ثقافة السرد

رشيد النمر

أسعد العزوني

أحدث ضابط المخابرات من الشين بيت “ميخا”رعبا في قلوب شباب عزون وقرى المنطقة بأكملها،بسبب بطشه وهمجيته وخلو قلبه من الرحمة ،وكان في حال دخل بسيارته حدود أي قرية ،يستنفر الشباب ،الذين يبدأون بالتوقعات حول همجيته وكيف سيتصرف معهم ومن سيكون فريسته هذه المرة؟خاصة أؤلئك الذين كانوا يجلسون على قارعة الطريق وأمام الدكاكين ،والذين يتمشون في الطرقات.

لم يكن الضابط ميخا جهما طويلا ،بل كان قصيرا أصلعا ،سريع الحركة ،وأعمى الضربات ،لأن جل همه كان إلحاق الأذى بفرائسه من الشباب المسالمين دون وجه حق ، بهدف إرهابهم وإدخال الرعب في نفوسهم ونفوس أهاليهم ،وحتى يكون حديث الناس بإرهابه وهمجيته،وكان الضابط ميخا خبيثا يعرف ماذا يفعل في أوساط الشباب وأي إنطباع يريد تركه ،وكان في نفس الوقت أحمقا لا يحسب الأمور بالطريقة السليمة ،لأن جل همه كان إرضاء غروره ونرجسيته ،كونه كان مريضا نفسيا لا يفهم سوى لغة القوة والبطش.

عندما كان يدخل بسيارته القرية أي قرية كان يهديء السرعة ،لإثارة الرعب في نفوس الجميع ،وكان النبّوت ،وهو عصا غليظة قصيرة ،في نهايتها طبزة مؤذية ،لا يفارق سيارته ،وكان يحمله بيده ويشهره مستفزا الجميع في حال نزل من السيارة لأمر ما.

إتسم أسلوبه بالخبث والدهاء ،فأحيانا كان يجوب القرية بسيارته الحمراء ،ولا يتحدث مع أحد ،وإنما يثبت وجوده ،ويغادر وسط خيبة توقعات الشباب بأنه سوف يقوم بعمل شرس ضد أحدهم ،وكان يغادر القرية ضاحكا كأن به مس .

وأحيانا كان يقترب بسيارته من إحدى مجموعات الشباب ،ويسلّم عليهم ،وعيناه تقدحان شررا ،ويتنقلان بين الجميع حتى يقع نظره على شاب وسيم ربما يكون ضعيف الشخصية ،ويتسم بالهدوء ،ويطلب منه الركوب معه في السيارة ،ويرحب به بصوت عال يسمعه الجميع ،ثم ينطلق به ليجوب شوارع القرية ،أو يأخذه خارج حدود القرية ،ومن ثم يعود به إلى نفس المجموعة ويودعه ضاحكا ،ويقول له :لا تنسى موعدنا الثاني!

عندها يبدأ الجميع بالشك في صاحبهم بأنه أصبح يعمل مخبرا للضابط ميخا،فيتجنبونه إلى حد المقاطعة ،ويضعونه من حيث لا يشعرون في دائرة الطحن الذاتي وينهمر سيل الشائعات عليه ،مع إنه يعرف نفسه أنه ليس مخبرا،لكن مواقف الشباب تثقل عليه ،وتضعه في دائرة الطحن ،ويجد صعوبة في التعامل مع أقرانه في المدرسة أيضا ،لأن خبر ركوبه في سيارة الضابط ميخا وصل جميع أهل القرية.

كان الضابط ميخا يستفيد من هذه الحالات ،من خلال عزلة الهدف البريء الذي إختاره،وسهولة ممارسة الضغط عليه ،بإفهامه أن أصحابه تخلوا عنه ،وأن التقارير تصله عن عزلته في الشارع والمدرسة ،وعندها ينقض عليه طالبا تسخيره للتعامل معه ،وإعطائه معلومات عن الشباب الذين يشوهون سمعته ويتهمونه بالعمالة للإحتلال.

أما الأسلوب الثالث الذي كان يتبعه الضابط ميخا،فهو أسلوب كسر العظم ،فهو أسلوب كسر العظم ،إذ كان يوقف سيارته بعنف بالقرب من مجموعية شبابية ما ،وينزل شاهرا نبوته مزمجرا ،وبدون أي كلمة منه يقتحم شابا قويا ،وينهال عليه بالضرب بالنبوت على رأسه ووجهه وكافة أنحاء جسمه ،ومن ثم يتركه مضرجا بدمائه ويغادر وكأنه لم يفعل شيئا.

ذات مرة أوقف سيارته بالقرب من مجموعة شبابية تجلس على قارعة الطريق في عزون ،ومن بينهم بطل ماراثون سباق الصباح رشيد النمر ،الذي كان يمتاز بالقوة والجهامة،ونزل من سيارته حاملا نبوته ومزمجرا ،وقام بإقتحام المجموعة وإنهال بالضرب على رأس رشيد النمر ،وأوقعه أرضا تسيل الدماء من وجهه ورأسه ،وقام بالدوس عليه حتى كسر ظهره ،وبعد ذلك ركب سيارته وغادر إلى قلقيلية منتشيا بنصره الذي تخيله.

تأخر الناس في أخذ رشيد النمر إلى المستشفى ما خلق لديه مضاعفات أعاقت شفاءه،وتركته يحمل ظهرا مقوسا ،إلى ان إنتقل مؤخرا إلى رحمة الله في عمّان،بعد معاناة مع الألم لمدة تزيد عن الخمسين عاما.

كدت أنا شخصيا أن ألاقي مصير رشيد النمر ،لكن الله سلّم في اللحظات الأخيرة ،إضطر الضابط ميخا فيها إلى الركوب في سيارته وعدم إستخدام النبوت ،لممارسة ساديته وإرهابه على الشباب المسالم.

ذات يوم إتصل بي مدير مكتب بريد عزون الواقع في شرقي عزون على مثلث خربة كفر ثلث ،مصباح الغناوي وأخبرني أن هناك رسالة وصلتني بالبريد ،وان عليّ إستلامها.

كنت آنذاك ناشطا في مراسة المنظمة الصحية الألمانية قبل الإحتلال ،وواصلت المراسلة بعد الإحتلال ،مستفيدا من المعلومات الصحية التي كانوا يبعثون بها إليّ كمشترك معهم ،ولا أنكر أنني إستفدت منها.

بعد إتصال السيد مصباح الغناوي توجهت إلى مكتب البريد صعودا ،كون منزلنا كان على سفح الوادي الغربي ،وقطعت دوار البلد ومدرسة الذكور ووصلت إلى مكتب البريد وتسلمت الرسالة .

كانت الرسالة مكتوبة باللغة الإنجليزية ،ولذلك تجمعنا أنا وعدد من الشباب لترجمتها ،وتحلقنا في دائرة ضيقة مقابل بقالة أبو صالح المشهورة بأول يافطة مكتوب عليها”دخّن عليها تنجلي” ،أمام محل مصبغة سعيد الشلو.

وبينما كنا نقرأ ونترجم ما ورد في الرسالة، وإذا بصوت الضابط ميخا ينهمر في الإطار وبأعلى الدرجات ،وكأن به مس من صرع ،وكان يصرخ :أنت يا طويل..أنت يا أهبل ..أنت ياحمار !

ملأ صراخه أرجاء المكان ،لكنني لم أحرك ساكنا دون أن أعلم أنني كنت هدفه ،وقام كافة الشباب بالرد عليه ،ومن ضمنهم مصباح الغناوي ،وكانوا يسألونه :هل تقصدني؟فيجيب بالنفي ،ويقول أريد ذلك الطويل الأهبل!

أدركت أنني الهدف ،لكنني لم أنفعل وقلت له أنا ؟فقال بقهر :نهم أنت يا حمار ..تعال،فتوجهت إليه والذهول يلفني ،وكان سؤالي :ماذا يريد مني؟وعندما وصلت السيارة سألني لماذا لم أرد عليه منذ البداية؟فقلت له إنني أعاني من الصداع ولم أنتبه له وهو ينادي،فقال بحنق :سأعالج رأسك الآن!

إستل نبوته من جانبه وفتح باب السيارة وخرج منها ليمارس ساديته معي ،لكن أبو صالح الذي كان يسمع ويرى ،تحدث معه بالعبرية ،وقال له ياخواجا هذا مسكين وأبوه صديقي وأتمنى ألا تضربه.

للمرة الأولى يجد الضابط ميخا من يردعه عن إلحاق الأذى بأحد ،ودار حديث بين الضابط ميخا وأبو صالح ،طلب خلاله الضابط ميخا أن يبلغني ألا أعيدها ولا أظهر يوما أمام ناظريه وإلا كسّر رأسي،وحرّك سيارته وغادر مسرعا يداري خيبته ،وفشله في إلحاق الأذى بي.

عمّان في 17-10-2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق