ثقافة المقال

الصحافة الغربية: التذبذبُ بين «شَرِّ» القرار و«جَرِّ» اللاقرار!

آصال أبسال*

منذ أن أثار تعليقُ أعمال البرلمان البريطاني من طرف المَزْهُوِّ بوريس جونسون /الذي شاءت الأقدار «الانتخابية»، في الأخير، أن يكون رئيس وزراء بريطانيا «العظمى» بكليَّتها، وبصرف النظر عن كيفية و/أو عن كمية الأقدار «الانتخابية» تلك/.. منذ أن أثار التعليقُ ذلك الشعورَ اللافت بالإيجاس والاغتياظ في كافة الأوساط المعارضة وشبه المعارضة من اليسار واليمين وما بينهما.. ومنذ أن نشرت الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى في هذه الدولة بالإجماع خبرَ المقصود من هذا التعليق الذي يشير، على وجه التحديد، إلى منع مجلس النواب من التأثير على قرار «إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» Brexit دونما أي اتفاق في اليوم الأخير من شهر تشرين الأول (أوكتوبر) من العام الفائت 2019.. منذ ذلك الحين كله، أخذت تبرز بازدياد ملحوظ ردود الأفعال التي تدين وتندِّد بكل من هكذا تعليق فردي وهكذا قرار أكثر فردية، أخذت تبرز في تلك الأوساط المعارضة وشبه المعارضة وما تلاها وما سيتلوها، على الصعيد الشعبي كذلك، من مظاهرات احتجاجية في طول البلاد وعرضها – ناهيك عن ذلك التوعُّك الاقتصادي الذي حلَّ حلولا نتيجةً للانخفاض السريع في قيمة الجنيه الإسترليني من جرَّاء ذلك، حتى قبل أن يفعلَ الاجتياحُ «الكوروني» فعلَه في هكذا توعُّكٍ اقتصادي، بدوره هو الآخر..

أقول إن التعليقَ المعنيَّ فرديٌّ وإن القرارَ المعنيَّ أكثرُ فردية، بمعنى أنهما صادران عن مزهوٍّ مختالٍ، كمثل بوريس جونسون، يظن أنه يحكم البلاد حكما أوتوقراطيا /أي حكما فرديا مطلقا/، الأمر الذي أدَّى به حتى إلى التصريح الحماسي بعبارته الإنكليزية القتالية الشهيرة بأنه «سوف يقاتل حتى الموت» He would die in a ditch، من أجل تنفيذ القرار المعني تماما في موعده المحدَّد، لا أنه «(سوف) يفضل الموت داخل حفرة»، كما تترجم حرفيا عن جهل مطبق أغلبيةُ المشهورات من الصحف العربية، وفي مقدمتها صحيفة «القدس العربي» كعادتها في هذين الترقيع والتشنيع اللغويَّيْن، في المقام الأول.. /يُنظر: على سبيل المثال، التقرير الصحفي المترجَم ترجمةً بدائيةً يندى لها الجبين، «جونسون يفضل «الموت داخل حفرة» على طلب إرجاء بريكست ويصر على انتخابات مبكرة»، من إصدار «القدس العربي»، يوم 5 أيلول (سبتمبر) 2019/.. وهكذا، لم يفتأ ذلك المزهوُّ المختال يعيد ويكرر هكذا تصريحا حماسيا، بالإضافة إلى مشتقاته، على الملأ الأدنى والملأ الأعلى لكي يعكس عن نفسيته صورة وانطباعا لا مراءَ فيهما، ولم يفتأ من ثمَّ يتردَّد بين إرجاء القرار وعدم إرجاء هذا القرار حينا، ويتذبذب حتى بين تفعيل «شَرِّ» القرار ذاته وبين تثبيت نقيضه، «جَرِّ» اللاقرار، أحيانا كثيرة.. حتى أن العبارة الأدبية الروائية المعبِّرة «انقلابٌ بريطانيٌّ قُحٌّ»، وهي العبارة التي تشير إلى عنوان «رواية» الكاتب السياسي (اليساري) البريطاني كريستوفر جون مَلِن A Very British Coup، تلك الرواية التي تدور أحداثها حول سعيٍ انقلابي دَوْلي يرتِّب له بضعة من أعضاء حزب العمال (اليساري) من أجل إقصاء رئيس الحكومة العمالية هاري بيركينز على الرغم من فوزه في الانتخابات الشعبية بأغلبية ساحقة، حتى أن هذه العبارة الأدبية الروائية باتت مثلا مأثورا يُضرب بالمرار والتكرار للإيحاء إلى أي مسعىً غايتُه الأولى والأخيرةُ هي الالتفافُ الواعي حول قانون الإرادة الشعبية بالخديعة والمكر السافرَيْن.. /وبالمناسبة، هنا أيضا، يتجشَّم الكاتب الصحافي التونسي «القدساوي» مالك التريكي، بدوره هو الآخر، عناءَ الترجمة الحرفية لهذه العبارة الروائية عن جهل مطبق، كذلك، هكذا: «محاولة انقلاب بريطانية جدا»، من إصدار «القدس العربي»، يوم 30 آب (أغسطس) 2019/.. وسواء أفلح أم لم يفلحْ في أي من مساعيه تجاه القرار المُختار أو حتى نقيضه اللاقرار، فإن ذلك المزهوَّ المختال بوريس جونسون لن يستطيع، أمامَ عُرامِ إرادةٍ شعبية واقفة له بالمرصاد على الدوام، من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ، لن يستطيع أن يقوِّض ما يوحي بشيء من «الديمقراطية الحقيقية» في دولةٍ كمثل بريطانيا، رغمَ كلِّ ذلك /على الأقلِّ، مقارنةً بانعدام هذه «الديمقراطية» المطلق في بلداننا المنكوبة شرقا وغربا، حيثُ أشكالُ الاستبدادِ التعسُّفي والطغيان الهمجي والظلم الاجتماعي إنما هي في أحقر ما توصلت إليه من أشكالٍ في التاريخ البشري قاطبةً/.. وحده العنصريُّ المزهوُّ المختال الآخر دونالد ترامب، يعلن متحمِّسا، من وراء البحار بـ«شعبويته الفاشية المقيتة» Abhorrent Fascist Populism، يعلن دعمَه الشخصيَّ دون قيدٍ أو شرط لهذا «المسعى العظيم» الذي يُقدم عليه هذا «الرجل العظيم» الذي كانت «بريطانيا العظمى» برمَّتها تنتظره طويلا طويلا على أحرَّ من جَمْرِ الغَضَى..

وفي الأخير ها هنا، وليس في الآخر، ومع الأخذ بالحُسْبان حساسيةَ الوضع الخاصِّ جدا لإيرلندا الشمالية /بوصفها جزءا مستعمَرا من هذه الـ«بريطانيا العظمى» وعضوا فاعلا في الاتحاد الأوروبي في الآن ذاته، وخاصَّةً كذاك بحكم تلك «الحدود» المرسومة رسما استعماريًّا بينها وبين شقيقتها، إيرلندا الجنوبية/.. فإن التذبذبَ بين تفعيلِ «شَرِّ» معنيِّ القرار وبين تثبيتِ نقيضه، «جَرِّ» معنيِّ اللاقرار، لم يزل قائما بين مؤيِّد من اليمين ومعارض من اليسار وممتعض من كل منهما على الصعيد الداخلي /في بريطانيا، خصوصا/، من جهة أولى، وبين مندهشٍ ومتهكِّم ومتذمِّر وإلى حد القرف والاشمئزاز على الصعيد الخارجي/في الاتحاد الأوروبي، عموما/، من جهة أخرى.. ولم يزل، في غمرة هذا التذبذبِ بالذات، جمهورٌ من المتشكِّكين والمتوجِّسين /وعلى الأخصِّ أولئك المحسوبين على اليسار منهم/، لم يزل هكذا جمهورٌ يظنُّ ظنا إلى حدِّ اليقين، أو يكادُ، بأن خروجا فجائيا من هذا النوع في زمن ليس بالاعتيادي، ولا ريب فيه، سوف يؤثِّر تأثيرا سلبيا، لا بل كارثيا، على كلٍّ من الاقتصاد البريطاني والاقتصاد الأوروبي – إن لم يكن مؤثِّرا كذاك على اقتصادات كثيرة أخرى لا تقلُّ أهميةً في أجزاءٍ متفرِّقة من هذا العالم..

بيد أن الشيءَ الوحيد الذي لا يرقى إليه أيُّ تشكُّك أو أيُّ توجُّس، في هذا السياق /سواء كان قبل أم بعد الاجتياح «الكوروني» في حدِّ ذاته/، إنما هو كونُ النظامِ البريطاني، حكومةً ومملكةً /وبوعيٍ كاملٍ من كلٍّ منهما/، إنما هو كونُه النظامَ الأكثرَ عنصريةً والأكثرَ عنفا والأكثر غرورا وعنجهيةً في التاريخ البشري بكلِّيَّته، وبلا منازع.. حتى عندما كانت الأمور الاقتصادية بين دولة بريطانيا وبين بقية دول الاتحاد الأوروبي تسير على ما يرام /حتى قبل الاجتياح «الكوروني» بالذات/، كان يعزُّ على الأولى /أي دولة بريطانيا/ كثيرا وكان يحزُّ في نفسها أكثر أن تغيِّر عملتها «الجنيه الإسترليني الإمبريالي» إلى عملته «اليورو اللاإمبريالي»، في هذه الحال، لمجرَّد أن تصويراتِ أيٍّ من رموزِ «الإمبراطورية البريطانية» لن تظهر على العملة الأخيرة مثلما تظهر، حاليا، على العملة الأولى.. وحتى هذه الشكلياتُ الصورية المحضة بالذات إنما هي من الأهمية بمكان بالنسبة لدولة إمبريالية واستعمارية، كمثل بريطانيا، دولةٍ ما زالت تعتقد كلَّ الاعتقاد بإيمانٍ خفيٍّ بأنها «قائدة العالم» بأسره، شاءت أخرياتُ الدول «العظمى» الكبيرة والصغيرة وما بينهما أم أبت!!..

***

آصال أبسال
كوبنهاغن، الدنمارك

———–
تعريف بالكاتبة
ولدتُ في مدينة باجة بتونس من أب تونسي وأم دنماركية.. وحصلتُ على الليسانس والماجستير في علوم وآداب اللغة الفرنسية من جامعة قرطاج بتونس.. وحصلتُ بعدها على الدكتوراه في الدراسات الإعلامية من جامعة كوبنهاغن بالدنمارك.. وتتمحور أطروحة الدكتوراه التي قدمتها حول موضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة الغربية» بشكل عام.. ومنذ ذلك الحين وأنا مهتمة أيضا بموضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة العربية» بشكل خاص..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق