قراءات ودراسات

فلسفة التواصل المعرفي في كتابات “مجاهد أحمد علي”

أحمد بابكر حمدان

– مقدمة:
سعدت بالاطلاع على عدة مقالات للكاتب السوداني الشاب، مجاهد أحمد على، منشورة بمواقع اليكترونية، وعلى صفحته الشخصية أيضا.. وكان اللافت في كتاباته، ترابطها وتناولها لموضوع واحد من زوايا متعددة. ويلاحظ القارئ اهتماما واضحا للكاتب بالتعلم كنشاط والمعرفة كمحتوى، وتشير عناوين مقالاته الى التزام موضوعي مستمر، وتخصص ثقافي فريد في جيل الأقلام الشابة.

مجاهد أحمد على، طالب طب بشري في جامعة غرب كردفان بوسط السودان، وقد أكمل ثلاثة وعشرين عاما حسب معلوماته الشخصية على فيسبوك، منها خمس سنوات على الكوكب الأزرق.

(1)
في مقال له على فيسبوك قبل أربعة أعوام، كتب مجاهد، عن ادعاء المعرفة كأحد عوائق التواصل المعرفي: “من الحواجز التي تمنع مجتمعنا من التواصل المعرفي الجيد، حاجز إدعاء المعرفة الشاملة من بعض المتعلمين عندما يحصل على درجة علمية معينة في مجال معين، فإنه يعتقد أن لديه معرفة شاملة في مختلف المجالات.. ويظهر هذا الاعتقاد جلياً عندما يستنير به أحدهم بسؤال عن موضوع قد لا يتعلق بمجال تخصصه.. هنا يتحول ذلك الاعتقاد الخاطي الي إدعاء؛ حيث تراه وبكل ثقة يجمع ما لديه من ثقافة ومعلومات سطحية عن المجال ويجيب ويعلق ويرشد ويشدد على قطعية إجابته مما يوهم السائل بعمق معرفته”.

ويستدرك الكاتب مفسرا: “إن إدعاء المعرفة الشاملة” يرجع لمفهوم خاطئ قديم لم يعد فعالا في عصرنا وهو ان خريج الجامعة مؤهل لقيادة المجتمع وان لديه المعرفة التي تعينه على ارشاد وتوجيه مجتمعه الي ما يصلحه”. ويسترسل: “ربما كانت المفهوم صحيحا في مجتمعنا سابقاً عندما كانت معظم العلوم والمعارف والتخصصات المعروفة حالياً كتلة واحدة (تخصص واحد) مما يوفر لخريج المجال المعين معرفة واسعة بمجالات شتي، أما في عصرنا الحاضر فقد اصبح لكل مجال عدة أقسام ولكل قسم عدة تخصصات وأصبح خريج الجامعة ذو معرفة متخصصة، مما يجعل من المفهوم السابق غير صالح”.

(2)
وفي مقالة منشورة بصحيفة رفيق الاليكترونية، قبل عدة أشهر، كتب تحت عنوان (لا تنتظر اكتمال العمارة): “إن بإمكان “العمارة” أن تؤدي جانباً كبيراً من وظائفها، قبل أن تكتمل صورتها النهائية وشكلها الكامل. فما بالك بإنسان زوده الله تعالى بإمكانات لا حدود لها، وخصوصا إذا حصل على قسط من المعرفة، يمكنه من ممارسة حياته الطبيعية. إن المعرفة التي حصلت عليها ومقدار ما انفتح عليه وعيك في الوقت الحالي- مهما كانت الدرجة العلمية التي تقف عليها- تعتبر دعائم تشكل طابقك الأرضي، الذي يمكنك المساهمة به في أداء جزء كبير من المهمات التي تطمح لها في المستقبل. إن الله جعل في فطرة الإنسان التسامي والبحث عن الكمال، وجعل له رغبات وتطلعات لا نهاية لها، وقد أشار النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك بما معناه: (لو كان لابن آدم وادٍ من مال لابتغى إليه ثانياً..). مهما كانت الوظيفة أو الدرجة العلمية التي تطمح لها.. ستشعر لاحقا أنها غير كافية، وستستمر في البحث عن المزيد، ومهما كانت الصورة التي تضعها لنفسك ستشعر أنها غير كاملة وستبحث عما يكملها”.

ويضيف، محفزا على الكتابة والإنتاج الذهني وتوظيف المعرفة: “الأجدر بنا ألا ننتظر اكتمال الصورة التي وضعناها لأنفسنا، حتى نبدأ في العطاء والإنتاج ونفع الآخرين، لأنه وكما أشرنا سابقا، لن نشعر باكتمالها ابدا، وهذا جزء من فطرتنا، وانما ينبغي أن نقدر قيمة ما لدينا، ونستخذمه باعتباره طابقا أرضياً في عمارة تتسامى نحو الكمال. إن استحضار هذا المعنى الى وعينا مهم جداً، لأنه يشكل نوعا من الحماية ويعطينا مناعة ضد الظروف التي قد تحول دون اكتمال تصوراتنا وتطلعاتنا، وخصوصا الطارئ منها كالحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية”.

ويقدم الكاتب أفكارا ومقترحات، من شأنها إفادة القارئ ومساعدته في العطاء: “إن لدى البشر قيم ومبادئ راقية تساعد على تجاوز الصعوبات، من ذلك: التعاون والتشارك وتكوين فرق ومنظومات. إن ما تراه انت طابقا ارضيا، فقد يعتبر لغيرك طابقا علويا.. لنعمل على إتاحة ما لدينا من إمكانات مهما كانت في نظرنا ضئيلة، فإنها في مجموعها تشكل طاقة كبيرة، من شأنها تحقيق تقدم باهر.

(3)
وفي مقال سابق على ذات الصحيفة، كتب مجاهد احمد على، عن فلسفة فرق العمل ولماذيتها: “ترجع أهمية فريق العمل وضرورتها، إلى عامل مهم وهو أن معظم الأعمال لا يمكن إنجازها بصورة فردية. في العصور السابقة سادت الفردية في مختلف الأنشطة، وبرزت بجلاء في الاكتشافات والاختراعات؛ نظرا لبساطة وصغر حجم المجالات حينها، مما يتيح للفرد إمكانية استيعاب مجمل تفاصيل مجاله وتخصصه، وسبر أغواره والإحاطة به من كافة الجوانب تقريبا، وبالتالي إمكانية تطويره بصورة فردية. في عصر يمتاز بانفجار المعلومات وسرعة تطور المعرفة، صار من العسير، إن لم يكن من المستحيل، أن يستقل شخص بمفرده لإنجاز اكتشافات/ ابتكارات ذات قيمة؛ نسبة لاتساع فروع المعرفة وتشعبها، حيث أصبح للمجال الواحد عدة أقسام، ولكل قسم عدة أفرع، وقد يتشعب الفرع نفسه إلى عدة تخصصات، مما يصعب على الفرد الإحاطة بها جميعها.. وإن ادعى ذلك، فغالب الظن أن تكون معرفته سطحية، وتكلف الكثير من الوقت، وقد تستهلك عمره كله لفهم آخر ما توصل إليه العلماء في كافة الأقسام.. وإن استطاع، فإن منتجاته ستكون متوسطة/ ضعيفة القيمة مهما بذل من الجهد.. وقد لا يبلغ سقف الاكتشاف، ما دام مشتتا جهده في كل أقسام المجال”.

ويؤكد على أهمية التخصص المعرفي: “لا بد من الانفراد بتخصص واحد، لتوفير الوقت والجهد وإمكانية الإحاطة به، وبالتالي تطويره أيضا”.

ويقدم عدة مقترحات: “لإحداث نقلة تطويرية في تخصص معين يقف الباحث مكتوف الأيدي مرة أخرى أمام شجرة المعرفة متشابكة الأغصان حيث تبرز لك معضلة تداخل التخصصات وأقسام المجال المعين.. ولاجتياز هذه الصعوبة وإحراز التقدم أقترح خيارين:
– الأول: محاولة دراسة وفهم كل التخصصات المتشابكة للوصول إلي رؤية أكثر وضوحاً وهذا غير متاح في عصرنا، كما ذكرنا سابقاً؛ نسبة لسرعة تطور واتساع التخصصات ومحدودية الوقت المتاح.
– الثاني: الاستعانة بأشخاص بارزين في مختلف التخصصات ذات الصلة بمجال الباحث؛ للحصول على ما يحتاج إليه من معلومات لإحداث التقدم المنشود، وهذا يعني: أن يعمل على (تكوين فريق).

(4)
وفي يونيو الماضي، نشر موقع اسلام اون لاين، مقالا للكاتب بعنوان (فلسفة توريث المعرفة) تناول فيه المعرفة “بوصفها إرثا يتناقله الإنسان عبر الأجيال”، وقال: “إنها لا تختلف كثيرا في عملية توارثها عن عملية توارث الإنسان لجنسه”.

عند حديثه عن (توريث المعرفة) يوظف الكاتب معرفته البيولوجية في التعبير عن الفكرة: “هناك معلومات يتم توريثها “اختزالياً” لإضفاء شيء من التنوع، عن طريق الإضافة والحذف والتغيير، والبعض الآخر يتم توريثه ” فتيلياً” عن طريق نسخه للجيل القادم دون أي تغيير فيه. في عالم المعرفة يمكننا القول بأن المعلومات التي يتم نقلها “اختزالياً” في الغالب هي (الفروع والجزئيات وتطبيقات المفاهيم)، أما الأصول والمفاهيم الكلية، والسنن العامة في الكون والإنسان، فيجب نقلها ” فتيلياَ” بالنسخ المتجرد من أي تغييرات، خصوصاً تلك التي تبديها تطبيقات هذه السنن في فترة زمنية معينة، لأن التراكم المتصل للإرث المعرفي وتماسك البنية المعرفية للإنسان يعتمدان عليها”.

ويوجه الكاتب رسائل مباشرة إلى ناقلي المعرفة كما سماهم: “إن على ناقل المعرفة أن يدرك بوضوح أي جانب من المعرفة يقوم بنقله، لأن الإتيان بمتطلبات نقل هذا الجزء، يعد جزء من مسؤولياته. على كل، فإن الجزء الذي ينقل “إختزالياً “لا يتطلب الكثير من الجهد والتدقيق، لاحتماله التغييرات؛ إن ما يمكن بذله هنا هو محاولة عدم قولبته، أو الإصرار على تقديمه بشكل ثابت أو جامد، بما يؤدي إلى تعطيل الإبداع والتنوع الذي يعد وظيفة هذا الجزء من المعرفة”.

ويعود مجاهد احمد على، إلى التأكيد على الفروقات الجوهرية بين ما ينقل اختزاليا، وما يتم توريثه فتيليا حسب وصفه: “إن الجزء الذي يحتاج الكثير من الجهد في عملية نقله في تقديري هو الجزء الذي ينقل “فتيلياَ” أي جزء الأصول والكليات والسنن، لحاجته الكثير من التدقيق، وإزالة الشوائب، ومتعلقات الفترات الزمنية التي يمر بها”.

ويؤكد على “أن ثمة جهدا مُهِماً يحب أن يبذل في هذا الجانب، وهو إزالة التجارب والانطباعات الشخصية، والالتزام بالتجرد والموضوعية في عملية النقل قدر الإمكان. إن تغييراً طفيفا في هذا الجزء يؤدي عادة إلى تغييرات ضخمة في تطبيقاته”.

ويختم مقاله بالموقع بعدة فقرات مهمة: “بطبيعة الحال، فإن العلوم والمعارف البحتة والتطبيقية أكثر تماسكاً، ولا تتأثر كثيراً بتفاعلات وانطباعات من يتعاملون معها؛ لاعتمادها على مقاييس كمية وحسابات قياسية. إن ما يتأثر بصورة واضحة بانطباعات وتفاعلات من يتعاملون معه، هو جانب العلوم والمعارف الإنسانية؛ لاعتمادها على مقاييس وصفية، ونسبية عالية”.

“في التاريخ والعلوم الدينية على سبيل المثال، نجد تأثير التجارب والانطباعات الشخصية جليٌ جداً؛ حتى أنه أدى في بعض العلوم الدينية إلى طمس الفكرة الأصلية، وأدى في بعض الحقب التاريخية إلى طمس الأحداث الحقيقية واستبدالها بأحداث من نسج الخيال”.

“إن الجهد الشخصي في محاولة التجرد والتزام الموضوعية مهم جداً في جانب العلوم (الإنسانية).. وبما أن التجرد التام والموضوعية المطلقة، يتعذر تحقيقهما بشكل كامل، فإن رفع الحساسية تجاه الانطباعات الشخصية إلى أقصى حد ممكن، هو المتوقع والمطلوب ممن يريد أن يصنع جزءاً من الإرث المعرفي، لا سيما في العلوم الإنسانية”.

(5)
وفي مقالة ذات صلة بتوريث المعرفة ومكملة للفكرة، نشرتها المجلة الثقافية الجزائرية بعنوان (المكتوب اكثر تجردا)، كتب مجاهد احمد علي، عن أهمية الموضوعية والتجرد في نقل المعرفة: “إن على ناقل المعرفة أياً كان وصفه (معلم، مدرب، كاتب، مؤرخ…) أن يلتزم بالتجرد والموضوعية فيما يتعلق بنقل الحقائق العلمية والمعرفية، خصوصاً في جانب العلوم الإنسانية.. وبما أن الموضوعية أمر نسبي وصعب التحقق، فإنني أتوجه ببعض الإشارات إلى متلقي المعرفة أياً كان وصفه (متعلم، متدرب، باحث،..) بأن يراعي طبيعة الأدوات المستخدمة في عملية التحصيل المعرفي؛ لما لها من قدرة على نقل مؤثرات إضافية إلى المادة المعرفية”.

ويرى الكاتب أن “كثيراً من ناقلي المعرفة لا يلتزمون بالموضوعية والتجرد الكافيين، ويقومون- بقصد او بدونه- بإضافة تأثيرات وانطباعات قد تتعارض مع المادة المعرفية المنقولة، مما يحتم على متلقي المعرفة الاهتمام بنوعية الأدوات المستخدمة في تحصيله”..

ويطرح الكاتب سؤالا مباشرا، ويجيب عنه: “ما الأداة الأكثر تجردا في نقل المعرفة؟.. حسناً، قبل أن نحدد “الأداة” لنتعرف على حجم المؤثرات المصاحبة لمختلف الأدوات، ودرجة التجرد المطلوبة في المعرفة المتحصلة. إذا أخذنا الأدوات الأكثر استخداماً في عمليات التحصيل المعرفي كوسائل التعلم والاتصال (المرئية، والمسموعة، والمكتوبة)، وأخذ نسبة التأثير التي تنقلها كمؤشر لدرجة تجرد المادة المنقولة، فإننا نجد أن الأدوات المرئية “الفيديو” هي الأكثر تأثيراً؛ وقد أثبت علماء النفس والإتصال أن لغة الجسد ونبرة الصوت تؤثران في المتلقي بنسبة تقارب 70% ، وبذلك تصبح الأقل تجرداً في نقل المادة المعرفية. أما الأدوات السمعية، فإنها أقل تأثيراً من المرئية لغياب لغة الجسد، وبالتالي تصبح أكثر تجرداً من “المرئية”. أما الأدوات الكتابية، فإنها الأقل تأثيراً لغياب لغة الجسد ونبرة الصوت كليهما، لتصبح الأكثر تجرداً في نقل المعرفة”.

وفي نهاية المقالة يوجه المتعلمين إلى تفضيل القوالب المكتوبة على غيرها: “إن كنت راغبا في الحصول على معرفة مجردة من المؤثرات الإضافية، فعليك بالقوالب الكتابية. بالطبع لا نستطيع القول أن المكتوب خال تماما ومجرد من التأثيرات. إن للحروف والألفاظ قدرات فائقة في نقل المشاعر والانطباعات الشخصية، حسب مهارة الكاتب، واختيار الكلمات والجمل. إن ما يمكننا تقريره هنا: أن الأدوات الكتابية أكثر تجرداً في نقل المعرفة، لا سيما في عصر سيطرت فيه الصورة على ساحات التواصل والمعرفة وأصبحت صناعة وتجارة، وأدى التنافس “حول الفيديو الأكثر مشاهدة” إلى إهمال كثير من متطلبات نقل المعرفة كالموضوعية والتجرد”.

– خاتمة:
ما بين العوائق الذهنية المعطلة للتواصل المعرفي الجيد، وأهمية توظيف المتاح من المعرفة، لا سيما عبر منظومات وفرق عمل معرفية، والتعرف على فلسفة توريث المعرفة، والأدوات الأكثر تجردا في نقلها.. تنقلنا في استعراض موجز، وسياحة سريعة في بعض إنتاجات الكاتب السوداني الصاعد مجاهد احمد علي؛ توثيقا لتجربة كتابية، جديرة بالاهتمام، وتقديما لقلم مبدع جدير بالمتابعة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق