أي “الحديقة السوداء العليا”.

تعتبر منطقة القوقاز الجنوبي -و”قره باغ” جزء لا يتجزأ منها- منطقة استراتيجية جدا في أوراسيا ليس فقط لموقعها الجغرافي وإنما أيضا لكونها غنية بالنفط والغاز، غير أنه تغلب على هذه الأخيرة التضاريس الجبلية بما تضمه من غابات ووديان، كما أنها فقيرة جدا من حيث مواردها الطبيعية (الثروات الباطنية) ولهذا فإن أغلب سكانها يشتغلون في الزراعة وتربية المواشي.

دعم غربي وروسي دائم للأرمن

منطقة القوقاز ككل كانت نقطة صراع تاريخي بين الإمبراطوريات الثلاث العثمانية والإيرانية والروسية وطبيعة الصراع من طبيعة سكان المنطقة حيث ينقسمون عرقيا إلى شعوب توركية وقوقازية وهندو-أوروبية، وهي اليوم نقطة صراع دولي بين اللاعبين الإقليميين روسيا وتركيا (القصد هنا القوقاز الجنوبي) و”قره باغ” هي مكان المواجهة، فروسيا تدعم أرمينيا ليس فقط لأنها حديقتها الخلفية في القوقاز الجنوبي وإنما أيضا لكونها مسيحية وأورثودوكسية مثلها تماما وبحكم أيضا العداوة التاريخية للروس ضد المسلمين في المنطقة في حين أن تركيا تدعم أذربيجان باعتبارها دولة إسلامية وتوركية في نفس الوقت.

كما تدخل خط الصراع الولايات المتحدة الأمريكية التي تتخذ الحياد ظاهريا وتدعم أرمينيا في الخفاء بسبب عدائها التقليدي للإسلام وكذا تحركات اللوبي الأرمني في الكونغرس لدرجة أن أرمينيا هي ثاني أكبر بلد في العالم يتلقى المساعدات الأمريكية بعد إسرائيل (بالنسبة للفرد) وفقا لتقارير دولية.

ونفس السياسة الداعمة لأرمينيا يتبناها أيضا الاتحاد الأوروبي -بزعامة فرنسا- الذي يدافع علنا عن قضايا الأرمن في سياق عداوته للإسلام ولتركيا التي تقف منذ قرون طويلة حائط صد منيع في وجه السياسات الاستعبادية للأوروبيين بحق المسلمين، غير أن الاتحاد الأوروبي ينادي أيضا بالعمل على حفظ الاستقرار وخصوصا عبر “مجموعة مينسك” ليس فقط من أجل الدفع بأذربيجان لتقبل الأمر الواقع (احتلال أرمينيا لقره باغ) وإنما أيضا من أجل حفظ امدادات النفط والغاز إليه من بحر قزوين.

وأما إيران فتدعم علنا أرمينيا رغم أن أذربيجان مثل إيران مسلمة وشيعية (أغلب سكانها شيعة ولكن نظامها علماني) وهذا رغبة منها في الحفاظ عليها كسوق لمحروقاتها في ظل العزلة الدولية التي تعاني منها وأيضا لإبعادها عن شر التبعية للغرب حتى لا تكون شوكة أخرى في خاصرتها.

خوجالي .. الإبادة المنسية

“قره باغ” هو أحد أقاليم أذربيجان التاريخية، تبلغ مساحته 4400 كلم مربع ويبعد بحوالي 270 كلم عن العاصمة الأذرية باكو، وقد كانت عاصمته التقليدية “شوشا” ذات غالبية أذرية ومركزا علميا وثقافيا للأذريين، غير أنه بعد احتلال الأرمن للمنطقة بمساعدة إخوانهم في العقيدة الروس الأورثودوكس عام 1994 تمت إبادة الآلاف من سكانها الأبرياء، كما تم طرد آلاف آخرين، إضافة إلى تطهير ثقافي لجميع معالمهم الإسلامية بما فيها المساجد والكتاتيب والزوايا بما تضمه من مصاحف ومخطوطات قديمة ليعلنوا بعدها عن شبه دولة مسيحية أورثودوكسية الهوية ذات حكم ذاتي لم تعترف بها ظاهريا إلا أرمينيا.

إبان هذه الحرب ارتكب الأرمن عام 1992 مجزرة رهيبة في بلدة خوجالي تعرف اليوم بإبادة خوجالي راح ضحيتها المئات من الأذريين الأبرياء أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن الذين تم ذبحهم وحرقهم وهم أحياء بينما اختفى مئات آخرون إلى الأبد كما وثقت له آنذاك الصحافة الدولية.

ويعد كثيرون اليوم هذه المجزرة -التي تخلد أذربيجان ذكراها في 26 فبراير من كل عام- من أبشع الإبادات في القرن العشرين، كما تعترف بها العديد من الدول كباكستان والسودان، غير أن الدول الغربية وروسيا تمارس عليها تعتيما سياسيا وإعلاميا كبيرا، وبالإضافة إلى هذا لا توجد أي دولة مسيحية في العالم تعترف بها.

أرمينيا .. شرطي روسيا في القوقاز الجنوبي

يقدر حاليا عدد سكان “قره باغ” بأكثر من 145 ألف نسمة كلهم تقريبا من الأرمن، والأرمن شعب لا يقبل الغريب بالعيش معه ولو كان مسيحيا أو حتى أورثودوكسيا، أرمينيا مثلا هي الدولة الأكثر وحدة عرقيا في العالم إذ أن كل سكانها تقريبا هم من الأرمن الذين لا يسمحون لأي مجموعة بشرية أخرى بالعيش معهم، وبالمقابل يسمحون لأنفسهم بالعيش في كل مكان بالعالم وحتى بتركيا التي يهاجر إليها اليوم مئات منهم كل يوم عبر القطارات والحافلات قاطعين آلاف الكيلومترات للعمل في مختلف ولاياتها والعودة في نهايات الأسبوع إلى بلادهم ومعهم رغيف الخبز لعائلاتهم.

أرمينيا -على عكس أذربيجان المتطورة والغنية بالنفط- هي واحدة من أفقر دول العالم وهي أرض جبلية زلزالية لم يستطع أهلها يوما تحديثها ولهذا فإن الأرمن دائمو الهجرة إلى الخارج للعمل وتحصيل لقمة العيش وخصوصا إلى روسيا التي يعيش فيها حاليا حوالي المليون منهم، والمضحك أن الآلاف منهم تستضيفهم جمهوريات روسيا التوركية كبشكيريا وتشوفاشيا وتتارستان فالأرمن يروجون عن أنفسهم عالميا أنهم يكرهون الشعوب التوركية ولكنهم لا يجدون عيبا في العمل عندهم.

تعتبر أرمينيا اليوم المنطقة الأكثر خضوعا لروسيا في المنطقة فهي تضم أكبر قاعدة عسكرية روسية في القوقاز بالإضافة إلى مفاعل نووي يحرسه الروس أيضا، كما أن اللغة الروسية هي السائدة في البلاد، وبالإضافة إلى هذا فإن روسيا هي الحامي الأكبر للأرمن في كل منطقة القوقاز، خصوصا بعد دخول تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حيث تمردت كل من جورجيا (التي تعادي أيضا أرمينيا بسبب تبعيتها العمياء للروس) وأذربيجان وتحررتا من الهيمنة الروسية التقليدية ولم تبق إلا أرمينيا خادمة وفية لها.

الروس وسياسة “فرق تسد”

لقد اعتمد الروس منذ زمن ستالين سياسة “فرق تسد” في مختلف جمهوريات الاتحاد السوفياتي عبر استغلال الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية الكبيرة جدا في المنطقة حيث كان هدفهم دائما البقاء “القوة المهيمنة المطلقة”، وروسيا هي التي منحت “قره باغ” لأرمينيا عام 1923 وقامت بعمليات توطين للأرمن إلى المكان حتى يشكلوا الأغلبية كما هم عليه اليوم ما نجم عنه الكثير من المواجهات الرافضة من طرف الأذريين غير أن انتفاضاتهم كانت تخمد في كل مرة بالقوة من طرف موسكو تحت ذريعة “الوحدة السوفياتية”.
وقبيل انهيار الاتحاد السوفياتي، وبالضبط في نهاية الثمانينيات، تصاعد الصراع أكثر خصوصا بعد مطالبات الأرمن العلنية بضم المنطقة لأرمينيا ما أسفر عن صدامات مع الأذريين راح ضحيتها المئات، وبعد انهياره عام 1991 استقلت أذربيجان وأرمينيا بعدها بعام ليعلن قادة الإقليم انفصالهم ونيتهم انشاء دولة مستقلة خاصة بهم لتنضم فيما بعد لأرمينيا تحت مسمى “أرمينيا الكبرى”، وهو ما رفضته أذربيجان لتندلع حرب استمرت إلى غاية 1994 لما تم التوصل لوقف إطلاق النار، وقد مدت آنذاك روسيا الانفصاليين الأرمن بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة كما دعمتهم دبلوماسيا.
اليوم حرب جديدة قد اندلعت بين الجانبين ويبدو أن أرمينيا قد استعدت لها جيدا حيث قامت مؤخرا باستغلال الانفجار الذي ضرب بيروت بدعوة أرمن لبنان للهجرة إلى “قره باغ” والاستيطان فيه وبالفعل هاجر المئات منهم وتم إرسالهم جميعا إلى “قره باغ” أين تم تجنيد الكثير منهم في الحرب ضد أذربيجان.
كما فتحت أرمينيا باب الهجرة للأرمن من مختلف بلدان العالم للتجنيد أيضا في الإقليم كما فعلت إبان الحرب السورية لما جندت المئات من هؤلاء المرتزقة للقتال إلى جانب الجيش السوري وهذا مقابل أموال تدفعها العديد من الجهات أبرزها المنظمات الأرمنية المنتشرة في الغرب والتي دأبها الوحيد معاداة تركيا.
وقد ذكرت أيضا وسائل إعلام أذرية وتركية أن أرمينيا قامت كذلك بتجنيد المئات من إرهابيي “بي كاكا” و”يي بي جي” الناشطين في سوريا للقتال ضد أذربيجان، وكل هذه الأخبار لا تجد مكانا لها في الإعلام الدولي لأن الغرب وروسيا ببساطة يقفان مع أرمينيا.

*صحفي، روائي وكاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق