ثقافة السرد

شوك الذكريات

صيد عبد القادر *

إيه .. سامح الله قلبك فليس هو وحده منبع كل هذه العواطف المتمردة ، و إنما كما ترد على عقلك أفكار من الخارج ترد على قلبك أيضا عواطف مهاجمة من جهات متعددة ، و هي أخطر من الذاتية، ذلك أن الذاتية لها صلة الرحم مع النفس ، تضر و لكن لا تغدر، أما الوافدة فعند قدومها تبهرك بضوئها كتقاطع سيارتين في الليل إحداهما ضوؤها أقوى، فتُرغمك على إغماض عينيك للحظة ، في تلك الرمشة تتسرب العاطفة، وتنزوي في مكان ما كسحلية داخل المنزل ثم تنتظر وقت غفلتك لتتحرك ، وتلحق بك الأضرار التي لا تكتشفها في الحال .. تدرك جيدا أن قلبك يشبه بيتا نوافذه مفتوحة إلى الأبد ، الأبواب حقيقة تغلق و تفتح ، لكن المدخل الرسمي هي النوافذ ، فالعواطف غير المعتمدة هي التي تتحكم في الأمر..سجنك خارجك فاحذره..
عرفت أن بعض العواطف كالبحر تستمتع بها إذا طفوت على سطحها ، أما إن غصت فيها فإنها لا تتركك إلا بعد أن تصبح جثة هامدة ، فاحرص على سفينة اللامبالاة..
كم مرة أردت أن تهادن هذه العواطف ! و لكنها كانت هدنة من طرف واحد ، لأنك هدف مفضل لمصادر رمي مختلفة ، ما أضعفك إذا صرت هدفا مهما كنت كبيرا ! الأماكن ضدك ، و كذا نسائم الصباح و العيون و الأسماء و المناسبات ، و الكراسي الخالية في الحدائق العمومية في أمسيات الخريف المثقلة بسحائب الحنين.. للأسف لم ينسخ قلبك مما مر عليه سوى شوك الذكريات.. تبا له لم يحتضن من النخلة إلا شوكها ، ليتخذ منها قلما يوشم به على صدرك ، و يوقع به على ختم الأحزان ، ثم ليرعف روحك على صفحة الذكريات بالتقسيط.. فللذكريات ظلال تمتد مدى الحياة ، و تبقى حتى بعد أفول شمسك ، فكم من مكان تحسه رطبا مفعما بالعبير لو سألت عنه لعرفت أنه كان مسرحا لقصة رقيقة أو معبرا لشهيد مجنح !

* قاص جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق