قراءات ودراسات

الإهداء كمصاحب نصي في رواية “وطن من زجاج” لياسمينة صالح

قراءة في الأبعاد الدلالية و الوظيفية

د.يوسف العايب*
 
ملخص:
عتبة الإهداء واحدة من العتبات النصية التي يجب أن نقف عندها في مجال مقاربة النصوص وتحليلها لكشف كنهها والدوافع التي أملت على الكاتب اعتماد صياغتها بهذه الطريقة أو تلك، وإهمال دراسة هذه العتبة النصية هو إهمال دليل ومعلم من المعالم التي تضيء لنا بعض دهاليز النص، وإشارة من الإشارات التي تعكس لنا نوعا من المشاعر الإنسانية لدى المؤلف وبعضا من تجاربه وخبراته في التعامل الواعي مع الآخر كجزء من النسيج الإنساني و الاجتماعي الذي يرتبط فيما بينه بعلاقات تكاملية تقوم على مبدإ الحوارية والاستمرارية مع الآخر تفاعلا وتمازجا وترابطا .
و ضمن هذا الإطار تأتي هذه الدراسة الموسومة بـ” الإهداء كمصاحب نصي في رواية ” وطن من زجاج ” لياسمينة صالح كترجمة لهذا الاهتمام المتزايد بهذا الخطاب ، وبلورة تطبيقية له بالوقوف عمليا على دلالاته و دوره في تحسين آليات قراءة العمل الأدبي وفهمه و تذوقه ، و كذا الوظائف التي ينهض بها في عملية التلقي مستفيدة من الأبحاث النقدية الغربية و العربية الحديثة و المعاصرة في حقل الدراسات التناصية ،و في مجال المصاحب النصي بصفة خاصة .
الكلمات المفتاحية : الإهداء، الخطاب، النص، المصاحب النصي ، التلقي، الدلالة ، الوظيفة .

  نص المقال:
الإهداء ممارسة اجتماعية داخل الحياة الأدبية يستهدف عبرها الكاتب مُخَاطبا معيّنا ،ويشدّد على دوره في إنتاج الأثر الأدبي قبل و بعد صدوره. و على هذا الأساس لا يخلو الإهداء من قصدية سواء في اختيار المهدى إليه أو في اختيار عبارات الإهداء و شكل ديباجته “
” و من هذا المنظور يأتي الإهداء كبوابة حميمة دافئة من بوابات النص الأدبي، و قد يرد على شاكلة اعتراف و امتنان و شكر و تقدير و رجاء و التماس …إلى غير ذلك من الصيغ الإهدائية التي يؤدى فيها البعد الوجداني الحماسي و الحميم دوره المميز “. وبحسب ما يرى جيرار جينيتGérard Genette فإن الإهداء يهدف إلى خلق نوع من صلات الأخوّة و روابط المودة و تمتين عراها بين المهدي و المهدى إليه.
كما يترجم فعل الإهداء رغبة دفينة لدى المبدع، يتوّج بها كتابه ويجلّله ما دام هذا الفعل لا يجيء كما جرت العادة إلا بعد الانتهاء من فعل الكتابة ،فيسمح الكاتب لنفسه و يستسمح قراءه في الآن نفسه باقتطاع مساحة حرة (صفحة بيضاء أو أقل من نصفها أو ما دون ذلك ) ،يدوّن فيها بليغ أفكاره و عميق تأملاته و دفين بوحه و لواعجه .
ولأهمية الإهداء و دوره في عملية التلقي، و باعتباره معلما من المعالم التي تضيء لنا بعض دهاليز النص و واحد من المصاحبات النصية التي يجب أن نقف عندها في مجال مقاربة النصوص وتحليلها ونقدها تأتي هذه الدراسة ،لنحاول من خلالها التعرف نظريا و تطبيقيا على هذه العتبة النصية بالتركيز على وظائفها الإبلاغية و طاقاتها الدلالية و الإشارية و التداولية في رواية ” وطن من زجاج” لياسمينة صالح.

1-الإهداء على مرّ التاريخ الأدبي:
ظلّت عتبة الإهداء واحدة من بين العتبات النصية التي لم يعرها الخطاب النقدي العربي بالا ، و لم يلتفت إلى تنويعاتها و تعددها و اختلافها عبر الزمان و المكان .و بالعودة إلى كتاب جبرارجينيت :Seuilsفإننا نجد أن الإهداء ضارب بجذوره في أعماق الثقافة و الفكر الإنساني ،إذ تعود بداياته إلى عهد الإمبراطورية الرومانية القديمة حين عثر الباحثون على نصوص و أعمال شعرية مقترنة بإهداءات خاصة و عامة، و بالأخص عند حديثنا عن إهداء النسخة
و هو ما يؤكد قدم هذه الظاهرة الثقافية و الفكرية ،و يؤكد كونها تقليدا ثقافيا عريقا في تاريخ الآداب الإنسانية ،” ففي الأزمنة السالفة و عندما كان الكاتب يتوجس خوفا أو قلقا من جراء ما قد يترتب على نشر عمله -على الخصوص إذا كان يعالج قضايا حساسة و مصيرية – فإنه عادة ما يلجأ إلى الاحتماء بدعم أحد النبلاء الذي يحتضن عمله . و هذا الدعم يكون ماديا من جهة ، حيث يقبل الكاتب بموجبه العطايا المادية التي يهبها المُهدى إليه لتمويل مشروع إصدار الكتاب ، و معنويا من جهة ثانية بما يبديه المُهدى إليه من دعم لأفكار المؤلف و آرائه “. و هو ما دعا جيرار جينيت إلى اعتباره مقابلا لمكافأة يُتحصّل عليها من قبل السلطة (الحاكم) في بعض الأحيان ،و تقليدا إقطاعيا و رعاية بورجوازية من جانب آخر .
إلا أنّه من الخطأ أن نعتقد بأن الدافع الوحيد الذي يشجع الكاتب على إهداء كتابه يتلخص فقط في البعد المادي الصّرف ،إذ ينبغي الإقرار –حسب ما تورده بعض المصادر التاريخية –أنّه بعد اختراع المطبعة كان المؤلف يلجأ إلى مانح يموّل إصداره الذي تكون كلفته المادية باهظة الطبع ، في المقابل يعمد الكاتب إلى شكر المانح في نطاق ردّ الجميل هذا .
هذا و قد أصبح الإهداء في الكتابات الغربية حتى القرن التاسع عشر ملفوظا إهدائيا مستقلا بنفسه في شكل عبارة عامة أو جملة إهدائية مختصرة و مقتضبة . و بعد أن كان يوجّه إلى الملوك و الرؤساء و النبلاء و الشخصيات الكبيرة في المجتمع، أصبح الإهداء في العصر الحديث يوجّه إما بطريقة ذاتية إلى المبدع نفسه أو إلى من يريد . وهو ما يبين أن الإهداء نوعان: كلاسيكي مرتبط بالشخصيات المتميزة سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و دينيا و نوع ثان مرتبط بالشخصيات العادية في المجتمع، ممن يتصل بالكاتب بعلاقة ما سواء أكانت تلك الشخصيات واقعية أو متخيلة .
و تجدر الإشارة إلى أن نهاية القرن التاسع عشر قد شهدت ضمور وظيفتين من وظائف الإهداء ،و يتعلق الأمر بالوظيفة الاجتماعية ذات الطابع المادي وكذا شكلها المتطور باعتبارها رسالة مديح .
هذا و لا يقتصر الإهداء على ما هو سردي أو درامي ،بل يتعدى ذلك إلى الشعر ليصبح تقليدا مواز ساري المفعول في الشعرين الغربي و العربي على حدّ سواء، ليزداد انتشارا و مقصدية مع القصيدة المعاصرة سواء أكانت قصيدة تفعيلة أو قصيدة نثر .

2-صيغ الإهداء ووظائفه :
يأخذ الإهداء عادة صيغتين عامتين على اعتبار أنه في أول مفهومه يعني التقديم الذي يصدر عن المؤلف إلى نوعين من المتلقي:
أ- صيغة خطاب رسمي مطبوع يتصل بطبيعة الكتاب ذاتها بعد العنوان وقبل المقدمة والنص (المتن )،لا يوجه إلى مهدى إليه بعينه .
ب- صيغة خطاب ظرفي مخطوط موقع بخط يد المؤلف موجّه إلى متلق مهدى إليه بعينه،
وهذا التميز يسهل تسجيله في اللغة الفرنسية حيث تخصص بنية فعلية محددة لكل صيغة.
– Dedier: وتعني إهداء كتاب، وهو إهداء مطبوع ينجم عنه تملك رمزي للعمل برمته أو لجزء من أجزائه أو لنص من نصوصه.
– Dedicacer: وتعني إهداء نسخة من الكتاب ،وهو إهداء موقع بخط المؤلف ينجم عنه تملك مادي لتلك النسخة سواء أكانت أصلية أو مزيدة ومنقحة.
و بناء على ذلك نجد أنفسنا أمام نوعين من المهدى إليه / إليهم:
– مهدى إليه خاص: وهو شخصية غير معروفة لدى الجمهور العام وعادة ما يهدى له العمل باسم علاقة شخصية ودية أو عائلية أو غيرها من العلاقات التي تربطه بالمؤلف، هو الذي تنطبق عليه صيغة الخطاب الظرفي المخطوط الموقع بخط يد المؤلف.
– مهدى إليه عام :ويكون ممن تجمعهم بالمهدي علاقة من طبيعة عامة فكرية كانت أو فنية أو سياسية أو غيرها، وقد يكون شخصية معروفة غالبا لدى الجمهور حتى يرفع لها العمل كله أو جزء منه فقط .
مع الإشارة إلى أن هذين الصنفين من المهدى إليه ليسا متقابلين بالضرورة، إذ بإمكان المؤلف أن يحتفظ بعلاقة خاصة مع شخصية عامة .
كما أن ثمة نوع آخر من المهدى إليه قد يتمثل في كيانات جماعية ،أحزاب ،جمعيات …أو هويات دينية (القديسة , العذراء,الإمام) أو أجناس إبداعية (الموسيقى، الشعر…) .”
على أنه ينبغي الإشارة هاهنا أنه كيفما كانت طبيعة المهدى إليه خاصا كان أو عاما، فإن كل فعل إهداء يستهدف على الأقل و بالتوازي : نوعين من المرسل إليه : المهدى إليه طبعا ، و هناك القارئ أيضا الذي يكون حاضرا بشكل ضمني في حدث من الأحداث كفعل عمومي ActePublic، فالقارئ لا يكون شاهدا بل معنيا أيضا
والإهداء بنوعيه الخاص والعام تقليد محمود متبع في مجال التأليف والإبداع، وقد حظيت هذه العتبة النصية التي تحمل داخلها إشارات ذات دلالات توضيحية، بالدراسة والتحليل في العصر الحديث لإبراز قصديته سواء في اختيار المهدى إليه / إليهم أو في اختيار عبارات الإهداء في حد ذاتها، وذلك لأهميته كعتبة تسلط الضوء على المتن ،وكذا ” لما يحققه من وظائف متنوعة أبرزها ما يسفر عنه كأول ما يحتك به المتلقي من تحية ود ومشاعر طيبة تعينه على المضي في القراءة، كما أنه يروم إلى خلق نوع من العلاقة وروابط الصداقة بين الباث والمتلقي، فلا يكون أول ما يصدمك من المؤلف حقائقه العلمية والمعرفية ،بل تحية و هدية تشرح النفس وتهدئ الروح وتعين البال على استقبال وفهم المقال “.
ومن وظائف الإهداء البارزة سواء للنسخة أو للعمل الأدبي “التماس الدعم والسند المعنوي من المهدى إليه الذي يصبح بشكل ما مسؤولا عن العمل ،وعن استحقاقه الثقافي داخل فضاء التبادل الرمزي”، وهو ما يتطلب منه مقابلا وحدّه الأدنى التكرم بقراءة العمل. وعلى هذا الأساس يصبح الإهداء واحدا من هذه العناصر التي تشير إلى مرور رسالة مقصودة من الأنا إلى الآخرين بصورة عامة, وإلى المهدى إليهم بصورة خاصة.
بهذه الصورة ينفتح الإهداء ليكشف عن ميثاق ضمني بين الكاتب والقارئ, وكأنه دعوة من المبدع إلى جمهوره لمساندته وموافقته أو على الأقل مناقشته فيما قد يذهب إليه.
كما أن للإهداء غايات أخلاقية و تربوية تتجلى في تلك الإهداءات الخاصة التي تستهدف ذوي القربى ومن لهم حظوة خاصة لدى الكاتب ، وله أيضا غايات أيديولوجية من خلال تضمينه لحالة الغليان الاجتماعي و المد السياسي و حالات الانكسار التي يعيشها الكاتب و خيبة أمله في الحلم بمجتمع عادل حر وديمقراطي ، فضلا عن غاية البوح و المكاشفة حين تتمكن الذات من التنفيس عما يجيش بداخلها من تناقضات يرتئي الروائي تكثيف مضمونها في خطاب الإهداءات الذاتية على وجه الخصوص .و نذكر من وظائف الإهداء أيضا الوظيفة الإغرائية التي تكمن في جذب المتلقي ،و كسب فضول القارئ لشراء الكتاب و قراءة العمل و تلقي النص.
وعليه فليس الإهداء في نصوصنا الشعرية و السردية المعاصرة مجرّد تحشية زائدة بقدر ما يضطلع به من وظائف عدّة، إذ يساهم في إضاءة النص وكشف بنياته الصوتية و الصرفية و التركيبية و البلاغية و تحليل آلياته الدلالية و مقصدياته.
وعموما فإن عتبة الإهداء واحدة من العتبات النصية التي يجب أن نقف عندها في مجال مقاربة النصوص وتحليلها ونقدها، لكشف كنهها والدوافع التي أملت على الكاتب اعتماد صياغتها بهذه الطريقة أو تلك، وإهمال دراسة هذه العتبة النصية هو إهمال دليل ومعلم من المعالم التي تضيء لنا بعض دهاليز النص، وإشارة من الإشارات التي تعكس لنا المشاعر الإنسانية للأديب وبعض تجاربه وخبراته في التعامل الواعي مع الآخر كجزء من النسيج الإنساني الذي يرتبط فيما بينه بعلاقات تكاملية ولا تحكمه الانعزالية، بل الحوارية والاستمرارية مع الآخر تفاعلا وانصهارا وتمازجا وترابطا .
وبعد هذه اللمحة النظرية الخاطفة حول عتبة الإهداء كواحدة من مجموع العتبات النصية التي نحتاج إلى الوقوف عندها وتحليلها ودراستها في النتاج الأدبي، سنحاول فيما سيأتي أن نعرج على مقاربتها في رواية “وطن من زجاج” لياسمينة صالح – موضوع الدراسة – لنتعرف على دلالتها في متن الرواية ووظائفها الدلالية والإشارية والتداولية والجمالية.
و رواية ” وطن من زجاج” لياسمينة صالح هي ثالث أعمال الكاتبة الروائية بعد روايتي ” بحر الصمت ” الصادرة عام 2001، و رواية أحزان امرأة من برج الميزان :الصادرة عام 2002، صدرت هذه الرواية سنة 2006 عن الدار العربية للعلوم/ ناشرون ، و تقع في حوالي 175 صفحة من حجم الورق المتوسط ، و قد تناولت فيها الكاتبة أحداث العشرية السوداء التي مرّت بها الجزائر سنوات التسعينيات ،ووقفت فيها على الأحداث التي طبعت هذه المرحلة الحساسة و المفصلية من تاريخ الجزائر،واصفة مأساة البلاد في تلك الحقبة الزمنية التي شوّهت تاريخ الجزائر و لطّخت صورتها ،حين لجأ أبناء الوطن الواحد للتناحر و الاقتتال ،متجاوزة بذلك مضامين الرواية النسوية الجاهزة التي تتشابك فيها الأحداث بين الجسد و الجنس و يهيمن فيها صوت المرأة فقط إلى الانشغال بهموم المواطن و الوطن، مع إعادة النظر في كثير من القضايا الفكرية و الأيديولوجية الشائكة كالتعبير عن حالة الضياع التي يعيشها الفرد الجزائري و تفكك الذات و غياب الهوية الجامعة و تلاشي معاني الوطنية و الشعور بها …إلخ.
و حين نقارب الإهداء الذي صدّرت به الكاتبة روايتها و الذي سنحاول استنطاقه و فك رموزه و شفراته من خلال هذه الدراسة، سنقف لا محالة على كثير من التقاطعات بين ملفوظية الإهداء ووظائفه التداولية و بين المقاطع السردية التي اشتملت عليها الرواية و مضامين أحداثها ، و هو ما سنسعى إلى تجليته في ما سيأتي .

3-قراءة في ملفوظ إهداء رواية “وطن من زجاج”:
حين نقرأ إهداء ياسمينة صالح في روايتها “وطن من زجاج ” نجد أنفسنا أمام إهداء خاص ومتميز لم نعهد مثله فيما قرأناه سابقا في دواوين كثيرة وأعمال أدبية نقدية مختلفة، لا من حيث طبيعته ولا من حيث وظيفته, إذ جرت العادة أن يهدي المؤلف كتابه إما إلى مهدى إليه / إليهم خاص, سواء أكان هذا المهدى إليه شخصية معروفة أو غير معروفة لدى العموم، لأن الدافع إلى الإهداء هو تلك العلاقة الودية التي تربط بين المُهدي والمهدى إليه ،سواء أكانت علاقة صداقة أو قرابة أو غيرها … وإما أن يُهدي المؤلف كتابه إلى شخصية أكثر أو أقل شهرة يبدي المؤلف نحوها وبواسطة إهدائه علاقة ذات ربط عمومي ثقافي وفني أو سياسي وغير ذلك.
لم نعثر على أيّ شيء من هذا القبيل في ثنايا الإهداء الذي صدّرت به ياسمينة صالح روايتها ،إذ لم تتوجّه به إلى أي نوع من أنواع المهدى إليه/إليهم الذين حصرناهم في الجانب النظري بصورة محدّدة،حيث نقرأ قولها في مستهل روايتها :
“حين نستيقظ صباحا و لا نجد وطنا نتكئ عليه نكتشف حدّة اليتم و الفراغ المهول الذي نجرّه يوميا في عمرنا الجاهز للانكسار و اليتم و اللاأمل ..
إلى كل الذين يعتقدون أن حزنهم أرفع من خيباتهم الكثيرة .أرفع من سوء الطالع الذي يتربص بهم في مسيرة البحث عن وطن لا يسكنه القتلة .. و لا الطواغيت
-إلى الذين رحلوا تاركين ذاكرتهم معنا
-إلى جيلي . و الجيل الذي تلاه ، و الجيل الذي سيولد عما قليل أكثر يتما و فجيعة .
إلى الوطن الذي نحبّه برغم كل شيء.. ونعيش فيه برغم كل شيء”
قسّمت الكاتبة ياسمينة صالح إهداءها إلى أربعة أقسام ، خصّت بالقسم الأوّل الحالمون و المتشبثون بالأمل في العيش في وطن لا يسكنه القتلة و المجرمون و الطواغيت ،أو هكذا اعتقدوا حين رأوا بأن حزنهم أو صبرهم على أوضاع الوطن وهمومهم فيه سيصمد أمام تلك الهزات العنيفة التي يعيشونها و يعيشها وطنهم .
و توجهت الكاتبة في القسم الثاني من الإهداء إلى الذين رحلوا مكرهين أو مخيّرين فارين من واقعهم أومهجّرين ، الناجين بحياتهم من آلة الترهيب و التصفية الجسدية، أو الذين وقعوا ضحايا لها .وفي القسم الثالث تهدي ياسمينة صالح روايتها إلى جيلها الذي عاش الفجيعة بكل تفاصيلها ، و الجيل الذي تلاه و الجيل الذي سيولد لحظة كتابة الإهداء أو بعدها بقليل ،و الذي سيعيش الفاجعة بكثير من الوجع و الألم و بصورة أشدّ بؤسا و أنكى جراحا .
ثم تختم إهداءها بالتوجه بالخطاب إلى الوطن على لسان كل فرد من أفراده الذين يحبّونه و يعيشون في أرضه برغم ما فيه .
هذا وقد قدّمت الكاتبة لإهدائها بالتعبير عن حالة الضياع التي عاشها و يعيشها جميع من أهدت لهم روايتها، و رسمت من خلال ذلك حدود المأساة و مظاهر الخيبة و حالة التشرّد و التلاشي التي كانت دافعا للكتابة و حافزا للبوح و التعبير و الإبداع .
و إذا كانت الإهداءات التقليدية عادة ما تتوجّه بخطاباتها إلى أشخاص محدّدين كالوالدين أو الزوجة و الأبناء و الإخوة و الأخوات و الأصدقاء …بلغة مباشرة تجعلنا لا نعيرها اهتماما ، فإن هذا الإهداء خالف المألوف باعتماده نوعا من لغة التخفي الدلالي حين توجّه بخطابه إلى جماعات و فئات عمرية مختلفة و إن اجتمعت في نفس المكان إلا أن الزمان فرّق بينها. و إن فرّق بينها الزمان فإن المأساة و الشعور بالضياع وحّدا بينها . و هو ما يجعلنا أمام عتبة نصية محكمة التأثيث، وأمام كاتبة ماهرة أتقنت هندسة مبنى روايتها التي عبّرت من خلاله عن صورة متفرقة مجتمعة في آن واحد ،و هي لعبة فنية مقصودة وتهدف إلى زعزعة توقعات القارئ و أفق تلقيه، فضلا عن إثارة لذّته و استدراجه لمتابعة فعل القراءة .
​و إذا ما أردنا تصنيف هذا الإهداء فإننا واجدون أن نوع الإهداء الخاص هو الأقرب، و إن تقاطع مع النوع الثاني و هو الإهداء العام .ذلك أن الكاتبة تهدي عملها إلى أبناء وطنها عامة ،و إن طال التفصيل هؤلاء الأبناء بين من راح ضحية الأحداث التي عرفتها البلاد ،و بين من ظلّ يئن و يتألّم في صمت، و بين من يتوق لحياة أفضل .
و مهما يكن من أمر فإن الإهداء يشير في ملفوظه إلى معاناة الكاتبة و جيلها من تردّي الأوضاع السياسية و الاجتماعية في وطنها الذي لم يعد قادرا على توفير الأمن و الحياة المستقرة و السلام لأفراده، و لم يعد قادرا على حفظ كرامة أبنائه و مدّهم بالثقة التي طالما بحثوا عنها و الطمأنينة التي حلموا بها ،و بكلّ المشاعر الإيجابية التي تذكي فيهم فتيل حبّه و الذوبان و الانصهار فيه ، وتشعرهم بأنهم جزء لا يتجزأ منه و بأنهم الوطن و الوطن هم . و قد كانت أسطر هذه الرواية و فقراتها شاهدة على ذلك و سيأتي تفصيل ذلك لاحقا و ذلك عند حديثنا عن تجليات و امتدادات الإهداء في ثنايا السرد الروائي.

4-وظائف الإهداء في الرواية :
الإهداء في حقيقة أمره لا يعدو إلا أن يكون رسالة طرفاها :(مرسل :المهدي =المؤلف) ومرسل إليه (المهدى إليه ) .و أمام هذا الإهداء الذي نروم مقاربته نجد أن ياسمينة صالح لم تهد إلى المهدى إليه النسخة فقد ، وإنّما أهدت إليه الطبعة كاملة . و في هذه الحالة فإن القارئ/المتلقي سيقرأ هذا الإهداء حتما و ستصله الرسالة ،فيصبح بالضرورة و قد أشرنا إلى ذلك عند حديثنا عن إشارة الإهداء معنيا بالإهداء أيضا ومستهدفا بخطابه و حاضرا في حدث من الأحداث كفعل عمومي بما تبعثه فيه الرسالة ( الإهداء ) من تأثيرات و شحنات . و يمكن أن نمثل لذلك بالخطاطة الآتية :

وهو ما يجعل الإهداء يضطلع بوظائف تداولية عديدة تتجاوز كونه رسالة من مؤلف إلى مهدى إليه بل إلى جمهور القراء عامة ،وهو ما نلحظه في هذه الرواية الذي جاء فيها الإهداء للعامة من أفراد المجتمع الجزائري (الوطن) و للوطن خاصة . و هو في هذه الحالة يؤدي وظيفة تأثيرية حين يحرّض المتلقي و يثير انتباهه و يجذبه إليه بطريقة أدبية جميلة عبر ملفوظ الإهداء، مشعرا إيّاه بان هذا الإهداء له وبأنه سيجد ذاته فيه، فيسارع إلى قراءة العمل لأنه حين يعمد إلى ذلك يساوره الشعور بأنه ممّن تتكلم عنهم الكاتبة و تدافع عنهم وعن آمالهم و أحلامهم في رؤية وطنهم يحضن جميع أبنائه و يحتويهم و يوفّر لهم إمكانيات العيش الكريم ، و يحفظ لهم أمنهم و سلامتهم ، و يقوي فيهم شعور المحبة له، ” ذلك أن الإهداء – بحكم وظائفه المتعددة –يمثل عنصرا مساعدا لاقتحام النص ، و إذا كان الإهداء لا يدخل ضمن ضرورات العمل الروائي ، نحو اسم المؤلف و العنوان و الخاتمة .إلا أن هذا الإهداء في هذه الرواية يكتسي أهمية قصوى نظرا لأهمية المهدى إليهم العمل (الوطن و أبناؤه) ،و نظرا للعلاقة التي تربط كلا من المهدى إليهم العمل و المهدي نفسه أي الكاتب و الذين يعيشون الكابوس ذاته و يصارعون الموت و التشرد و الضياع في وطن تفنن أفراده في صنع مأساته بأيديهم . و فضلا عن كل ذلك فما يجمع بين الكاتبة و المهدى إليهم هو حبّ الوطن الذي لا يحبهم كما يحبّونه بحسب تعبير الكاتبة على لسان واحد من شخصياتها ، و هو النضال كذلك و التمرد على هذا الواقع المرير و رفضه مع السعي إلى تغييره و تحقيق الحياة الأفضل : ” فإذا كان الإهداء منذ القديم موجودا في كتب السلاطين و من يتقرّب منهم مع ذكر الاسم صراحة دون اهتمام النقد به ، فإن النقد المعاصر يحلّل هذه الإهداءات ليتعرف من خلالها عن كيفية اشتغال الاهداء أو تأثيره في الرواية ، ومن الممكن في الأوقات المتأخرة أن يطرح النقد الحديث مناهج أخرى لدراسة الإهداء من الوجهة النفسية أو الاجتماعية و التي من أجلها وضع الإهداء ” .
و لذلك و عوض أن تكسب ياسمينة صالح بإهدائها ودّ قارئ معيّن فقد كسبت به ودّ الكثير من أفراد الشعب الجزائري خاصة و ربما العربي بصفة عامة ، و شكّلت من خلاله خطابا تحفيزيا يستنفر كل الهمم و يشحذ جميع العزائم ،حين يعرّي واقع البلاد والوطن ،و يصوّر حجم تعاسة أفراده و معاناتهم و عظمة المأساة التي يكابدون آلامها، قاصدة من وراء ذلك كلّه إلى توحيد كلمة أبناء الوطن الواحد على الجهر برفض هذا الواقع و المبادرة إلى تغييره . و لذلك يبدو لنا هذا الإهداء متّسما إلى حدّ كبير بنوع من العلاقة الحميمة مع المحتوى المعبّر عنه في ثنايا العمل الإبداعي لياسمينة صالح حين يضطلع بمهمة البوح، وحين يلخّص لنا العمل الروائي ذاته و يفصح لنا عن مواقف الكاتبة و أفكارها و نظرتها للواقع و المستقبل على حدّ سواء ، بل نستطيع أن نشتمّ عبر هذه العتبة النصية ذاتالمؤلفة المعتزّة رغم كل ذلك بوطنيتها التواقةللمحافظة على هويتها الداعية إلى الأمن و الأمان و إلى السلم و المصالحة مع الذات و الوطن . و قد اتخذ الإهداء عندها علة لمعلول سابق و صورة لأصل سابق أملته حاجات و ظروف و تبعات المرحلة الراهنة و نعني بها العشرية السوداء ، فجاء الإهداء مفصحا عن حالة التردّي التي آلت إليها البلاد حين أصبح الفرد الجزائري مكرها على العيش في وطن يشعر بالانسلاخ عنه مثلما يشعر بالرفض من قبله ،كما جاء معبّرا عن طبيعة هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الجزائر ،و قد ساعد على ذلك تكوين الروائية في حد ذاتها و مقدرتها على تشخيص الأزمة وجذورها و ملامح شخصيتها الوطنية وما تحمله من أفكار و رؤى و تصورات و إلمام عميق ونظرة شاملة و فاحصة للوضع السياسي و الاجتماعي للبلاد.
من هنا نقف على البعد الزمني أو الدلالة الزمنية للإهداء و الذي يعبّر عن فترة سابقة و مهدى إليه لا ينتمي إلى لحظة صدور العمل الإبداعي المراد إهداؤه، رغم أن الفاصل الزمني بين تاريخ صدور الرواية و لحظة كتابة الإهداء و بين المهدى إليه يمتد إلى مسافة زمنية قد تزيد عن السبع سنوات ، و إن كانت غير طويلة إلا أن أوضاع البلاد فيها و أمنها أخذت منحى إيجابيا خلالها ،و بادرت إلى السير نحو الأفضل قياسا إلى ما كانت عليه زمن العشرية السوداء .
و نشير في الأخير إلى أمر مهم بإمكانه أن يفقد الإهداء الذي بين أيدينا واحدة من أهم وظائفه الأساسية، حين لم يتوجّه إلى قارئ معين ليقيم معه ميثاقا ضمنيا يدعوه إلى مساندة المبدع ودعمه ،أو مناقشته فيما ذهب إليه وإبداء الرأي في ذلك ،و في أدنى المستويات التفضل و التكرم بقراءة العمل تعبيرا عن استحقاقه بولوج فضاء المؤسسة الأدبية و مجال التبادلات الثقافية. ” و هو المقصد الذي يحيل دوما –وعلى الأقل –على كل من المهدى إليه و القارئ ما دام الأمر يتعلق بفعل عمومي يؤكد حضور القارئ ودوره في فهم خصوصية العمل وعوالمه الممكنة، و هذا ما يجعل من الإهداء إعلانا لعلاقة بين المؤلف و شخص ما ، وفي هذا تأكيد على دور المهدى إليه حين يقدّم قليلا من دعمه و مشاركته “.
ومع ذلك فقد أرضت الروائية من خلال إهدائها أكثر من جيل من أجيال الشعب الجزائري الذين عاصرتهم في فترة عصيبة من تاريخ البلاد، حين كانت شاهدة على الأحداث التي تخللتها ، معبّرة من خلالها عن رؤيتها الرافضة لكل المشاعر السلبية التي أفرزتها تلك الأحداث ، و لذلك باح الإهداء ضمنيا عن طبيعة النص الذي بين أيدينا ومادته الروائية، إن لم نقل أنه قد تناص معها و أقام معها علاقة حوار حين تبنّى مقاصد الروائية و أعلن عن موقفها مما يجري في وطنها ذات فترة زمنية عصيبة، و عبّر عن أفكارها التي أسعفتها على الكتابة و كانت شاهدة على الرابطة التي أشار إليها الإهداء بينه و بين موضوع الرواية إلى درجةيمكن القول معها أن هذا الإهداء_ وفق هذ الأساس ومن منظور تأويلي شخصي _ كاد أن يتلبس دور المقدمة و ينتحل وظيفتها . يؤكد ذلك تكرار كلمة “الوطن” التي ترددت كثيرا على لسان الروائية في خطابها الإهدائي و في عنوان الرواية و على لسان شخصياتها في ثنايا العمل الروائي .

5-امتدادات الإهداء في ثنايا السرد الروائي :
انطلقت الروائية في إهداء روايتها من ذلك الإحساس باليتم و الفراغ و اللّاأمل ،حين يقف المرء على تلك الحقيقة المؤلمة و القاسية التي تظهر له أن لا انتماء له لوطن بكل ما تحمله الكلمة من مدلول مفعم بكل معاني الحب و الحياة الأفضل و الوكر الدافئ والوفاء المطلق وبمعاني السكينة و الراحة النفسية .” و إذا كان النقد يسعى لعرض وتحليل و تقييم الشيء وتمحيصه و إظهار عيوبه ومحاسنه وما ينبغي أن يكون عليه “، فإن الروائية ياسمينة صالح أرادت من خلال هذا الإهداء الانفتاح الثقافي و المعرفي و الذي من خلاله تتسع رؤيتنا للأشياء و فهم ما يحيط بنا ،” ذلك أن الإهداء بما هو عتبة مرتبط بثقافة الروائي نفسه و التي اكتسبها عبر حياته الماضية ، و المرتبطة هي الأخرى بتاريخ بلده ، فضلا عن أن الإهداء مرتبط بالمتن و له علاقة وطيدة بما يمور و يجول داخل الرواية “.
فالجماعات التي أهدت إليها الكاتبة عملها الروائي و على اختلاف مراتبها الاجتماعية و السياسية وعلى اختلاف مصائرها ودرجات انتمائها للوطن و مقدار شعورها بالولاء للوطن و اعتزازها بوطنيتها و حبّها لبلادها هي محور الرواية بأكملها ،و ما يعتري حيواتها من أحداث و ما تكابده من عنت وهول هو موضوع الرواية . و إثبات حقيقة انتمائها لهذا الوطن أو اللاّانتماء له هوفكرة هذا العمل. ذلك أن صراع الوطنية جليّ في هذه الرواية بين من يكفر بها وبين من يتنفسّها و يستشعرها في كل حين . تقول الكاتبة على لسان إحدى شخصياتها المحورية ” عمي العربي” : ” الوطن حقيقة يجب الإيمان بها يا بني .الوطن ليس رئيس الجمهورية و ليس الحكومة و ليس الغليان السياسي ولا الجلاّدين و لا السجّانين و لا المنفيين و لا المفقودين و لا الخونة و لا الإرهابيين … الوطن هو ما نتنفسّه و ما نستشعره ..هو الأعشاب التي نمشي عليها و العصافير التي توقظنا في الصباح ، و المطر الذي يباغتنا عن غير موعد ، و التحايا البسيطة التي لا نستوعب قيمتها إلا متأخرين ” .
إن الإهداء باعتباره عتبة من عتبات النص هو حلقة وصل بين الداخل و الخارج ، وهو لا يشكل “جزءا حقيقيا من النص ،بل عتبة تفصل بين النص و خارج النص ( ما هو مكتوب عن النص)يعبرها الداخل لا في اتجاه واحد بل في الاتجاهين .إنها مكان مميّز عمليا واستراتيجيا للتأثير في الجمهور سعيا وراء استقبال أفضل للنص، وفهم يوافق مقصد الكاتب “
و قصدية الإهداء في هذه الرواية مرتبطة بالمقاطع السردية في الرواية ،و التي قامت في الأصل على فكرة ورؤية مستوحاة من تاريخ الجزائر حيث ارتبطت بأحداث عاشتها الجزائر في نهاية الثمانينيات و بداية التسعينيات و انتهاء بمطلع الألفية الثالثة ،وذلك حين تنقلنا الساردة معها في متون حكايتها التي كانت في أغلبها نتاج تلك الحقبة المظلمة أو المرحلة /المأساة من تاريخ الجزائر ،لتكون شخصية ” عمي العربي ” هي المدخل الأول لمعترك النص و في سرده لتاريخه الشخصي نتلمس تلك الأسباب التي قادت الجزائر إلى العشرية السوداء ،حين تحولت البلاد إلى ساحة حرب و تصفية حسابات بين السلطة و التنظيمات الإسلامية التي و جدت في الشباب العاطلين عن العمل و جموع الفقراء و المحرومين وما يكابدونه من ظلم و تهميش جاء نتيحة لسياسة اقتصادية و اجتماعية فاشلة و غير مدروسة مناخا ملائما لها، لتنشط و تزرع الرعب في أوساط المجتمع . وتتشابه الضحايا مهما اختلفت المسمّيات، فضابط الدرك و الجيش و الشرطة يقتل ، كما يعدم معلم القرية و يلاقي المجاهد السابق في صفوف الثورة حتفه أيضا و حتى العامل البسيط لا ينجو من آلة التصفية الجسدية ،و يدفع الصحفي حياته ثمنا للدفاع عن الحريات و الآراء و المعتقدات و التوجهات السياسية و الدينية …و يكتشف القارئ مع ياسمينة صالح في وطنها الزجاجي ملامح جيل جديد في الجزائر ، جيل القتل اليومي و سرقة الأحلام ، حيث القضاء على الثوابت و التاريخ، حيث المجازر و الإبادات هي المشهد الوحيد الذي يتراءى للعيان بديلا عن جزائر السلام و الاستقرار ،و صورة عن انكسار الأحلام بالرحيل الذي احتل حيزا في خطاب الإهداء وكان له حضور كبير في أحداث الرواية : رحيل الأم و رحيل الأب و رحيل العمة الذي يمثل انعكاسا لانكسارات المرأة و القضاء على أحلامها في قرى الجزائر النائية . و اللاّفت للانتباه أن الحب بقي، فبرغم القتل و التشريد و برغم انكسارات الوطن و المواطنين ظل حيا نابضا في القلوب و العروق، يحمل أحلام الجزائريين و أملهم في انتصار الوطن رغم انتظار الكثيرين من أبنائه للموت في كل حين و برغم سياسات العزل و التهميش و التحقير التي طالتهم .و هو ما نجد له إشارة في ثنايا الإهداء حين عبّرت الكاتبة عن ذلك بالقول : ” إلى الوطن الذي نحبه برغم كل شيء .. و نعيش فيه برغم كل شيء “.
و الإهداء للوطن بصفة خاصة رغم الألم الذي يسببه للآخر يجيء في هذه الرواية حاملا للعديد من الاستفهامات التي تنطوي عليها الرواية مع النسق الفكري الرابط بين عتبة العنوان ” وطن من زجاج ” و عتبة الإهداء من خلال تلك الرؤية التي تعبر عن علاقة الكاتبة بالوطن الذي كادت الأزمات المتكررة أن تعصف به “، و الامتداد الفكري بين الإهداء و المقاطع السردية يلاحظ من خلال الفكرة التاريخية التي اعتمد عليها الروائي في نسج خيوط هذه الرواية ،حيث سعى إلى عملية البرمجة الفكرية لذلك الحكي من خلال السياق الظاهر عبر تلك المستويات التي يسير عليها في الرواية من أولها إلى آخرها ” ، والتي جمعت فيها الكاتبة بين أحداث جيلين ممثلين في جيل الثورة : ( عمي العربي )و جيل الاستقلال : ( النذير ) ، وبرغم أن الجيلين يمثلان فترتين متباعدتين نسبيا إلا واقع الحياة واحد نجد له صدى في إهداء الكاتبة ،و كذا من خلال المقاطع السردية في الرواية حين تتحدث الروائية عن عمي العربي الذي كان ثائرا من ثوار الوطن القدامى و هو يحكي عن السيادة التي مات الملايين من الشهداء لأجلها، في حين لا يستوعب الناس اليوم ماهيتها و لا أهميتها : ” الرثاية لا تعكس إلا المظهر يا بني ، هذه الأحذية لأولئك الذين سرقت فرنسا راحة بالهم مثلما سرقت خيراتهم .هذه الأحذية تعكس واقع البلاد ، و تصليحها أفضل من رميها .لا يمكن للنساء أن يمشين حافيات .الوطن لهن ، ومن له وطن لا يمشي حافيا “

-خاتمة:
من خلال ما سبق يتضح لنا أن الإهداء عتبة ضرورية من العتبات التي ينبغي المرور عبرها للولوج إلى داخل النص الأدبي، و هو ليس مجرد تحشية زائدة أو عنصرا لا دور له مثلما يعتقد الكثير من الباحثين و الدارسين ، بل هو من أهم المصاحبات النصية التي تسعف الدارس و تعينه على القيام بعملية تفكيك النصوص و تركيبها و فهمها و تفسيرها و تذوقها . و قد وقفنا من خلال هذه الدراسة على أهميته و على كثير من دلالاته و وظائفه في رواية ” وطن من زجاج ” لياسمينة صالح ، فقد كاد أن يأخذ فيها الإهداء دور المقدمة و ينتحل وظيفتها حين اضطلع بوظائف البوح و قيامه بمهمة تلخيص النص الروائي و كذا التعبير عن مواقف الكاتبة و آرائها ، و نظرتها للواقع و المستقبل على حدّ سواء، فضلا عن قيامه بكثير من الوظائف التداولية التي تتجاوز كونه رسالة من مرسل ( المؤلف ) إلى مرسل له ( المهدى له) بل إلى جمهور القراء عامة .

-الهوامش:

*جامعة الشهيد حمّه لخضر –الوادي (الجزائر)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق