ثقافة المقال

الإبداع مسئولية فردية

د. نيفين عبد الجواد

إذا كانت الموهبة منحة ربانية يملك إعطاءها أو سلبها خالقها وخالق البشر، فإن شأنها شأن الحياة التي هي أيضًا منحة من خالق الموت والحياة. وقد يتصور البعض أن الموهبة باختلاف أنواعها هي منحة يختص بها بعض البشر دون غيرهم، فإذا بهم لا يصدقون أن كل إنسان لديه موهبة ما أو أكثر يستطيع أن يشعر بها في داخله ويتلمس ملامحها بين حينٍ وآخر –حتى وإن ظلت غير واضحة المعالم له لأطول فترة ممكنة، وحتى إن لم يتخيلها أو يتوقعها كل من حوله.
وتظل الموهبة الفردية كما الجنين الذي يعيش في الخفاء بعيدًا عن الأنظار فلا يدري بوجوده أحد غير صاحبه الذي يحتضنه في أحشائه –وإن كان هو الآخر لا يتمكن من رؤيته! ولأن كل ولادة لابد لها من موعد محدد يخرج فيه الجنين إلى النور طالبًا لحرية الحركة في الفضاء الفسيح بعيدًا عن ظلمة ذلك الرحم الضيق الذي قد ضاق به، فإن عدم انتهاز فرصة الخروج في الموعد المقرر لها قد يُعرض الجنين للموت فيُحرَم بذلك من نعمة الوجود الحر الملموس بعدما ظل حبيسًا ومختبئًا ولا يتلمس أحد وجوده الفعال.
فهل صاحب الموهبة وحده هو المسئول عن خروجها للنور وعن انطلاقها للوجود بحرية؟
إن الحياة إذا كانت مسئولية فردية لكل حي، فإن كل ما يمنح قيمة للحياة ويعطي معنًى لها هو بلا شك يقع في نطاق تلك المسئولية الفردية ما دام هناك حرص على الحياة وعلى التزود بمعانيها. ومن ثم فإن كل ملكات الإنسان وقدراته وإمكانياته ومواهبه هي بالأساس مسئوليته الشخصية التي إن كان سيُسأل عن حياته وعمله فيها، فحتمًا سيأثم إن فرَّط في الاعتناء بكل ما يملكه وكان من واجبه أن يحافظ عليه. لذلك كلما نضج الإنسان في فترة وجيزة كلما تمكن من إدراك ملكاته ومواهبه بنفسه ودون الحاجة إلى أن يكتشفها فيه أحد سواه.
فكيف يتمكن كل إنسانٍ من الاعتناء بموهبته وهي ما زالت في طي الكتمان فلا يحرمها من لحظة الميلاد المقررة لها، بل ويمنحها بعد خروجها للنور كل اهتمامه ورعايته كي تنمو وتنضج وتثمر ثمارًا يانعة ونافعة له وللآخرين؟
إنها بالفعل مسئولية ضخمة قد لا يقوى الكثيرون على حملها، خاصة إذا كانوا ممن لم يدركوا بعد أي معنًى للحياة غير تلك المعاني الضيقة والمحدودة التي تقتصر على تلبية حاجات الأمن والغذاء والمسكن والملبس والتكاثر والإنجاب والتفاخر بزينة الأموال والأولاد والجاه والسلطان والمكانة الاجتماعية والدرجات العلمية والمناصب الإدارية. إن هؤلاء إن كانوا يعمرون الأرض تعميرًا ظاهريا مطلوبًا لاستمرار الحياة فيها، إلا أنهم يعيشون على ظهرها حياة مظهرية جعلتهم يغفلون عن محاولة إعطاء معنًى راقٍ لتعمير الأرض وعن اغتنام معنًى سامٍ لحياتهم فيها.
وها هي معاني الحياة تختال أمام الجميع بوضوحٍ أو في خفاء فيبصرها بجلاء من أعمل عقله ونقَّى قلبه وطهَّر روحه فأصبح سيدًا على نفسه وليس خادمًا لها ولجسده، ويعمى عن رؤيتها من تسيدت عليه نفسه بكل شهواتها وأهوائها فاصبح عبدًا لجسده يطيعه إذا أمره ولا يقوى على معصيته، ولكنه إذا أفاق من غفلته تلك فسينتبه إلى المعنى الذي يجب أن يعيش من أجله، ومن ثم سيعزم ما بقي من حياته على السعي من أجل تحرير قيود إبداعه وفكره وموهبته بعدما حرَّر عقله ووجدانه وروحه من سجن نفسه ومن تسلط رغباته الجسدية عليه، ليرى بنفسه ذلك الميلاد الجديد لموهبته الفريدة وذلك الاستمرار لطاقته الإبداعية الخلاقة. وعندئذٍ لن يكون هناك خضوع للظروف مهما كانت قساوتها أو استسلام للعوائق مهما كانت ضراوتها. وستكون رغبة الإنسان العارمة في الحفاظ على الوجود الحر لموهبته التي ستمكنه من الإبداع ومن البذل منها من أجل الآخرين هي سر وجوده الشخصي وسر بقائه حيًا بكل ما تحمله كلمة الحياة من حماس وحيوية ونبض متجدد.
أما إن حدث وتم قتل الإبداع عمدًا في أي مجتمع من المجتمعات، أوالتخلي عنه قهرًا من قبل أي مبدع، فإن بعث الإبداع للحياة من جديد لن يكون سوى قرار كل مبدع حر وقرار كل مجتمع حر. وما أصعب أن يكون المبدع حرًّا في مجتمع لا يتمتع بالحرية! وما أصعب مهمته في الحفاظ على سلامة ونضج إبداعه في مجتمع لا يساعده على تحمل تلك المسئولية!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق