الموقع

من الهيمنة إلى التابعية، استحالة الاندراج في اكتشاف (النحن)

ربما لم تكن علاقتنا بأوروبا خلال كل التاريخ المشترك أكثر تجذرا في الهيمنة وأكثر انغراسا في التابعية مثلما هي عليه اليوم.. لكن هل نستطيع أن نحدد مفهوم (النحن) الذي يشير إليه ضمير (علاقتنا) بصورة واضحة وثابتة ومركزية في الوقت نفسه حتى نستطيع أن ندرك مدى ما يُحدثه حُضور أوروبا في بنياتنا الفكرية والمعرفية وما يتبعها من بنى ثقافية وسياسية واقتصادية؟ وهل يستطيع العداء أن يعدّد مواصفات عدْوِه وهو يعدو في غير اتجاه؟

فإذا كان تحديد هذه العلاقة من خلال الإجابة عن سؤال واضح كهذا، فإننا والحال هذه لا نستطيع أن نتصور مدى الارتباط الجذري في كل ما يحرك كياننا الذاتي والجمعي بأوروبا بصورة أصبح فيها مصطلح (التابعية) هو الأكثر دقة والأعمق توصيفا لهذه العلاقة. ذلك أن مصطلح السيطرة (الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية) لم يعد يفي بغرض الدقة والتوصيف الذي تحيل إليها (التابعية). كما أن مصطلح (الهيمنة) ربما أحال إلى ثنائية الغالب والمغلوب التي قد تخفي في ثناياها إمكانية محاولة المغلوب التخلص من الغالب من دون استطاعته تحقيق رغبة التخلص هذه، في حين يبدو مصطلح (التابعية) وكأنه مُفصّل خصيصا لاحتواء ما أصبحت تزخر به (النحن) من عدم قدرة على التفكير في مسارات الذات وهي تبحث لها عن طريق غير الطريق التي فُرضت عليها سابقا من طرف (أوروبا) وتحررت منها، أو التي جرّبتها وفشلت في الحفاظ عليها خوفا أو طمعا كما تقول العبارة، نظرا لفشل الدولة الوطنية المستقلة في صياغة (نحن) فاعلة بالنظر إلى ما كانت تعانيه أثناء فترة الاستعمار.

ربما احتجنا إلى تحديد علاقة (النحن) بأوروبا من خلال النظر إلى الطرائق التي يحدد بها (الآخر) علاقته بـ (أوروبا) بوصفه طرفا ثالثا يتيح لنا فرصة الابتعاد عن النظرة التبئيرية لأوروبا، الذي هو ليس (نحن) وليس (أوروبا). وربما احتجنا في هذه الحالة إلى المكوث طويلا أمام مرآة (الآخر) غير الأوروبي وهو يبحث له عن مسارات اختلافية لا تعيد إنتاج الفكرة الأوروبية في ثقل اندراجها ضمن المركزية الأوروبية العزيزة على المثقفين الغربيين، ولكن فيما يوفره الشرط الحضاري للآخر من إمكانية إعادة صياغة القيمة الفلسفية لـ (أوروبا) وتمثّل مساراتها في ذاتٍ واعية بما يمكن أن يشكّله العنصر المهيمن في ثقافة (أوروبا) من خطر على قدرة هذا (الآخر) في استيعاب اللحظة التاريخية الناشئة عن كونية إنتاج المعرفة، وعن الحذر من استحواذ حضارة ما على القيمة المضافة لهذه المعرفة وتسخيرها في الهيمنة على (الآخر) الذي سيكون من ضمنه (نحن) بالضرورة.

ربما كان الاختلاف بين (النحن) و(الآخر) في تحديد العلاقة بـ(أوروبا) ينطلق من نوعية الوعي الجذري بالعلاقة التي تربطنا بأوروبا، لا في ما تشكله من قيمة تاريخية بالنسبة لهذا (النحن)، ولكن ، وهذا هو الأخطر، فيما تعتقده المركزية الأوروبية من أحقية وأسبقية في صياغة (النحن) صياغة كفيلة بضمان خضوعه لها واستمرارية هذا الخضوع على الرغم من اختلاف الظرف المعرفي المتجه نحو عالمية المعرفة من خلال الابتعاد عن عنصريتها أو عن إقليميتها أو عن مركزيتها.

ذلك أن وجهة النظر الأوروبية عن (النحن) لم تتغير في حقيقة انتمائها إلى الموروث الكولونيالي الأوروبي المتولد من تنويرية عصر النهضة، ولم تتغير كذلك في بينية علاقاتها الثقافية المرتبطة بمصلحتها المتعلقة بديمومة (الهيمنة) بوصفها ضامنا وحيدا لتجدد القدرة الأوروبية على البقاء في واجهة الفعل الحضاري بالنظر إلى خطورة ما يقدمه (الآخر) من وجهة نظر مختلفة عن (أوروبا).

ولعله لهذا السبب تبدو (التابعية) التي نختص بها (نحن) هي الوجه الآخر لـ(الهيمنة) التي تختص بها (أوروبا). عملةٌ صعبةٌ لا تريد أوروبا التفريط فيها بأية حال من الأحوال، وذلك من خلال تكريسها لصورة القارة العجوز الحامية لـ(نحن) المشتت في ثنايا القارة الأعجز. لا هيمنة لأوروبا على (النحن) دون تابعية (النحن) لأوروبا. ولا يمكن لـ(النحن) في هذه الحالة أن يفكر في الخروج عن المسار المخطط له مسبقا في تحقيق ما يعتقد أنه تحرر من (تابعيته) من دون النهل من نبع (هيمنته) نظرا لكونه مزوِّدا لذات (النحن) بما تحتاجه من وقود ثقافي يدعي بموجبه أنه سائر في طريق تحديث ما لحق ببنيات مجتمع (النحن) من تخلف وأمية وتقهقر وظلامية، وهي كلها مواصفات يُرجعُها (النحن) إلى الكولونيالية التي استطاعت بها أوروبا أن تلغي (النحن) من سيرورة التاريخ الباحث عن المعرفة في عقلانية العلاقة مع الذات، وتستبدله بـ(نحن) آخر باحث عن المعرفة في عقلانية العلاقة مع (أوروبا).

ربما دلّت كل المؤشرات الحضارية التي تنتج الخطاب الثقافي في بدايات الألفية الثالثة أن المقولات الفوكوية التي هيمنت على الرؤية الثقافية الغربية المطلية بنوع من المساواتية المزيفة بين الشعوب، و التي طالما حلم بها العديد من مثقفي (النحن) الحداثيين و اتخذوها نبراسا لتجاوز صورة الهيمنة وخطاب الهوية وضرورة الاستيلاء، قد أصبحت مُتجاوزة، لا بفعل انتهاء مدة صلاحيتها الزمنية فحسب، ولكن كذلك بفعل انتهاء فاعليتها في مضمار ما تُزوِّد به أوروبا من مخزون لم يعد كافيا لمواجهة (الآخر) المتمثل فيما تحققه الدول الآسياوية من نجاحات على المستوى الثقافي والاقتصادي، ومن ثمة على مستوى الحضور السياسي القوي. فهل بإمكان (النحن) الحائرة أن توجه سؤالها إلى (الآخر) بدل (أوروبا) من دون أن تسقط في فخ (التابعية) الذي تعانيه مع (أوروبا العجوز) منذ مرحلة الكولونيالية؟

—————————————————————–

* عبد القادر رابحي : أستاذ جامعي جزائري 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق