قراءات ودراسات

الشعر فى عصر المماليك والاشتباك بالواقع

بقلم / محمد على عزب

الاشتباك بالواقع سمة رئيسية من سمات الشعر فى العصر المملوكى، ويمكن ملاحظة ذلك من كثرة تردد الاٍشارات النصية لمرجعيات الواقع فى إبداعات شعراء ذلك العصر، الذين اتجهوا اٍلى معالجة قضايا الواقع المعيش وتمثيلها شعريا، وذلك عبر تقديم صور فنية متخيّلة / واقع فنى، صاغته اللغة الشعرية التى تبدو بسيطة، ولكنها بعيدة عن السطحية والتقريرية، ولديها القدرة على الالتصاق بأحاسيس ورؤية الشاعر، واستحضار العالم الذى يشير اٍليه النص الشعرى، عبر ألوان البديع التى تحسن من خواص الكلام، وتجعله طريفا، فى الوصف والتشخيص والتخييل والمفارقات المعنوية والتصويرية، ويحدّد الشاعر ملامح تلك الصور الفنية المتخيلة/ الواقع الفنى وفقا لرؤيته الذاتية ويلونه بوجهة نظره وموقفه الخاص من قضايا عصره. وقد كان كشف الشعراء وتعريتهم للواقع  تارة عبر الشكوى ، وتارة عبر السخرية والتهكّم ، أو بالمزج بين الشكوى والسخرية موقفا شعريا ، اتخذه شعراء العصر المملوكى لمواجهة  ضغوط الواقع المعيش وما تسببه لهم من معاناة ومكابدات ، سواءً على المستوى الخاص أو والحياة الشخصية للشاعر ، أو على المستوى العام السياسى  والاجتماعى  .

أولا ـ  مكابدات الذات الشاعرة  بين الشكوى والسخرية

استحضر شعراء العصر المملوكى فى أشعارهم همومهم ومكابداتهم الذاتية ، من بؤس الحياة وسوء الحظ ، والفقر وضيق الحال ، والمرض وما شابه ذلك ، وقد تعددت طرائق تعبير هولاء الشعراء وتمثيلهم الفنى  لتلك المكابدات فى اٍنتاجهم الشعرى، فأحيانا كان الشاعر الشاكى  يتوسل بنبرة الصوت الحادة الجهيرة لعرض واٍبراز معاناته وهمّه الذاتى كما فى قول جمال الدين بن نباتة :
مولاى إن الحالَ  قد وصلت إلى     سطرين من بيتين قد ضمّنتُها
لم   يبقَ عندى ما يباع  بدرهم      اٍلاّ بقية ماء   وجهٍ  صُنتُها )1
انعكس البؤس والفقر المادى الذى ألمَّ بالشاعر فى هذين البيتين على حالته النفسية وإنتاجه الشعرى ، ليصبح البؤس ماديا ومعنويا ، فقد وصل الحال بالشاعر الذى لم يبق عنده ما يباع بدرهم سوى بقية ماء وجهه التى صانها ، إلى أنه لا يستطيع أن يكتب بيتين من الشعر إلاّ وضمّن فيهما سطرين من شعر الآخرين .
ومثال آخر لذلك فى قول ابن دقيق العيد :
لعمرى قد    قاسيت   بالفقر شدةً     وقفتُ بها     فى حيرة وشتاتِ
فاٍن بُحتُ بالشكوى هتكت مرؤتى     واٍن لم أبُحْ  بالصبر خفت مماتى
وأعظِم  به من نازلٍ  فى   ملمةٍ       يزيلُ  حيائى  أو يزيلُ  حياتى )2
فى البيت الأول تعلو نبرة صوت الشاعر فى إظهار معاناته من الفقر الذى أوقعه فى الحيرة والشتات ، وتظلّ نبرة صوت الشاعر  كذلك فى البيتين: الثانى ، والثالث ، رغم أنه فى البيت الثانى يبدو مترددا بين البوح وعدم البوح إلآّ أنه بالفعل قد عرض شكواه ، وذلك التردد بين الشئ وعكسه كان وسيلة  لإبراز حالة التوتر التى تسيطر على ذات الشاعر ، الذى تمنى فى آخر الأمر أن تزول حيائه ، لكى لا يشكو من فقره وعوزه وحاجته للمساعدة ، كى يستطيع أن يعيش ، أو تزول حياته ليستريح من همه  .
وعن سوء الحظ قال السراج الوراق :
الباء والخاء من بختى قد  اقترنا     بالباء والخاء من  بخل لاٍنسانِ
واللام والتاء من هذا  ذاك هما       لَتُّ المسائلِ عن أسباب حرمانى )3
ربط الشاعر هنا بشكل طريف بين بخته / حظه العاثر وبين بخل الإنسان على أخيه الاٍنسان ، وذلك عبر تفكيك حروف كلمتىّ “بخت” ، و”بخل”، وأشار اٍلى اتفاقهما فى حرفىّ الباء والخاء ، وجمع بين الحرفين الأخيرين المختلفين ، ليضيف إليهما كلمة
” لت ” وهى الحديث غير المُجدى ، ليصبح الشاعر محاصرا بين ثلاثة هموم تعتصر ذاته  .
وعن سوء حال الشاعر بين الناس آنذاك قال السراج الورّاق :
وما معنى سؤالك عن مُعنّى       له  حال   يذوب   ولا يثوبُ
يصونُ أديمَ وجهٍ عن   أناسِ      لقاءُ الموتِ  عندهم  الأديبُ
ورُبّ الشعر عندهمُ   بغيضٌ       ولو وافى بهِ  لهمُ  حبيبُ  )4

أشار السراج الوراق هنا لسائله عن حاله إلى عدم وجود معنى أو جدوى لهذا السؤال ، وتحمل تلك الاِشارة فى طياتها نوعا من الاستنكار ، حيث إن حال الشاعر المعذّب معروف ولا يحتاج لسؤال ،  فقد أصبح لقاء الشاعر عند الناس شبيها بلقاء الموت ، وربما يبغضون الشعر ، حتى لو أتى لهم به  “حبيب” ، وقد استخدم الشاعر التوجيه البلاغى الذى يختلف عن التورية ، فى أنه يكون باللفظ المصطلح عليه والأسماء التاريخية ، حيث إن كلمة “حبيب” لها معنيان ليس بينهما اشتراك مجازى أو حقيقى ، فالمعنى المباشر هو المحبوب والقريب والمعنى البعيد المراد هو اسم الشاعر العربى الشهير حبيب بن أوس الطائى المعروف بأبى تمَّام  .
وأحيانا كانت شكوى الشاعر من بؤس حاله ومعاناته تأتى ممزوجه بالزهد والتوجه اٍلى الله ، أو مغلّفة بالحكمة أو الحسّ الصوفى ، كما فى قول  جمال الدين بن نباتة :
استغفر الله       لا مالى  ولا  ولدى     آسى عليه اِذا ضم  الثرى  جسدى
عِفْتُ الاٍقامة فى الدنيا لو انشرَحَتْ     حالى  فكيف وما حظّى سوى النكدِ
وقد صَدَئْتُ ولى تحت  التراب  جلا      اٍن   الترابَ   لجَلاّءٌ  لكل   صَدِى
لا عارَ فى أدبى  اٍن   لم ينلْ  رُتبا       وإنما العار فى دهرى وفى بلدى
هذا كلامى وذا   حظى  ويا   عجبا       منى لثروة لفظٍ  وافتقارِ يدِ )5

بدأ ابن نباته هذا النصّ بالاستغفار اٍلى الله ، والتأكيد على أنه لن يأسى لضياع مال أو ولد أو موته هو شخصيا ، ليعلن من البداية قناعته بقضاء الله ، وزهده فى تلك الدنيا الفانية، ثم مزج الشاعر بين الزهد والشكوى من سوء الحظ والنكد الذى لاحقه ، وجعله صدئا مثل المعادن ، وأن التراب الذى سيدفن بعد موته هو جلاّء لذلك الصدأ ، ثم انتقل الشاعر إلى أسلوب الجمع بين المتضادات عبر المقابلة ، التى تبرز مفارقات الواقع الذى عاشه الشاعر آنذاك  فى بلده ، فقد كان يمتلك ثروة لفظ ، تتمثل فى شعره ، وفى نفس الوقت يعانى من افتقار اليد وعدم قدرته على نيل ما تمناه .
مثال آخر فى قول ابن دقيق العيد :
أفكّر  فى    حالى   وقرب    مَنّيتى       وسيرى حثيثا فى مسيرى إلى القبرِ
فينشئ  لى فكرى  سحائبَ   للأسى       تسحُّ  همومًا  دونها   وابل   القَطُرِ
اٍلى الله  أشكو  من  وجودى  فإننى       تعبتُ به مذ كنتُ  فى   مبتدا  العُمْرِ
نروح   ونغدو    والمنايا    فجائعُ          تُكّدرهُ    والموتُ   خاتمة   الأمرِ ) 6

ربط الشاعر ابن دقيق العيد هنا بين النهايات وسير الحياة حثيثا نحو القبر ، عبر تأمله الذاتى لتجربته الحياتية / الروحية بطريقة المتصوفين ، فأنشأ له فكره وتأمله سحب الأسى التى تسحّ وابل الهموم ، ويتجه الشاعر بشكواه من وجوده  إلى الله ، ويربط بين البدايات والنهايات بشكل طريف ، فقد تعب الشاعر من وجوده منذ بداية عمره  .
وأحيانا كان شعراء العصر المملوكى يركزون فى قصائدهم التى يتناولون فيها معاناتهم الذاتية على إبراز وتصوير ملمح من ملامح تلك المعاناة كالبطالة ، أو الملابس الرثة ، أو كثرة العيال وعدم كفاية الدخل ، ومن أمثلة ذلك قول جمال بن الدين ، وهو يبحث عن عمل فى دمشق التى سافر اٍليها بعد أن ضاق به الحال فى مصر :
يا سائلى  بدمشق  عن   أحوالى    قف  واستمع عن  سيرة البطّالِ
ودع  استماع   تغزّلى   وتعشّقى    ما  ذا زمان  العشق   والأغزالِ
طولَ النهارِ  لباب ذا من باب  ذا      أسعى لعمر أبيك سعىّ     ظلالِ
لا حظّ  لى    فى   ذاك  اٍلاّ   أنهُ      قد خَفّ من طول المسيرِ طُحالى
أسعى على شغلٍ  وأتركَ   خلوةً     فأعود  لا    علمى  ولا  أعمالى
واِذا تغيّر موردٌ   وقصدت   لى      صحبا وجدت الصحبَ  مثل  الآلِ
هذا الزمان   ليس  فيه   خادما     تفضى الأمور به  سوى  مثقالى
أترى  الزمانُ   يعنينى   بولاية     أحمى بها  وجهى عن    التسآلِ
زحلٌ  يقارن  حاجتى وقد انحنى       ظهرى من الهم  انحناء  الدالِ )7

الشاعر هنا راوٍ ذاتى ، لم يعتمد على الصورة المجازية أو الوصفية فى تمثيل وعرض معاناته اليومية ، وهو يبحث عن عمل فى دمشق ، ولكنه اتكأ على الصورة السردية القائمة على حكائية السرد وتتابع الجمل الفعلية السردية ، التى تشير اٍلى الحركة وتحول الشاعر الراوى من حال إلى حال ، والتنامى  الدرامى للحدث المروى، وقد بدأ ابن نباتة قصيدته بتوجيه الخطاب اٍلى مروى له ظاهر/ شخص متخيل وعنصر من عناصر بنية السرد ، يمثل مرآة ينعكس عليها النصّ ، وقد أطلق ابن نباتة على معاناته تسمية” سيرة البطّال”، وهى تسمية يبدو فيها التهكم والسخرية ، فالسيرة تطلق على قصص الأبطال والفرسان ، ونبّه المروى له منذ البداية اٍلى أنه لن يسمعه قصيدة أو قصة فى الغزل والعشق؛ فليس هذا وقته ، فالبطّال ينتقل طوال النهار من باب هذا لباب ذاك ؛  يسعى فى طريقه سعىّ الظلال ، ويشير ذلك اٍلى شحوب الشاعر ورقة حاله ، فقد تحوّل اٍلى ظلّ متحرّك سريع التنقّل ، وبشكل تهكمى قال الشاعر الراوى بأن الفائدة الوحيدة التى حصل عليها من هذه المعاناة هى أن طُحاله قد خَفّ وزنه من طول السير ، ويتمنى الشاعر الراوى أن يحصل على وظيفه تقيه من ذل السؤال ، فكوكب زحل الذى يشير اٍلى سوء الحظ والنحس قد اقترن بحال الشاعر الذى انحنى ظهره وتقوس ، وأصبح مثل حرف الدال  .
وعن كثرة العيال وعدم كفاية الدخل قال البوصيرى فى قصيدة طويلة منها هذا الجزء :

يا  أيها  المولى الوزير  الذى     أيامهُ         طائعةٌ      أمرهْ
ومن  لهُ  منزلةٌ    فى   العلا      تَكِلُّ  عن   أوصافها  الفكرهْ
اٍليك     نشكو   حالنا    إننا       حاشاك من قومٍ  أولى عُسرهْ
فى قلةٍ   نحن   ولكن     لنا      عائلةً   فى  غاية     الكثرهْ
أحدث  المولى الحديث  الذى     جرى  لهم    بالخيطِ  والإبرهْ
صاموا مع  الناسِ   ولكنهم       كانوا   لمن   أبصرهم  عبرهْ
اٍن شربوا  فالبئر  زيرٌ  لهمْ       ما بَرِحَتْ  والشربةُ    الجرّهْ
لهم  من    الخُبّيز  مسلوقةٌ       فى  كل  يومٍ   تشبه  النشرهْ
أقول مهما اجتمعوا  حولها        تمتعوا   بالماء   والخُضرهْ
وأقبل   العيد   وما  عندهم      قمحٌ   ولا خبزٌ     ولا    فطْرهْ
فارحمهمُ   اٍن عاينوا كعكةً       فى  يد    طفلٍ  أو رأوا  تمرهْ
تشخص أبصارهم    نحوها      بشهقة      تتبعها        زَفرهْ
كم قائل   لى   يا أبا  منهمْ        قطعت عنا الخيرَ   فى   كّرّهْ
ما صرت تأتينا بفلسِ  ولا        بدرهمٍ    ورق   ولا    نُقْرهْ
وأنت فى خدمة قومٍ  فهل       تخدمهم   يا    أبتِ     سُخْرَهْ  )8

يتضح من أجواء القصيدة أنها شكوى ومظلمة ، يرفعها للوزير موظف حكومى دخله لا يكفى متطلبات أسرته كثيرة العدد،  فالبوصيرى قضى فترة من حياتية موظفا حكوميا ، ( كان يعانى صناعة الكتابة والتصرّف ، وباشر ذلك ببلبيس )9 ، وقد اعتمد البوصيرى فى بناء هذا النصّ الشعرى على انتقاء واختيار التفاصيل والمشاهد الموحية المؤثرة من واقعه المعيش ، وربط بينها عبر السرد الحكائى القائم على بؤرة الحدث والزمان واالمكان ، وقد كان السرد آداة محورية هامة فى نقل صورة القصيدة الكلية للمتلقى ، فالشاعر هنا كان راويا يستخدم أليات الحكى الشعبى، وظّف فى سرده الشعرى المثل الشعبى” بالخيط والاٍبرة”، ويُستخدم هذا المثل عند ينوى شخص ما أن يحكى قصته بالتفصيل ، كما استحضر الشاعر ملامح البيئة الشعبية المصرية ، ومظاهر حياة الفقراء آنذاك ، فعائلته يصومون مع الناس فى رمضان لكنهم يفطرون كل يوم بالخبيز المسلوقة ، وكأن ذلك منشور رسميا كُتب عليهم أن ينفذوه يوميا ، ويلوّن الأب المكلوم صوته بالسخرية السوداء من ذلك فيقول لهم “تمتعوا بالماء والخُضرة” ، وبعد الطعام  يشربون من البئر لأنهم لا يمتلكون زيرا ولا جرّة ، ويستحضر الشاعر عبر الوصف المقرون بالحركة مشهدا فى غاية التأثير ، يصف فيه عياله إذا أقبل العيد ، وهم ليس لديهم قمح ولا خبز ولا فطرة ، وإن عاينوا كعكة أو تمرة فى يد طفل تشخص أبصارهم نحوها ، ويشهقون شهقة ، تتبعها زفرة ألم وحرمان فى يوم عيد يفرح فيه الصغار ، وكما استحضر الشاعر صورة أبنائه فى المشهد استحضر صوت أحدهم فى المشهد التالى ، حيث جاءت الشكوى من قلة الدخل وعدم كفايته على لسان طفل يسأل أباه عن إفلاسه وفقره ، وهل هو يعمل لدى الحكومة بنظام السخرة دون مقابل ؟ وكانت الشكوى بذلك أكثر تأثيرا ، فتعبير الأطفال عن حرمانهم دائما ما يكون أكثر إيلاما وتأثيرا على من تُوجه له الشكوى وعلى كل من يسمعها .
وعن الملابس الرثة المتهالكة كأحد مظاهر الحياة البائسة التى يعيشها الشاعر كتب الجزّار عدة قصائد ومقاطيع مشبعة بالسخرية والتهكم ، ومن أمثلة ذلك  وقد بعث له بعض الرؤساء نصفية / رداء نصفى :
أشكر       مولانا      ونصفيتى       تشكره  أكثر   من   شكرى
أراحها   جدواهُ   من   كل    ما       تشكوه من    دقِّ    وعصرِ
كم  مرةََ  كادت  مع  الماءِ   إذْ        يغسلها     غسّالها   تجرى
تموت فى الماجورِ  لولا  النشا      يبعثها    فى   ساعة  النشرِ
أراحها الدهرِ  وطوبى  لمن       يريحهُ  فى  آخر  العمرِ )10
عبر التهكم والسخرية والتشخيص والتورية عرض الجزّار حال نصفيته القديمة المتهالكة ، التى تمثل ملمحا من ملامح بؤسه وفقره ، وأبلغ من أهدى له نصفية جديدة أن نصفيته القديمة تشكره أكثر من شكر له ، فقد أراحها من معاناة الغسيل والدقّ والعصر المتكرر ، حتى كادت أن تذوب وتسير مع الماء حيث يسير ، وكادت تموت فى ماجور الغيسل  لولا أن النِّشا يبعثها فى ساعة النشر ، وقد استخدم الجزّار التورية المهيئة فى البيت الرابع ، حيث  إن كلمة “النشر” لها معنيان المعنى القريب المورى به هو نشر الملابس بعد غسيلها والمعنى البعيد المورَّى عنه هو بعث الاٍنسان وإحيائه بعد وفاته ، واللفظ المهيئ للتورية هو ” تموت ” ، وقد عملت التورية على توسيع مساحة السخرية الدالة على حال تلك النصفية المتهرئة البائسة ، التى أراحها الدهر من معاناتها فى آواخر عمرها ، الذى لازمت فيه الجزّار ، وانعكس عليها بؤسه وفقره .

ثانيا ـ  الشعر  والنقد  السياسى

مديح الملوك والأمراء والولاة ظاهرة عرفها  الشعر العربى  منذ عصر الدولة الأموية ، واٍن كان الشاعر قد استفاد من عطايا وهبات الممدوح ، فإن الممدوح هو الآخر كان يستفيد من ترديد الشعراء لاسمه ، وخلعهم عليه صفات النبل والبطولة والعدل فى قصائدهم ، التى كانت تقوم بدور الدعاية الاٍعلامية لمناقب ذوى السلطة بين محكوميهم، وعن هذا النوع من المديح قال أبو الحسين الجزّار :
كذبت  فى  نظم  مديحى  لكم         والكِذْبُ  لا يُنكَرُ من  شاعرِ
واحتجت  أن  أذكركم  خيفةً          بالخيرِ  للواردِ     والصادرِ
فأنتمُ     ألجأتمونى      إلى          كذبىَ  فى الأوّلِ    والآخِرِ )11
اعترف الشاعر بأنه كان يكذب فى نظم مديحه لذوى السلطة ووضّح أن الكذب فى هذا النوع من الشعر لا ينكر على الشعراء، فذوى السلطة هم من يجعلون الشاعر يلجأ إلى ذلك ؛ خيفة منهم وطمعا فى عطاياهم ، ووفقا لتلك الرؤية فاٍن الجزّار هنا يؤكد على أن الممدوح مشارك رئيسي للشاعر ، بل ومحرّض  له على صناعة الكذب  .
ولم يكن مديح الشعراء لذوى السلطة فى الشعر العربى بمختلف عصوره كله كذبا من أجل نيل عطايا الممدوح ، فقد كان هناك مديح مستحقّ ، وكان شعراء العصر المملوكى يمتدحون الحكام والملوك عندما يرضى عنهم الشعب الذى ينتمى اٍليه الشاعر ويعبر عن نبضه فى القصائد التى تشيد بإنجازات هؤلاء الحكّام مثل إنشاء مبنى خدمى يستفيد منه الشعب ، كما فى قول الجزّار بمناسبة افتتاح المدرسة الظاهرية ، التى أنشأها الظاهر بيبرس البندقدارى :
ألا  هكذا  يبنى   المدارسُ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق