قراءات ودراسات

الموضعة والتجريد في اللغة

علي محمد اليوسف

تقديم
(الفلسفة هي فن تشكيل وابداع صناعة المفاهيم ) جيل ديلوز
مامعنى التموضعية Positionnalite عند الانسان وفي اللغة؟ التموضعية هي تعبير اللغة عن المدركات خارج لغة التجريد بمعنى عدم انفصال الدال عن المدلول الشيئي في تموضع تعبير اللغة عن مواضيع وادراكات العقل كما هو في المعنى الدارج فلسفيا, حيث يكون كل مدرك شيئيء هو تجريد لغوي. بعبارة ثانية أن تموضع اللغة في مدركات التعبير عن الاشياء والموضوعات خارج الذهن يفقدها هويتها الخصائصية التجريدية وميزتها المؤنسة بالنوع كنتاج لتفكيرعقلي يحوزه الانسان ويحتكره دون غيره, وبذلك تصبح موضعة اللغة بالاشياء جزءا من تكوينات تلك الاشياء المادية والموضوعات المفهومية التي تموضعت اللغة فيها من خلال تعبيرها التجريدي عنها. وتخرج اللغة بذلك عن قدرها المحتوم أنها مصادرة نوعية يحتكرها العقل الانساني فقط…وليس معنى هذا أن تموضع اللغة غير الانفصالية بالاشياء أن تلك الاشياء التي تموضعت اللغة بها أصبحت تمتلك خاصية التعبير باللغة عن نفسها كما ينفرد الانسان بهذه الخاصية. بل تموضع اللغة بالاشياء يكون خاصيتها اللغوية في الادراك العقلي .
وبذلك فالتموضع الموضوعي يفقد اللغة خاصيتها التجريدية الدلالية عن الاشياء في تعبيرها الادراكي الذي تنفصل اللغة التجريدية فيه عن الاشياء المدركة ماديا بتوصيفها الموجودات بعد التموضع فيها… ويكون تموضع اللغة متطابقا تماما في الموضعة والتجريد في تعبير اللغة عن مواضيع مفهومية لاشيئية لا ندركها حسيا مباشرا مثل الحب, الاخلاق, المعرفة, الضمير, الوجدان, العاطفة, وهكذا. فاللغة هنا تكون تجريدا تموضعيا تماما في معرفة وادراك تلك المفاهيم وليس تجريدا منفصلا تماما عنها كما هي اللغة في انفصالها التجريدي عن مدلولاتها الشيئية الحسيّة. كل تعبير لغوي عن مدرك شيئي أوموضوع تفكيري يكون تموضع اللغة فيه كمدرك وتجريدا انفصاليا تعبيريا عنه كموضوع جرى التفكير به بالذهن..
والحقيقة أن تعبير اللغة التجريدي في كلتا الحالتين الموضعة داخل الشيء والتجريد الانفصالي عنه ليس تعبيرا لغويا تجريديا في حقيقته سواء في موضعة اللغة داخل الاشياء في العالم الخارجي كجزء منها أو في تعبيراللغة المنفصل عن تلك الاشياء في التعبيرعنها تجريدا بخاصية العقل وليس بخاصية الموضوع كما هو تعبير اللغة عن المفاهيم غير الشيئية.. كل تعبير لغوي عن شيء هو تجريد متموضع غير منفصل عن موضوعه لا يحتكره العقل وحده في التوحد به وخاصية متفردة له أوفي الانفصال عنه. بل الموضوع المدرك الحسي التي عبرت عنه اللغة تجريدا متموضعا فيه تصبح اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي فقط بل خاصية الشيء الذي تموضعت اللغة فيه ايضا.
بهذا المعنى التموضعي بتوسيط عقل الانسان للغة في فهمنا الاشياء والموجودات والمواضيع تجريدا, يصبح كل شيء في عالمنا الخارجي من اشياء مادية وموضوعات هي لغة تموضعية وليست لغة تجريد انفصالية عنها مصدرها العقل فقط.. فنحن لا نستطيع ادراك أي شيء من غير ادراكنا تعبيرات اللغة التموضعية فيه التي بها نفهمه تجريدا تواصليا …وكل موجود او موضوع مدرك يحمل معه قابلية ادراكه باللغة المتموضعة فيه والتي يكتشفها العقل التفكيري به ولا يمنحها له من خارجه .. فلغة العقل الخارجية لا تمنح الشيء المدرك خصائصه اللغوية. كون اللغة خاصية تجريدية متموضعة في الاشياء قبل تعبير لغة العقل تجريديا عن ادراكها.موضعة اللغة بالشيء يعني امكانية التعبير عنه وادراكه لغويا تجريديا.
فتفكير العقل اللغوي المجرد ذهنيا بالاشياء لا يمنحها تموضعها باللغة بل يمنحها ادراكها, بل اللغة في انفصالها التعبيري المتجرد عن العقل تخرج عن وصايته عليها في موضعتها الاشياء التي لا يدركها العقل من غير موضعة اللغة بالاشياء والموجودات. اللغة تكون في الشيءالمادي والمفهوم الشيئي ولا تكون آتية من خارجهما.
العقل ينتج الافكار واللغة ذهنيا عن موضوع اللغة المتموضعة في الاشياء قبل ادراك العقل لموضوع ادراكه. بمعنى فهم تموضع اللغة بالاشياء هو ادراكها عقليا بتموضعها كخاصية للشيء وليس خاصية لغوية, وتجريد العقل للغة لا يتم عن فراغ وجودي سابق عليها…أي لا ادراك عقلي لموضوع بلا تموضع لغوي فيه …تكون اللغة في الشيء تحولت قرائيا استقباليا كجزء يحتويها ليس تجريديا تواصليا وحسب بل اصبحت في الموضعة جزءا من تكوين شيئي او جزء من موضوع يحمل معه خاصيته اللغوية المتفردة التي يجري قراءتها وتاويلها وفهمها بما لاحصر له من المتلقين.
فتصبح اللغة المتموضعة بالاشياء جزءا اوليا متقدما مباشرا من تكوينات تلك المواضيع والاشياء التي يدركها العقل, ولا نستطيع ادراك تلك الاشياء من دون قراءتنا الاستدلالية لتموضع اللغة بها. والتموضع اللغوي لا يفقدها أي لا يفقد اللغة خاصيتها التجريدية في ادراكنا الاشياء التي تموضعت فيها.
فاللغة في جوهرها هي تجريد مدرك غير منفصل عن تموضعه بالشيء, وتكون بذات الوقت تجريدا غير متموضع منفصل عن الشيء في ادراك العقل له. بمعنى تجريد اللغة في تعبيرها عن الشيء الحسي وفي الوقت ذاته تجريدها عن الموضوع الخيالي غير الحسي المستمد من الذهن الذي لا وجود خارجي انطولوجي له في عالم الموجودات. اللغة المتموضعة في الاشياء هي غيرها اللغة التي يدرك العقل بها تلك الاشياء.
السائد منطقيا فلسفيا ومعرفيا أن لغة الادراك هي لغة معرفتنا في تعبير التجريد اللغوي عن الموجودات والاشياء المادية المدركة حسيا التي يجب أن يكون ذلك في انفصال تجريد اللغة عن موضوعات ادراكها, كون اللغة خصيصة العقل وليس خصيصة الاشياء والموضوعات قبل وبعد ادراكها, وتكون موضعة اللغة بالاشياء هي خاصية أدراكنا المفاهيم غير الحسية فقط مثل الاخلاق ,الضمير,العاطفة, الالم, السعادة وهكذا. فهذه المفاهيم هي لغة تجريد مفاهيمي غير حسي قبل ان تكون تعبيرا عن دلالات انطولوجية تتموضع فيها اللغة تجريدا انفصاليا عنها تماما.. فاللغة هنا في تموضعها بمفاهيم غير حسية هو تعبير عن مدرك غير محدود انطولوجيا ولا يمكن التعبير عنه حسيّا لأنه (مفهوم) مطلق وليس موجودا ماديا محدودا تدركه حواس العقل انطولوجيا بابعاد وخواص المادة.
فنحن لا ندرك قول المخاطب لنا لفظة حزن أو لفظة حب, او كآبة, او سعادة بغير لغة تعبير عنها تجريدية ليس بمعنى الانفصال التام عنها ادراكيا بل تكون تجريدية ملازمة لكل مفهوم يتصوره العقل خياليا ولا يدركه حسيا بل يدركه مجردا بدلالة تعبيراللغة عنه. والاختلاف بين الشيء الحسي في تعبير اللغة الادراكية عنه لا يشترط ملازمة اللغة الدائمية له, على العكس من المفهوم غير الحسي الذي يكون لغة تعبير خالصة لا تحتوي مضمونا حسيا مدركا.
بالحقيقة مفهومنا الراسخ تداوليا في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات عن تجريد اللغة بأنها التعبير الانفصالي عن الشيء أو الموضوع في دلالة اللغة عليه, وما يتمّثله العقل هو صورة الموجودات في حقيقتها الانطولوجية في عالم الموجودات مقولة خاطئة اساسا من حيث اللغة في تعبيرها عن مدركات العقل تجريدا تصبح جزءا من موضوعات تلك المدركات وليست لغة تجريد تلازم تفكير الانسان فقط لا تنفصل عنه. نحن لا نفهم معرفة الشيء بادراكنا الحسي فقط بل بادراكنا اللغوي الصوري له… ولا توجد لغة تجريد أدراكي بغير هذا الفهم بغياب تموضع اللغة بموضوعها عندما ندرك معرفته بلغة التجريد وليس بادراكات الحواس عبر منظومة الجملة العصبية.
من المهم في منحى تموضع اللغة تجريديا الانطلاق من أن التجريد اللغوي ليس خاصية انسانية فقط من حيث تعبير اللغة عن محتوى الاشياء والموضوعات وأنما تجريد اللغة هو خاصية تلازم معرفتنا كل موجود في الطبيعة وعالمنا الخارجي لا نستطيع ادراكه بغير لغة التجريد في حالتي تموضع اللغة به وبالاشياء عامة أو في التجريد المعبّر عنه بانفصالية عقلية عن الاشياء التي لا ندركها الا في لغة التجريد اللغوي التي لا يكون مصدرها العقل قبل مصدر وجود موضوع التفكيرالذي يحمل لغته معه..
خاصية الموضعة اللغوية
وبهذا المعنى يكون التجريد تموضعا لغويا جماعيا وليس خاصية انسان فرد بعينه دون غيره في تعبير انفصال اللغة عن مدلولها الشيئي المراد ادراكه والتعريف به. تجريد اللغة يلازم كل شخص سوي بعينه منفردا في حين يكون استقبال وتلقي دلالة التجريد اللغوي يتم بتعدد قراءات الفهم الجمعي للاشياء بلا حدود وهي متموضعة لغويا في مدركات العقل لها, أو ادراك موضيع الخيال بتجريد لغوي تكون اللغة التجريدية متموضعة فيها بشكل تام بحيث لا يمكننا ادراك مفهوم بغير لغة تجريد اعلى عن مستوى لغة تجريد ادراك الاشياء المحسوسة. ولا يتم هذا الا من خلال ادماج التجريد المتموضع بالاشياء مع تجريد العقل الانفصالي في التعبيرعنها..
تجريد اللغة لا يمكن أن يكون وعيا موجودا بلا موضوع مدرك أو شيء تكون اللغة متموضعة فيه قبل قراءة العقل للغة الخاصة به. بمعنى صادم غير مألوف اللغة وجود متموضع في اشيائه قبل أن تكون تجريدا لغويا في العقل. تموضع اللغة بالشيء تمنح العقل ادراكه تلك الاشياء.
كل شيء بالوجود ندركه لغويا تجريديا لا يكون الا من خلال تموضع اللغة فيه وليس في انفصال التعبير التجريدي عنه. فاللغة وجود انطولوجي في موضعة الشيء قبل تجريدها بالعقل. كل شيء موجود ندركه في عالمنا ويكون موضوعا لتفكيرنا به هو اولا واخيرا ليس لغة تجريد انفصالية بالعقل عن الموضوع أو الشيء بل هي لغة تموضع في تلك الاشياء لا تنفصل عنها بلغة التجريد الذي في مفهومه المتداول الدارج انفصال لغة الدال عن الشيئي الحسي المدلول. بمعنى التموضع بالشيء لا يلغي تجريد اللغة ادراك موضوعها عقليا في كل الاحوال.
اللغة ليست تعبيرا تجريديا لمعان عديدة تسبح في فضاء لا يمتلك السيطرة عليه سوى وعي الانسان, بل اللغة خاصية لكل شيء ندركه بواسطة اللغة التي تكون متموضعة بالشيء كتكوين خاص به وليست كطاريء ادراكي خارجي عليه منفصلة عنه.
ادراكنا للاشياء والمواضيع هو ادراكنا لموضعة اللغة فيها وليس فقط ادراكنا تجريد اللغة لها. والتجريد التعبيري باللغة كخاصية عقلية ادراكية لا يلغي أن اللغة تموضع انطولوجي يلازم جميع تلك الاشياء. حتى معرفتنا كينونة الانسان وذواتنا انطولوجيا لا تكون الا من خلال تموضع اللغة في تلك الكينونة وتعبيرها عنها. وكل هذا لا يلغي بديهية اننا ندرك الاشياء بتجريد اللغة في حالتي الموضعة وحالة انفصال اللغة (الوهمي) عن المدركات عقليا…كل موجود في الطبيعة يحمل موضعته اللغوية التي هي ليست اللغة التجريدية التي يبتدعها العقل عن تلك الموجودات.
أن تقول ادركت الشيء معنى أنك استطعت قراءة اللغة الكامنة فيه تموضعيا بلغة التجريد المنبعث عن الشيء وليس ادراكك ما يمليه العقل لغويا عليك مسبقا قبل وجود الشيء المستقل عن ادراك العقل له. وينبعث عنه في توصيف اللغة له تجريدا, وتبقى اللغة تجريدا متموضعا بالاشياء في وجودها الخارجي وتجريدا تعبيريا بالذهن داخليا في تفكير العقل بها.
تموضع الانسان الوهمي
يعتبر يورغن هابرماس هلموت بلينسر هو مؤسس انثروبولوجيا الفلسفة الحديثة في اللغة الالمانية انطلاقا من المستوى البيولوجي للحياة العضوية. وحسب هابرماس يحيل مفهوم التموضعية الى مسألة الجهاز العضوي بحدوده الخارجية ومحيطه, وفي الوقت الذي يكون فيه الانسان لا مركزيا بالاساس, أي أنه يعيش ذاته كمركز لتموضعه الجسدي فهو يتجاوزه ويبقى له أن يحدد بنفسه علاقته بمحيط يوجد فيه, لكنه يتباعد بالنسبة اليه في الوقت نفسه عبر موقف ديالكتيكي اساسا بما أن الانسان لا يعيش الا بقدر ما يسّير حياته, ويبقى الحيوان مركزيا بعدم المجانسة البيولوجية مع الانسان. (ص 62 يورغن هابرماس , بعد ماركس ت:محمد ميلاد).
في محاولتنا توضيح ما مر بنا في مفهوم هابرماس للتموضعية الفلسفية عند الانسان بعيدا عن تموضع اللغة في المدركات العقلية, هي تموضعية بيولوجية تتواصل عضويا على صعيد علاقة الجسد بالاشياء وعلاقة الكينونة بالذات وليس في توسيط اللغة كتجريد دلالي معرفي,التموضع البيولوجي العضوي عند الانسان بالنسبة لحدود وجوده الداخلية والخارجية في مركزية الذات لديه, يكون تموضعا مشتتا لوحدة الهوية الذاتية عبر توسيط اللغة كخاصية تلازم الانسان لاغيره ليس على الصعيد البيولوجي وحده وأنما على صعيد الاغتراب النفسي ايضا في محاولة الخلاص من كينونة محدودية الجسد الى ماوراءها وصولا الى التفاعل مع موضوعات العالم الخارجي ومحاولة معرفته والجدل الديالكتيكي الذي يداخله.
لا يفقد الانسان هويته الماهوية العضوية البيولوجية في تموضعه في ماوراء وجوده العضوي كذات نوعية مفكرة تمتلك اللغة. ويكون الانسان لا مركزيا في تشتيته ذاتيته المؤنسنة في موضوعات تموضعه الادراكية خارج حدود جسده وهويته البيولوجية غير المتجانسة مع موضوعات تموضعه بيولوجيا الذي لا يكون الا بوسيلة تجريد تموضع اللغة في ادراكه لذاته وفي ادراكه موجودات ومواضيع المحيط ..
الذات الانسانية لا تكون ولا تستطيع موضعتها بالاشياء والعالم من حولها بغير توسيط اللغة, واللغة لا تعتبر في تموضعها الاشياء لغة تجريد انفصالي وصفي عن الاشياء في دلالاتها التعبيرية عنها , بل التموضع هنا يكون بعلاقة جدلية في التاثير المتبادل بين الذات وادراكاتها المواضيع والاشياء. اللغة تجريد يتم داخل الذهن فقط, وتكون اللغة تموضعا بالاشياء كتجريد يلازم كل مدرك موجود خارجيا انطولوجيا.
التموضعية خارج حدود الجسد تكون لغوية في منحيين اولهما أن اللغة في تعبيرها عن المدركات المادية للعقل أنما تكون في موضعة اللغة لها, وبذا تفقد اللغة خاصية أن تكون ملكة تجريد ملازمة للعقل الانساني فقط لتكون جزءا تكوينيا من الاشياء التي تدخل معها اللغة بعلاقة تموضعية جدلية تفقد اللغة خاصيتها في تجريد العقل لها وتكون جزءا من الدلالة المتموضعة في شيء لا ندركه ولا نتعرف علية بغير دلالة اللغة المتموضعة به كخاصية له وليست خاصية فهم وتعبير العقل الانساني عنه فقط.. وكما يحمل الانسان خاصيته اللغوية معه, كذلك تحمل كل مدركاتنا من الاشياء والمواضيع لغة التموضع الخاصة بها في تعريفها كموجودات وأستكمال تمام ادراكنا لها…بمعنى أن ندرك الشيء هو أن نعرف قراءة اللغة الكامنة تموضعيا تجريديا فيه.
أما المنحى الثاني من الموضعة اللغوية في مواضيع الادراك الخيالية المستمدة من الذاكرة فيكون فقدان الهوية الذاتية في خاصية اللغة ملازمتها الانسان قد تلاشت نهائيا في مواضيعها التي تموضعت فيها, والمواضيع الخيالية المعبرعنها لغويا تصبح لغة استدلالية معرفية ولا يكون هناك كينونة موضوعية خارج موضعة اللغة لها. كما يفقد الانسان لغة التموضع بالاشياء والمواضيع ولا تعود اللغة بعد الموضعة ملك الانسان بل خاصية الموضوع الذي تموضعت اللغة به. وجميع موضوعات التفكير الخيالية هي موضعة لغوية بها و فيها وليست تجريدا تعريفيا باللغة عنها فقط…موضعة الاشياء وادراكها هو لغة تعبير تصوري عنها كامن فيها يعود لها ولا يخلعها العقل عليها من خارجها أي من خارج مدركاته التعبيرية عنها. اللغة لا يمتلكها الانسان كخاصية احتكارية في تجريدها التعبير عن مدركات العقل خارج تفكير الذهن, بل اللغة خاصية موجودة في كل شيء نحيط بادراكنا له.
تطابق المجانسة بين الذات وهوية الجسد العضوية عند الانسان لا يلغي أهمية أن يكون الانسان لامركزيا ذاتيا بالنسبة لمداخلته في تموضعاته لغويا بالاشياء والمحيط الخارجي. بينما تبقى مركزية الحيوان ممتنعة عن التموضع في الاشياء الاخرى وموجودات المحيط وتبقى محتفظة بعدم التشتيت الهووي الذاتي, فالحيوان لا يدرك عدم المجانسة العضوية بينه وبين موضوعات ادراكه لذا يكون الحيوان مركزيا ذاتيا في الابتعاد عن الموضعة بغيره من كائنات لا اراديا بحكم الطبيعة البيولوجية النوعية له في محدودية تفكيره الادراكي من جهة وفي اختلافه البيولوجي عن غيره من موجودات الطبيعة في النوع من جهة اخرى.. وهو ما لا ينطبق على الانسان الذي يعي جيدا عدم المجانسة العضوية البايولوجية بينه وبين كائنات الطبيعة الاخرى.. فالحيوان يبقى محتفظا بمركزيته غير المتموضعة في اشياء تحيط به كونه لا يجاري الانسان باللغة وهذا عامل نوعي هام جدا في التفريق بين لامركزية الانسان من جهة ومركزية الحيوان من جهة أخرى. فالتفريق يكون على مستوى تباين النوع في امتلاكه اللغة.
اذن مالفرق بين لا مركزية الانسان في التموضع عن لا مركزية اللغة في تموضعها بالاشياء والموضوعات بالنيابة عن الانسان كهوية بيولوجية غير متجانسة علائقيا بموضوعات ادراكها.؟
يالحقيقة أن الانسان لا يتموضع بالموجودات الخارجية في لامركزيته العضوية ولا حتى نفسيا بسبب الاختلاف العضوي البايولوجي بين الانسان ومدركات تموضعه في عالم الموجودات الخارجية, وأنما العامل الاساس في لا مركزية تموضع الانسان هو اللغة فقط, فباللغة التجريدية وحدها يجد الانسان حقيقته التموضعية الشيئية لمدركاته دونما فقدانه التذويت الذاتي الذي يلازمه أن لا يضيع في عملية الموضعة العضوية بغيره غير المتحققة اساسا بغير موضعة اللغة التجريدي للانسان المنفصلة عنه وهو التموضع اللغوي التجريدي في الاشياء,..لا يوجد شيء يمتلك البنية العضوية البيولوجية التي يتجانس الانسان بها تموضعيا ما عدا الانسان نفسه كنوع.
الموضعة الحقيقية للفرد هي التجانس العضوي البيولوجي بين الانسان ومواضيع ادراكاته الحسّية وهذا ما لا يمكن تحقيقه مطلقا, فالانسان يتعامل مع الحيوان والنبات وكل شيء في الطبيعة بالتمايز النوعي عنها(بيولوجيا, لغويا, ذكائيا, عقليا, زمنيا,) ويبقى كائنا نوعيا مختلفا عنها في كل شيء تقريبا لذا هو لا يضيع ذاتيته الهووية في الموضعة الادراكية للاشياء كموجود انطولوجي في الطبيعة, كما هو شأن اللغة في ضياعها من الانسان في موضعتها الاشياء.. بل الذي يضيع منه وينفصل عنه هو اللغة المتموضعة في مواضيع مدركاته وليس ذاتيته النوعية المحدودة بمركزية الذات في الجسد. التي هي – الموضعة الشيئية – بالنسبة للانسان موضعة لغوية ذاتية وليست موضعة بيولوجية عضوية مستحيلة في كل الاحوال., الانسان يتموضع مع ذاته أمر مقبول وفي غاية الاهمية, وبذلك يمتلك هويته ووعيه بكينونيته, أنما أن يتموضع الانسان مع مدركاته الاخرى عضويا بغير توسيط اللغة فهو محال حيث لا يبقى الانسان هو الانسان كنوع متفرد ويفقد خاصية اللغة التعبيرعنه كأنسان.
الانسان كائن عضوي كموجود انطولوجي على خلاف تام عن اللغة التي هي ليست وجودا انطولوجيا تلازمه وأنما هي توسيط تجريدي(ملكة نوعية) تلازم الانسان ادراكيا ولا تتعارض مع بيولوجيا الجسد في كل شيء تقريبا. لذا التموضعية عند الانسان تعمل على لامركزيته لكنها بالوقت نفسه لا تضّيع هويته الذاتية في امتلاكه النوعي المتميز للغة, فهو بهذا المعنى يكون الانسان مركزيا في موضعته الاشياء لغويا ولا يتموضع بها عضويا بيولوجيا.
لكنه في تموضعه اللامركزي الانفصالي عن مواضيع مدركاته بتوسيطه اللغة لا يشبه بذلك مركزية الحيوان الذاتية السلبية, فالحيوان الذي لا يمتلك كما هو الانسان اللغة يستحيل تموضعه في الاشياء المحيطة به ليس في عدم التجانس البيولوجي معها كنوع ولكن لعدم امتلاكه اللغة كوسيط يموضع له موجودات الطبيعة ويسهل عليه ادراكها وفهمها, كذلك في عدم أمتلاكه الادراك الحقيقي للاشياء والموجودات التي هي ادراك “عقلي – لغوي” مركب لا يعمل أحدهما بمعزل عن الاخر في غير تلازمهما معا…فادراك الانسان الذكي هو جوهر لغوي بينما يكون ادراك الحيوان محدودا جدا لعدم أمتلاكه الخاصية النوعية اللغوية التي هي جوهر فهم الاشياء والتواصل معرفيا بها. مركزية الحيوان ميزته انه لا يتموضع مع غيره من موجودات في افتقاده لغة التموضع التي تجانسه بغيره من مكونات العالم الطبيعي الخارجي.

تموضع اللغة والذات الانسانية
تموضعية الانسان في مدركاته كما مر بنا لا تتم الا بواسطة توسيلية اللغة تجريديا, فاللغة في موضعتها الاشياء والموجودات تفقد ماهويتها النوعية الخاصة بها كتفكير عقلي تجريدي خاص مصدره الانسان وحده لتصبح جزءا من مكونات مدركات العقل المتموضعة فيها اللغة في العالم الحسي وفي عالم الخيال الانساني, بمعنى أنابة العقل اللغة في الموضعة بدلا من الانسان أو نيابة عن عضو بيولوجي منه, وهذه الانابة التموضعية للغة يفقدها التذويت العقلي المستقل في الانسان لتتلاشى في تموضع مدركاتها في تعبيرها اللغوي عنها كموضعة وليس كتجريد تعبيري بمعنى انفصال الشيء واقعيا عن دلالة تعبير اللغة عنه تجريديا كما هو الحال في ادراكاتنا الحسية للاشياء….بمعنى لغة ادراك الشيء هي لغة التعبير عن الشيء في تموضع اللغة فيه.
أي أن ادراك أي شيء عقليا يعني فقدان الانسان لغة التعبير عنه بعد ادراك العقل له, اللغة التي اصبحت في الموضعة جزءا من الشيء لم تعد يمتلكها الانسان كفرد لوحده بل يمتلكها المجموع المتلقي كخاصية في الشيء الذي تموضعت اللغة فيه..ولا يمكن فهم الاشياء الا من خلال قراءة اللغة المتموضعة فيها فرديا وجماعيا. وفهم الشيء هو فهم اللغة التعبيرية التجريدية الكامنة بالاشياء التي يستمدها العقل من موضوعاته المدركة ولا يخترعها ذاتيا بلغة لا يكون مصدرها الموجودات فالعقل بلا اشياء يدركها يستحيل عليه اختراع لغة معبّرة عن اشياء حقيقية.فاللغة بلا موجود ولا موضوع مدرك لاتكون تفكيرا يحمل دلالة عن شيء.
الانسان وجود غير متجانس بالصفات والماهية مع جميع الكائنات الطبيعية من حوله, لذا فهو في عدم المجانسة هذه لايفقد لامركزيته الذاتية بل يتخلص من أغترابه النفسي في تسخيره اللغة موضعتها الاشياء المهمة من مدركاته. فباللغة وحدها يصبح الانسان متموضعا في مدركاته دونما فقدانه هويته البيولوجية النوعية المتفردة كنوع لغوي. ولا يفقد أيّا من خصائصه الماهوية الفيزيائية ما عدا فقدانه لغة التعبير المتموضعة بالاشياء, ولا يفقد الانسان خاصية توليد اللغة المتجددة بلا انقطاع ولا توقف ايضا. وفي هذا يصبح الانسان كذات مفكرة ذكية موجودا فيزيائيا في موضعة اللغة لاشيائه ومدركاته.
من السهل على الانسان كما هو من المستحيل عليه الخلاص من أغترابه الذي تفرضه عليه موضعة الاشياء, بغير توسيطه اللغة والفكرفي الانابة التموضعية بدلا عنه. وكل تموضع لغوي فكري لمدركات العقل لا ينتقص من لامركزية الانسان النوعية لكنهما في نفس الوقت (اللغة والفكر) يفقدان خصائصهما النوعية كتوليد عقلي في موضعتهما مدركات العقل من المواضيع والاشياء.
فيصبح ادراكنا لكل شيء في العالم الخارجي هوفهمنا لغة تعبير ومحتوى فكري لكل مدرك قبل كل شيء آخر يتعلق بلغة العقل الداخلية بالذهن. بمعنى افصاحات اللغة المتموضعة بالاشياء هي مصدر لغة العقل التجريدية في تفكير الذهن. نرى من المهم فهم وتفريق لغة العقل المعبّرة عن مدركاته وبين لغة العقل التي تموضعت خارجيا في تلك المدركات وكلا النوعين هما تجريد لغوي في تعبيرات الانسان..
مالفرق بين التموضع والاغتراب
الفرق بين التموضع والاغتراب وكلاهما من مفهومات الفلسفة, هو أن التموضع عملية ادراك الاشياء في التعبير التجريدي اللغوي العضوي في ملازمة اللغة الاشياء التي تموضعت اللغة بها. تجريد اللغة في التعبيرالميكانيكي الآلي عن الاشياء هو عملية انفصال تام بين الدال والمدلول, بمعنى أن اللغة هنا بقيت تمتلك هويتها العقلية ولم تعد جزءا تكوينيا من الاشياء التي أكسبتها اللغة موضعتها الادراكية للعقل.
اللغة في تجريدها التعبيري تكون لغة تعبيرعن الاشياء وتبقى محتفظة بهويتها الخصائصية أنها توليد عقلي فكري تجريدي, لكنها في موضعتها الاشياء في التعبير عنها لا يبقى هناك خصيصة تدعى لغة بمعزل عن مكوّنات مدركات العقل في موضعتها اللغة لها لتكون اللغة وحدها هي الموضوع الذي يتمثّله العقل صوريا تجريديا وتحتفظ كل ماديات الادراك ومواضيع الخيال بوجودها النوعي المستقل.
التموضع هو تعبير عملية الادراك لموضوع تكون اللغة جزءا تكوينيا فيه وليس تعبيرا تجريديا منفصلا عنه. تعبير اللغة التجريدي هو انفصال تام بين التعبير عن انفصال الدال عن المدلول, انفصال اللغة عن موضوع ادراكها, بينما يكون تموضع اللغة بالشيء هو تشيييء الشيء كموضوع مدرك وجودا وقد أصبحت اللغة فيه جزءا من تكوينه المادي وتلاشت في تكوينه الماهوي والصفاتي خارج تجريد العقل.
التموضع الشيئي للغة هو التعبير عن الادراك الفلسفي لمفهوم الاغتراب الذاتي self- Alienation , وعندما يلازم الاغتراب بمفهومه الاستلابي السلبي الانسان فأنما يفقده بذلك قدرة التكيّف والانسجام الطبيعي مع المحيط. لذا يصبح التموضع اللغوي في مدركات المحيط هو المخرج الوحيد الذي يعمل على أعادة الانسان الى علاقاته السوية اللااغترابية المنسجمة مع المحيط حتى لو كان هذا الانسجام زائفا لا يحقق الانسان فيه أصالة وجوده الحقيقي.
التموضع اللغوي في التعبير عن مدركات المحيط هو وسيلة الخلاص من الاغتراب النفسي للانسان, والفرق بين التموضع بمعنى الاندماج وبين الاغتراب بمعنى العزلة والانفصال عن الذات والاشياء معا هو أن التموضع عملية ادراك الاشياء ليس في تجريدها اللغوي فقط بل في مواضعة فهم اللغة لها , وبهذا المعنى تصبح اللغة تشييئا لشيء هي جزء منه لا يمكن انفصاله.
بينما يكون الاغتراب حالة من الاستلاب النفسي الذي يعانيه ويكابده الانسان في فقدانه موضعة ذاته نفسيا مع كيانه البيولوجي والمحيط, الذي لا تستطيع اللغة التموضع في مدركات الاستلاب الاغترابي ذاتيا عند الفرد, لذا تكون لغة الاغتراب لغة تجريد توصيفي منعزلة تماما عن الموضعة الموضوعية وليست لغة تموضع جدلي مع الموضوعات حتى الخيالية منها. اللغة التموضعية تكون جزءا تكوينيا من المواضيع والاشياء التي دخلتها اللغة في موضعتها لها وليس لغة تجريد ادراكها الذي تنفصل فيه اللغة عن موضوع ادراكها كما في تجريد العقل للغة.
تجريد اللغة والادراك المثالي
حين أجمع فلاسفة التجريبية الوضعية الحديثة امثال بيركلي وجون لوك وديفيد هيوم بأن كل شيء في مدركاتنا من العالم الخارجي أنما يتم ادراكه بالذهن لغويا تجريديا وليس هناك لوجود عالم خارجي لا تدركه حواسنا اولا. وبذلك لم يغادروا الفهم التجريدي للغة كوسيط معرفي. من حيث أعتبارهم كل شيء مدرك في العالم الخارجي لا يدرك حسيا لغويا تجريديا لا وجود مادي له في الواقع والمحيط.
التجريبية الوضعية المنطقية ذهبت الى أن كل شيء في عالمنا الخارجي لا يدرك حسيا ولا يتمثله العقل تصورا لغويا تجريديا يصبح لا وجود حقيقي له في عالمنا الخارجي وليس هناك امكانية ادراكه ما لم يقبله تجريد اللغة في التعبير عنه. وهذا خطأ قاتل يلازم فلاسفة المثالية فالوجود سابق على كل فعالية يقوم بها العقل. وبغياب الموجودات لا يبقى هناك عقلا مفكرا ولا لغة تعبيرعن الاشياء والموجودات. وسبق لي مناقشة هذه الاشكالية في العديد من كتاباتي المنشورة.
في المقابل من المثاليين ذهب الماديون الى استحالة وجود تفكير ذهني وتعبير لغوي لا يسبقه وجود مادي,وكلاهما(المثاليون والماديون) يلتقيان في نقطة هامة جدا, تلك هي اقرارهما بقصد أو من دونه أن اللغة تجريد تصوري عقلي في فهم العالم الخارجي والتعبير عن مدركات العقل, ولا توجد غير هذه الآلية تيسّر للعقل ادراكه للاشياء. سواء أكان الفكر سابقا الوجود (مثاليا) أو بالعكس الوجود اولا والفكر واللغة ثانيا (ماديا) وكلاهما نضح الوجود في ادراكه والتعبيرعنه.
العديدون من المنظّرين يقعون في ترويج مفهوم ابتذالي مبسط أن الفرق بين المادية والمثالية هو في اسبقية الوجود على الفكر أم اسبقية الفكر على الوجود؟ وحل هذا الاشكال التناقضي يحسمه (منهج) التفكير وليس تراتيبية التفكير لمن الاولوية في علاقته بالمادة.
فاين نضع أختلاف تجريد اللغة بينهما؟وهل هو موجود فعلا بضوء ما ذكرناه قبل أسطرفي موضعة اللغة للاشياء؟
بالنسبة لفلاسفة المثالية الذين يجدون كل فهمنا للعالم موجود بالذهن فقط, وما لا يدركه العقل حسيا لا تستطيع اللغة التعبير عنه في ملازمة الفكر واللغة للعقل . هؤلاء أعتبروا الموضوع المادي هو لغة تعبير العقل عنه, وخارج تجريد اللغة لا توجد مواضيع يمكننا ادراكها ولا فهمها. ولم يميزوا بين الوجود المادي لشيء لا يكون بالضرورة هو الشيء ذاته المدرك عقليا وتستطيع اللغة التعبيرعنه.
بعبارة أكثر وضوحا المادة شيء واللغة شيء آخرحتى وأن أجتمعا في علاقة جدلية عقلية واحدة لا تنفصل في الادراك والتعبير.كما وهو الاهم (منهج) التفكير العقلي في ادراكه الاشياء هو الذي يخلع على الموضوع نوعية ذلك الادراك مثاليا أم ماديا. الشيء المدرك موضوعيا لا ينتج منهج التفكير به , بل العقل هو الذي يتناول مدركاته بلغة ممنهجة مادية كانت أم مثالية.
فاذا كان وجود الاشياء المستقل خاصيته وجوده بالعالم الخارجي, فأن اللغة لا تنوب عن هذه الموجودات الا في التعبير التجريدي عنها. وما لا تطاله اللغة بالتعبير من موجودات فهي موجودة باستقلالية عن ادراكها أو عدم ادراكها كما هي مستقلة وجودا سواء عبّرت عنها اللغة أم لم تعبّر عنها.
لذا فالمثاليون لا يقرّون تموضع اللغة داخل المدركات الخارجية بل يؤكدون تموضع اللغة داخل الذهن الانساني فقط وليس خارجه في الاشياء التي يدركها العقل. كذلك نجد الماديون لا يعترفون بموضعة اللغة خارج مدركات العقل المادية على أعتبار تلك المدركات سابقة على اللغة, ولا يمكن أن تكون موضعة اللغة لها تشكل جزءا غير تجريدي منها وفي فهمها.
الحقيقة الملتبسة بين المنظرّين الباحثين كلاهما أنهم يتجاهلون حقيقة موضعة اللغة في الاشياء لا يفقدها تجريدها بل يدعمه, وهم ايضا لا يفرقون بين المادة واللغة في علاقة الادراك العقلي التجريدية بينهما باختلافها عن علاقة المادة باللغة في تموضعها التعبيري الكامن بها والذي يمكننا أدراكه بتجريد اللغة ايضا. كذلك لا يقرّون أن اللغة ليست خاصية العقل وحده بل هي خاصية كل مدركاته من الاشياء والمواضيع.
نؤكد هنا أن اللغة خاصية انسانية تنتج عن ملكة التفكير الذهني, وتفقد اللغة هذه الخاصية النوعية عندما نجدها أنها تموضعت في الاشياء جزءا غير منفصل عنها. كل موجود مادي هو تصور لغوي بحيث لا يفقد الموجود استقلاليته ولا تفقد اللغة تجريدها المتمايز عن موضوعها. ونحن لا نستطيع ادراك الشيء دونما التفكير به ذهنيا وفهم صياغة التعبير عنه تجريدا لغويا. فتكون اللغة بهذه الحالة خاصية العقل كما هي خاصية الموضوع المدرك المتموضعة اللغة فيه. ونحن عندما ندرك تلك الموجودات بلغة التجريد فأنما ندركها كموضوع مادي أوخيالي مستقل بنفس أهمية أدراكها لغة تجريدية متموضعة في الاشياء المدركة.

علي محمد اليوسف /الموصل

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق