ثقافة المقال

“الثقافة العالمة” بين هجرة الأدمغة.. والهجرة داخل الأدمغة

رضى حليم*

“إن العالم العربي والإسلامي بصفة عامة يعيش أزمة كبرى تكمن في عدم وجود رؤيا للمستقبل، مما يجعل مجتمعاته تسير وتنمو على الصدفة وعلى العفوية، وبدون نموذج اجتماعي أو تنموي قادر على تغطية 15 أو 20 سنة مقبلة، وهو ما يؤدي عكسيا إلى الاستسلام إلى نماذج التنمية الأجنبية والغربية، وبالتالي إلى تقييد حرية الشعوب في تسيير ذاتها، والحد من حقوقها الديموقراطية”. المهدي المنجرة.
إنّ عماد أي تحول ديموقراطي في الألفية الثالثة؛ رهين بوجود “ثقافة عالمة”، مستقلة فكريا، حاضرة لا مختبئة، تشكل بنية وأساس أي تحول ديموقراطي، تبقى متشبثة بكافة أفكارها “النضالية. ليس لديها ما فوق النقد، ذهنها مفتوح على النهايات كيفما كانت. في عصر اشتد فيه قلق الروح، وساورتها الشكوك، وتعجبت مما كانت نألف، وأعادت النظر فيما كانت تسلك. ف”الثقافة العالمة” في الأصل، هي مجموعة من الأجزاء والذرات التي تشكل وطنا من الأوطان. والاختلاف جعل لكل منها أصل وتاريخ وهوية وروح؛ تجعلها لا تنفك عن الارتباط بها، وتقييمها وتقويمها والدفاع عنها. والثقافة العالمة لا تتساءل فقط عن حاضر الإنسان، بل كيف سيكون مستقبل الانسان؟
إنّ سُبات واختباء الثقافة العالمة في برجها العاجي، يجعل العامة، فريسة سهلة لكافة أنواع وأساليب فنون الإقناع الحديثة والمعاصرة، التي تصنع رأي عام معين، وتروض العقل على “القابلية للتصديق”، وتلقي الرسائل بشحنة انفعالية دون فحص واختبار؛ في تقوم على أساس تهييج الاعتقاد والرغبة والمشاعر، نتيجة التأثير الغير العقلاني واللامنطقي على معتقداتها وأفعالها وأحلامها ومخاوفها. فترى أغلبها لا يتساءلون لماذا يجب علينا أن نفعل ذلك أو لا نفعله؟ ولماذا يجب علينا أن نعتقد في ذاك أولا نعتقد فيه؟ والدور الذي تمارسه “الثقافة العالمة” يحول دون ذلك، فهي تحافظ على التوازنات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية داخل الأوطان. وكذلك في ظل العالم الرقمي المعولم، فهي تساعد على احتمال نتائج التقدم، والتعويض عن أضراره. في واقع يتميز بالدور الفاعل للتكنولوجيات المتقدمة، في ميادين التقنية والإعلاميات وعلوم الاتصال، والذكاء الصناعي، وعلوم الفضاء… وكذلك سرعة حركة التاريخ؛ إذ المعرفة والأفكار تتضاعف اليوم كل سنة. وفي كل دقيقة يصدر مقال علمي في جهة ما من العالم…بالإضافة إلى تضايق الزمان والمكان؛ من خلال الانفجار المعرفي في مجال الاتصالات والمواصلات، الذي ساهم في تقارب الأمكنة، وتقليص المسافات.
إنّ اختباء “الثقافة العالمة” في برجها العاجي، يجعل العامة تفتقد لحزمة من الأساليب “الأسلحة” التي تجعلها قادرة على استقبال الادّعاءات والحجج في وعاء مفكر فيه، وتمتلك حزمة من الأسئلة النقدية، تنسف بها الادّعاءات والحجج المختلفة، التي تتحكم في توجهات وسلوكيات الأفراد داخل المجتمعات.
يقسم المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة التاريخ المعاصر إلى ثلاث مراحل، المرحلة الاستعمارية والتي عشناها إلى حدود الخمسينات أو الستينات، وهي مرحلة واضحة في طبيعتها، إذ يكفي أن تخرج للشارع لتعرف أعدائك.
والمرحلة الثانية من مرحلة شبه الاستعمار، وتمتد من بدايات الستينات إلى 2 أغسطس 1990، لأنه برحيل الاستعمار، على حد قول المنجرة: “ترك لنا قبل ذهابه هياكل غير قادرة على مسايرة التطورات المتسارعة مما أثر على تعطيل نمو مجتمعاتنا، وبالخصوص ترك لنا طبقة مثقفة بعيدة عن جذور المجتمع وقاعدته العريضة، تسببت في قطع الاتصال الطبيعي الذي كان ما بين الحركات التحريرية الشعبية وبين الشعوب، وفي مقابل ذلك نجد عددا كبيرا من هؤلاء المثقفين مشدودين إلى تقليد الغرب وترديد قيمه وترويجها بوعي أو بدونه، كما نجد جزءا آخر منهم يجتذب نحو مؤسسة السلطة ليصبح تقنيا لها وعاملا في إدارتها ومخططا لبرامجها ذات الاتجاهات المعاكسة لرغبة أغلبية السكان في التغيير. ولكن تجد رغم كل هذا تعاليا لا مثيل له عند هؤلاء المثقفين يعتبرون فيه أنفسهم النخبة العارفة والطريق المنير الذي بدونه لن تستطيع أغلبية السكان عمل أي شيء لتغيير أوضاعها السيئة، وينسى عدد من هؤلاء المثقفين حسب تعبير المهدي المنجرة -أنهم كانوا يتجولون داخل فنادق وصالونات الغرب حين كان الشعب إلى جانب وطنييه المخلصين يخاطرون بحياتهم داخل القرى والبوادي والمدن لمناهضة الاستعمار”.
فبقدر ما يمتلك الوطن “ثقافة عالمة” حاضرة ومساهمة في التأسيس للواقع المعاش، وتدبير الشيء العمومي؛ بقدر ما يجعل الأجيال الصاعدة تستعيد الثقة في ذاتها وفكرها وعقلها وخيالها وأفعالها ومسؤوليتها نحو وطنها. بقدر ما تصبح الثقافة العالمة والواقع سيّان. إنه أساس صلب؛ يتشكل، لبنة لبنة، لا مجال فيه للتراجع، وإذا تمّ حذف لبنة واحدة، انهار المشروع المجتمعي، أو أقل ّأضراره، سيتراجع مائة خطوة للوراء.
وإذا تراجعت الأمة مائة خطوة للوراء، انتكس الواقع، وتنامت ظاهرة هجرة الكفاءات إلى الخارج، وأمام تنامي هجرة الكفاءات إلى الخارج؛ نصبح أمام هجرتين مزدوجتين من منظور المفكر المغربي المهدي المنجرة، هما: الهجرة إلى الخارج..وهجرة إلى الداخل، فالهجرة على حد تعبيره أنواع: “لنا هجرة إلى الخارج، ونحسبها بالجوازات والتأشيرات..ولنا أيضا هجرة داخلية. فحتى الأدمغة التي لم تذهب إلى الخارج، تهجر داخليا. فهناك إذن هجرة الأدمغة..والهجرة داخل الأدمغة..فعندنا عدد من المثقفين الذين بقوا في بلدانهم. لهم هجرة داخل أدمغتهم..وكم من مثقف يقول إن آخر كتاب قرأته منذ ثلاثة أو أربعة شهور. هذا يؤسف له حقا..وإذن عندنا هجرة إلى الخارج، وهجرة داخلية، وهي أن الكفاءة موجودة ويجب أن تبقى في بلدها وتحارب العراقيل الموجودة وهي مهمشة. وهناك أشخاص لهم أدمغة ومعرفة، وهم الآن في موقع المسؤولية، ولا يستغل، هذه المعرفة بل أكثر من ذلك يضيعون المعرفة”.
وهناك نوع آخر من هجرة الأدمغة، يضيف المهدي المنجرة، وهو أن “بعض المثقفين بقوا في بلدانهم وأصبحوا وكأنهم جاءوا من بلاد أخرى..هذا مواطن من بلادك ولكن كأنه جاء من الخارج ليشتغل معك..هذا نوع من الهجرة.. لأن هذا هاجر قيمه..هاجر مناخه ..صار عنصرا لحضارة وثقافة أخرى وهو معك يقول لك أنا منك..”
فثمة هناك علاقة جوهرية بين وجود “الثقافة العالمة” والواقع المعاش، ويمكن استجلاء ذلك من مختلف التحولات التاريخية التي عرفها العالم والإنسان، وقيام حضارات وامبراطوريات متقدمة في جميع المجالات. وكما أنه لا يمكن أن يصير أي تحول اجتماعي ديموقراطي ناجح، إلا إذا تشبثت “الثقافة العالمة” بالوطن – تلك التي تحترم الخصوصيات والتنوع العرقي والمذهبي والثقافي، متشبعة بروح الاختلاف والحوار والتسامح، وخصوصا في ظل وجود مجتمعات مختلفة ذات معتقدات أخلاقية وسياسية أو دينية متعارضة أو متناقضة، هي شروط تعتبر من المبادئ الأساسية لبناء المجتمع المدني الديموقراطي، بداية من “الأسرة” (الخلية الصغرى في المجتمع)، مرورا بالمدرسة، والانخراط في مؤسسات الدولة، وانتهاء بتدبير الشيء المشترك، أو الوصول إلى نظام الحكم والتسيير.
المراجع والمصادر المعتمدة في المقالة:
1. بويل تيرسي وكمب جاي، “التفكير النقدي، دليل مختصر”، ترجمة: عصام زكريا جميل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط: 1، 2015.
2. جيل جاستون جارانجي، “العقل”، ترجمة: محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، صفاقس، ط: 1، 2004.
3. عمرو صالح يس، “التفكير النقدي، مدخل في طبيعة المحاجّة وأنواعها”، تقديم: حاسم سلطان، الشبكة العربية للأبحاث والدراسات، بيروت، ط: 1، 2015.
4. المهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، مكتبة الشروق، الطبعة السابعة، 2 ش البورصة الجديدة – النيل – مصر، دت.
5. Moore noel Brooke, & Paker Richard, “critical thinking”, California state university, new York Chico, McGraw-Hill, new York , 9th edition, 2009.

*باحث من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق