قراءات ودراسات

تجليات الرمزية الجزائرية في كتابات أحمد ختاوي قراءة للمجموعة القصصية

بقلم : أبو يونس معروفي عمر الطيب

مقدمة: أيوب يختلس أوجاعه مجموعه قصصية حوت 09 قصص قصيرة عناوينها محطات مثقلة بالمعاناة والغبن الغائرين في جسد امة تعيش عصر الانحطاط . لم يبقى لمبدعيها الذين حملوا عبئ الانتماء على عواتقهم إلا الاحتماء بأمجاد الماضي والتشبث بجذوره الغائرة في تاريخ البشرية .. هي ولا شك بقية من روح تتطلع إلى مجرد حلم قَـيدَ الانتظار‏. بلغة سريالية محكمة موغلة في الرمزية يحتدم صراع العواطف والأفكار في كل القصص التسع التي تضمنتها المجموعة القصصية بعنوان أيوب يختلس أوجاعه لتشكل لا شك في ذهن القارئ المتمكن صورا يلامسها بحواسه وتستفزه للغور في سبر أغوارها لتشكيل الصورة العامة، فالرمزية كما قيل هي إبداع موجه للصفوة من القراء وبالتالي فان الرمزيين لا يعبئون بالكمية القارئة بقدر ما يهمهم الوصول بالقارئ إلى إيحاءاتهم في شكلها المعبر عن الواقع لان هذا النوع من النتاج الثقافي الرمزي موجه للنخبة من المثقفين ان لم نقل صفوة الصفوة، واستيعابها في هذه الحالة يبقى مقصورا على أوليك القراء الذين يملكون فضاءات ثقافية واسعة في كل مجالات العلوم كما سنرى ذلك في دراستنا لهذا الكتاب.. مختصرات في الرمزية
يعتبر المقال الصادر بجريدة الفيغارو Le Figaro الفرنسية يوم 18 سبتمبر 1886 بعنوان Un Manifeste Littéraire للشاعر الفرنسي ذا الأصول اليونانية Jean Moréas هو أول ظهور رسمي علني للمدرسة الرمزية بعد انضم إليه الكثير من الشباب الذين لم تتعدى أعمارهم 25 سنة من شعراء وكتاب ليعبروا عن ثورتهم ضد الأسلوب الكلاسيكي الرومانسي السائد آنذاك وقد ظهرت الكثير من الكتابات الرمزية خلال هذه الفترة من السنة في الكثير من البلدان الأوروبية وعُرف هؤلاء الكتاب حتى مطلع القرن العشرين بالأدباء الغامضين. و جاء في البيان: إن هدفهم “تقديم نوع من التجربة الأدبية تستخدم فيها الكلمات لاستحضار حالات وجدانية، سواء كانت شعورية أو لا شعورية، بصرف النظر عن الماديات المحسوسة التي ترمز إلى هذه الكلمات، وبصرف النظر عن المحتوى العقلي الذي تتضمنه، لأن التجربة الأدبية تجربة وجدانية في المقام الأول.”
(8) – داوود، د. أنس. “الأسطورة في الشعر العربي الحديث”. ص (170).

(ويعدد جان موريا Jean Moréas في (بيان الحركة الرمزية) بعضاً من الخصائص الأسلوبية في اللغة الرمزية فيذكر: كلمات نقية.. حشوٌ مهم.. حذف غامض، الانتقال من تركيب نحوي معين إلى تركيب آخر يحقق الجرأة المتطرفة) .
(وسواء صح هذا التحليل أم لا، فإن ما بهمنا هنا هو ما وصل إليه الرمز عند هؤلاء الحداثيين الذين يعتبرون أن الرمز يتكون من الموضوع والفكرة، من الحضور والغياب، من الكلمة المكتوبة والكلمة الممحوة، من الشكل والفراغ ، وينظرون إلى البياض الذي يكتنف النص على أنه صمت مفعم بالمعنى، لا يقل روعة عن النص الشعري نفسه، وكذلك استعمال اللغة غير الكاملة.. إلى آخر هذه العبارات التي لا تقدم ولا تؤخر.)

فالرمزية في الأدب بكل أشكاله هو ” الإشارة بكلمة تدل على محسوس, أو غير محسوس, إلى معنى غير محدد بدقة, ومختلف حسب خيال الأديب, وقد يتفاوت القراء في فهمه وإدراك مداه, بمقدار ثقافتهم, ورهافة حسهم , فيتبين بعضهم جانباً منه وآخرون جانباً ثانياً, أو قد يبرز للعيان فيهتدي إليه المثقف بيسر”.
” فالرمز أسلوب من أساليب التعبير لا يقابل المعنى ولا الحقيقة وجها ًلوجه, فالألفاظ تكاد تكون مستعملة في غالب الأحيان في غير ما وضعت له”.
الرمزية الجزائرية
والرمزية في الأدب الجزائري شعرا ونثرا كانت وليدة ظروف سياسية واجتماعية قاسية واكبها الشعب الجزائري جيل بعد جيل زهاء المائة والثلاثون سنة من الاستعمار الفرنسي البغيض الذي حاول منذ الوهلة الأولى ترسيخ مشروعه الثقافي وتحقيقه في واقع المجتمع الجزائري هذه الظروف ولدت لدي المجتمع الجزائري ككل أفرادا وجماعات الإحساس بالكبت والاضطهاد وفي إسقاطاتها كعوامل نفسية أرغمت المبدع الجزائري بالخصوص للفرار والاحتماء بأسلوب الرمزية في كتاباته دفاعا عن شخصية مجتمعه .. و لم تخلق الفترة الاستعمارية هذه الظروف فحسب بل أيضا أثرت بأدبياتها في البنية السردية الجزائرية

ولم يتأثر بهذه المدرسية الأدباء الجزائريون وحدهم بل هناك الكثير من العرب أيضا تأثروا بالمذهب الرمزي كتوفيق الحكيم عميد المسرح العربي من خلال مسرحياته الرمزية، المتأثرة بالمسرح الفرنسي على وجه الخصوص، و ذلك باعتماده على الرمز الأسطوري في تأليف أعماله الدرامية
وان كانت رمزية الأدب الفرنسي في ترجمتها إلى العربية قد استمالت كثير المبدعين الجزائريين إلى ممارستها والتعامل معها ضمن قواعدها فان الإبداع ظل وطنيا ملتصقا بالأرض والثورة وقد استمرت هذه النزعة الرمزية الثورية التي واكبت ثورة التحرير آخذة مكان الريادة في ظل الممارسة السياسية الاشتراكية بعد الاستقلال حيث تم استغلال المبدعين من مسرحيين وشعراء وفنانين لخدمة القضية السياسية وصار هذا التوجه هو المسار الوحيد الذي لا يمكن الخروج عليه في فترة ما ، وظهرت كتابات عديدة لأدباء مارسوا الرمزية ممارسة فعلية في إبداعاتهم من مؤلفات مسرحية وروايات وقصص رغم أنها ظلت غير مستوعبة من قبل السواد الأعظم من غير الأميين حتى لا أقول القراء .

الخشبة كوسيلة إيضاح للرمزي
إن استعمال العامية من قبل المسرحيين وسع من دائرة المستوعبين للنص الرمزي في الجزائر خاصة وان مواضيعه في مجملها كان تحاول تجسيد الواقع المعاش بمفهوم آخر يطرح المشاكل الاجتماعية والخلقية وحتى السياسية منها بالإيماء المسموع بطريقة مبهمة وهلامية للاحتماء وراء تفسيراتها وهكذا تحولت الخشبة إلى مكان شاعري تُخلط فيه الأزمنة و الأمكنة بجميع معضلاتها إلى حد إقصائهما كلية والولوج على فرس جموح إلى عالم الخيال حيث عقْل اللامعقول ومنطق اللامنطق بكيفية سهلة يمكن للمشاهد استيعابها وترجمتها من خلال الحركات الإيمائية التي يمارسها المسرحي وكذا الأقنعة والألبسة التي تكون بمثابة وسائل إيضاح ويمكن الجزم هنا بان المسرح هو احدي أدوات الإيضاح والاستيعاب إذ أنها تقدم المنتوج الأدبي في ثوب بسيط يمكن للقارئ ارتداءه دون كبير عناء “وحتى يتيسر استكمال الاندماج الكلي، يتم الاستعانة بالأقنعة وصبغ الوجه
والأجساد، واستخدام أشياء لها دلالتها الرمزية إلى جانب الكلمات، ( وقد يكون المسرحي علولة في مسرحيته (الأجواد ( مثلا قد لجأ إلى استعمال الرمزية بكيفية مكنته من الوصول إلى شريحة واسعة من المثقفين “الذين يرى بعضهم أن عبد القادر علولة “لا ينتمي إلى المدرسة الرمزية و لا يتبع خصائصها ، و إنما التجأ إلى استعمالها كما ذكرنا في مثل هذا الطرح
“نمت روحي سمك كبير ومتسلطن على شعب من الحوت” حاول علولة في توظيف الرمز للتعبير عن الفئتين المتطـاحنتين في المجتمع الحوت الكبير والحوت الصغير) الحاكم والمحكوم بتفسير سياسي .

ولكن يبقى السرد القصصي أو الشعري الذي لم يُقدم على المسرح مبهم إلى حد كبير لان مهمة توصيله إلى أذهان المتلقين ليست سهلة كما سنرى في هذا النموذج ” أيوب يختلس أوجاعه ” لان الاتصال النازل بين المرسل والمرسل ينقطع بمجرد صدور الإنتاج الأدبي وتصبح آليات القارئ هي وحدها من تعالج النص لاستيعابه .
رموز لوحة غلاف الكتاب
حتى لا نخوض كثيرا في المدرسة الرمزية ومذاهبها الفلسفية لا بد من ان نعرج إلى العالم الفسيفسائي الممتنع لكاتبنا احمد ختاوي في كتابه أيوب يختلس أوجاعه ولعل الواجهة الأولى التي ستبرز للقارئ هي صورة الغلاف المشبعة بالرموز فتوجهه لسلوك عديد القراءات للوصول إلى استشراف دلالي متكامل فيستحضرها بمخيلته و يتواصل تفاعليا مع مشاهد النصوص لإدراك كنه النص ، هناك الغروب الخريفي الطاغي بألوانه البرتقالية المائلة إلى الصفرة صفرة ألقت بألوانها على كثير الغيوم الداكنة ورغم سحر الغروب إلى انه سيرمز إلى اقتراب النهاية ويعلن عن بداية العتمة واختلاء الإنسان بنفسه ويضيف تساقط أوراق الأشجار للمشهد رمزا آخر يوحي بضيق الدنيا ونهاية الإنسان ، وارتباكه الشديد فيها . ولا شك أن الكاتب أراد أن يجعلها «تعيد تمثيل الموضوعات المطروحة في النص الروائي» ( )، من خلال تجسيد مخطط اليد التي تحمل جرحها بقوة الكبرياء والمكابرة كأنها تقول ” لن اسقط ” لعله الجرح الغائر في ذكريات كاتب حمل وما زال المعاناة اليومية لشعبه فيقاسمه الغبن والهم ، يسره ما يسرهم ويحزنه ما يحزنهم ويحاول ترميم ما ينهار كل لحظة في ربوع البلاد العربية الإسلامية مصدر قوته وإلهامه بتراثها الكامن فيه . يكون الكاتب هنا قد اجتاز العتبة الأولى بنجاح.
رمزية العنوان
وتأتي عتبه العنوان “أيوب يختلس أوجاعه ” وهو عنوان القصة المحورية في الكتاب وقد أرادها السارد أن تكون العنوان الأول فربما لأن القصة تحمل قارئها بتميز على بساط من الرمزية الموغلة في غياهب الأدب العالمي والعربي خصوصا وتغمسه في براثين السياسة بين الحين والأخر في رحلة حول العالم أشبه بمغامرة كلها معاناة ولكنها ممتعة إلى حد الشعور بالثورة على الأشياء .
كلمات العنوان تحمل في طياتها رمزا دينيا فلابد للمتلقي من استحضار صبر نبي الله أيوب على الشدائد والمحن واختلاسه أوجاعه دون أنين أو شكوى ، وأيضا أيوب ذلك المواطن البسيط الذي يعاني الفقر والحرمان ويختلس كل ذلك في صمت وصبر ، هذا التوظيف والاختيار يؤكد إحساس الكاتب بمعاناة من حوله وفي نفس الوقت يحيلنا الى دلالة انتماءه الإسلامي التي تظهر جلية باح بها أم لم يبح . ويبرز هذا المنجى في كثير كتاباته التي يوظف فيها الرموز الدينية من أسماء و تراكيب لغوية من كلمات قرآنية وأحاديث نبوية كما سنرى .

ونحن نعبر هذه المجموعة تتكشف لنا أكثر فأكثر تلك النزعة الرمزية .التي يتميز بها كاتبنا فلا تكاد تخلو أي قصة من القصص التسعة من ذلك فنجدها مشبعة بوحدات رمزية تحمل في طياتها كل الأنماط فهناك الرمز التاريخي – الرمز الديني – الرمز الأسطوري – الرمز الشعبي( التراثي): التراث ، دون أن يغفل على توظيف المرأة كرمز حافل بالموروثات .بل أيضا نجذه فسح المجال للأرقام لتؤدي دورها الرمزي .
وقفات على أعتاب رمزية ختاوي في قصصه التسعة
1. عناد في منتصف الوجع”
يبدأ السارد من منطلق الإصرار (المستقبلي): (لن أبرح سفح المشنقة حتى أمتص رحيق الفراشة في سجنها) وينتهي إلى الانتفاضة والتمرد (كبرتُ عنيدا). بين البداية والنهاية تتجلى عدة رموز لعل ما يستوقفنا هو استعمال الرمز الديني بصورة مكثفة “كنا اثنين والشيطان ثالثنا ” على أرض لم يطأها إنس ولا جان.” وقد يتجلى الرمز الثوري في العناد على امتصاص رحيق الفراسة والتشبث بالمبدأ رغم المشنقة وهمجية التتار ظل ختاوي في لغة المخاطب يسقط هذه الرموز على حاضر شعبه ومعاناته ، مصرا “على “الصراخ في وجه من تولوا مسئولية الوطن وحكموه سواء منهم من حكم بالثورة وساد أو من ساد بلا ثورة ، لقد رسموا مستقبل الناس بالوعود والورود والمكاسب الثورية والتحررية وكأن البلاد بهم ستتحول لبلاد السمن والعسل وحيث لم نر فيه – لحد الآن – سوى البؤس والفقر ومحاولة طمس ملامح الكبرياء فينا “

وهكذا يبقى كاتبنا متيما بالحرف عاشقا للشعر متحررا في إطار واعي ومسؤول متشبثا بالتاريخ ومفتخرا به وبرواده عبر التاريخ العربي الإسلامي الحافل بالتراث مخالفا بذلك خط مذهب المدرسة الرمزية الذي قام على التحلل من القيم الدينية والتنصل من الكتب السماوية وظل كاتبنا رغم ذلك يعبر عن التجارب الإنسانية الأدبية والفلسفية من خلال الإيماء الى “إخوان الصفا” الذين يمثلون مدرسة إسلامية تؤمن بالفلسفات والعلوم الإنسانية الأخرى .

2. شبر من ضحك
في هذه القصة يُقلب أحداث التاريخ العربي ويسقطه على الواقع المعاش أكذوبة الخوارج تتكرر عبر الأزمنة وبلقيس بما حملته الديانات من أخبارها تظل رمز للمرأة القوية بأنوثتها في ملكها بسبأ وحتى في مقتلها خلال تفجير انتحاري بسفارة العراق بلبنان حيث الأولى خلدها القران الكريم والثانية خلدها نزار القباني في أشعاره، ومرة أخرى يوظف ختاوي الرمز الديني زوليخة وزوجها العزيز وقصة القميص ولكنه يظل يعيدنا إلى الواقع السياسي الاقتصادي .. في استيراد لحم الضأن من استراليا في حقبة ما، كأن بالكاتب يقول كيف لنا ونحن العرب أصحاب الحرفة” مربي الأنعام ” أن نستورد ما نأكله من لحوم من غيرنا .

3. “تحت المظلة”
أو قصة حبي كما يمكن أن يفهم منها ، في فضائها الرومانسي يفاجئنا ختاوي بخروجه عما ألفناه منه من توغل في الرمزية إلى نقطة اللارجوع لكنه هنا بعمد إلى التعامل مع شخصيات القصة بأسلوب حكائي كلاسيكي البنيان بعيدا عن البناء الرمزي ولكن بقيت نزعته الرمزية تلامس الحكاية في تهويمات فلاشيه ، ولكن لابد من الإشارة إلى أن هناك شعور لا بد وان ينتاب القارئ المطلع على الحياة الخاصة للكاتب كشخصية عامة أن القصة مخاض تجربة خاصة لصيقة بالكاتب لأنها تتحدث عن حقبة زمنية عايشها إبان شبابه والتي تميزت بالرومانسية التي تترفع عن كل ما هو حيواني مرد ذلك إلى الحياء الذي ظلت تتميز به البنية الاجتماعية التي واكبها الكاتب ولعلها في نهايتها تذكرنا بفيلم “عمر قتلاتو الرجلة ” من خلال ذلك التردد في البوح بالمشاعر الذي كان مصدره الحياء أو “الرجلة ” وهنا بجدر القول إن التربية الريفية التي عاشها الكاتب لها كثير الدلالات في كتاباته ونجدها تؤثر إيجابا فيه وفي نتاجه وربما في هذه القصة بشكل اخص حيث ظهرت بشكل أوضح من خلال الحوارات بالعامية والأمثال الشعبية التي رصعت القصة وألبستها الهوية الجزائرية وبالتحديد الهوية البدوية الجزائرية .

4. أيوب يختلس أوجاعه
تفتق قلم ختاوي في هذه القصة مبالغة ، أسلوبا ، لغة وأداءٌ، لينسج ألفاظا وصورا طلسمية بعيدة عن المألوف حد الغموض والتناقض.لينساب الأفطس ذلك الخرافي الذي يجر القارئ على بساط من الرمزية الموغلة في غياهب الأدب العالمي والعربي خصوصا وبغمسه في براثين السياسة بين الحين والأخر.

كان لابد أن نخوض معه لنسمو أينما سما الحرف .. نركب والخوف يقبع برؤوسنا معششا.. “فالأرض تدور كالغول في صحراء تدعونا إلى مغامرة مبهمة منذ البداية عندما ارتطمت الأرض بالأرض ولكنها تبدو مغرية إلى حد الهيام .

يقلع الأفطس صديق ختاوي على المناطق المحرمة لنوال السعداوي التي كانت في يوم ما أختا بين الإخوان لتتحول إلى حروف منبوذة مفتوحة على كل المعاصي فكانت جنسية في جسد امرأةٍ ورجل حتى النخاع يتركها تعاني من شيب غزا قلبها المفتوح على الحداثة ويسير بنا شرقا..

يرفرف بساط ختاوي على “وادي عبقر” ليرتشف رشفة من الإبداعات الشعرية و الخطابية من فطاحله شعراء العرب والعروبة ويختزل ديوان العرب في قصيدة يعرضها بسوق عكاظ بين القوافي التي يعكظ الشعراء بعضهم بعضا كأنه يذكرنا بالتنافس الأدبي والثقافي الذي كان يتسم به زمن الفطاحلة بعيدا عن التنافس المادي القبيح الذي صار يمارسه حتى المثقفون وشعار الجميع في ذلك المنافسة وحرية للتعبير.

ويعلو الكاتب في الغلو تحليقا مع أفطسه عندما “اسقط الممكن من الممكن “و اخترق غيمة الفلسفة الوجودية باعتبارها نظرية غير واضحة المعالم لم تكتمل عبر عنها في قولـــــــــــه ” كدمية في يد طفلة لم تُكمل أجزاءها” هذه الغيمة التي في نظره نسيت أن الرياح”الممكن ” تنقلها إلى حيث يشاء الله وأن اضطراب أفكارها وتذبذبها كالجو البارد لا محال ستعصر ماءها ليكون مآلها الزوال .هذا الجنوح الممتد بعيدا في معالجة الفلسفات الإنسانية المختلفة يعيدنا إلى القول أن الرمزية عند ختاوي تشترط في قارئها التوسع والتمكن من الثقافة العامة وبالتالي هذا يزيدنا يقينا بان الرمزية موجهة في أصلها إلى صفوة الصفوة من القراء.

ختاوي المتذوق لفنون التراث الإنساني ككل يأبى إلا أن تكون الرحلة مع الأفطس مسلية فيذيع علينا أغاني فيروز لنجاة الصغيرة ويوظف عنوان الأغنية (أيظن )توظيفا آخر يريد العودة بنا إلى زمن الفن الملتزم الراقي الرومانسي ويذكر أيضا أحمد فؤاد نجم ورمز الثورة على الظلم الذي أبدع في الشعر العامي النبطي العمودي .

عند الإبحار مع الحرف عند ختاوي لا شك أن القارئ سيجد كثير الكلمات المعجونة بالتهكم من الحاكم المستبد “الحجاج بن يوسف” في الوطن العربي والذي عبر عنه “ينهرني القاضي” وهنا في هذا المقطع يتهكم من الحاكم المستبد الذي يحاول الظهور بمظهر المثقف في حين أنه يتخذ من كل صاحب حرف عدوا له ، “يتسلل خلسة إلى خزائن قارون وإيوان ( كسرى ) ليمول مشروعا خيريا عنوانه ( ألف قصيدة وقصيدة )
ووفاءً منه لأصوله فان ختاوي يعيدنا إلى الجنوب إلى القرية النائية المحرومة من خيرات حباها الله “البترول ” كان السارد هنا يستشرف الأحداث وثورة أهل الجنوب على الحكومة ومطالبتهم إياها بالالتفات إليهم ” مظاهرات ورقلة و حاسي مسعود ” عام 2014 وهذا المرور يؤكد لنا مرة أخرى إحساس الكاتب بمواجع شعبه بل هو يقدم هنا حلا للحاكم وينصحه لصرف الأموال في الصالح العام بالمساواة وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ختاوي يلجأ ككل الرمزيين في معالجة المشاكل والمعضلات وطرح الحلول من خلال ذكر الأساطير القديمة ، فذكر الماء (طهورا) مقدسا للشفاء وطرد ( الشياطين ) الذي يستعمله القساوسة والرهبان ليتكسبوا به من أموال الفقراء والمحتاجين .ويستعمله بعصا الرقاة في معالجة المس .

لماذا شغلنا ختاوي أذهاننا بجبران خليل جبران وبحرفية لخص حياته هل لان جبران كان رومانسيا في قصة الأجنحة المتكسرة وشاردا في الرمزية حتى النخاع أم لان الموت التقطه وهو لا يزال في أوج العطاء غريبا عن دياره .
واحمد ختاوي كما جاء في النص المعنون ب”قراءة في القصة الجزائرية المعاصرة.. أحمد ختاوي أنموذجا” للباحث والإعلامي المصري محيي الدين إبراهيم فأن ختاوي يرى من خلال كتاباته”أن عروبة المبدع هي أصل وطنيته لأن الوطن إذا تعرى من محيطه صار لقيطا، وأهم نقطة عري وأهم سبب لصناعة الوطن اللقيط عند ختاوي هو اغتراب الوعي الوطني العربي وفوضى الأيديولوجيات”

من هذا المنطلق فإننا نراه يميل بالقارئ في قصة أيوب يختلس أوجاعه إلى باريس..؟ لزيارة ” أدو نيس المتلعثم “حسب تعبيره أي اللاهث على أعتاب جائزة تأتي من الغرب ” باريس ” والذي ارتبط اسمه بالكثير من التلاص والسرقات الأدبية لقدماء الشعراء ابتداء من الجاهلية ، كأن الكاتب يريد أن يذكرنا بأهمية الانتماء والتشبث بالأصالة والقيم الإنسانية لان لا شيء يضاهيها باعتبارها رصيد المبدع ومنهله القوي ، ثم في فقرة واحدة وعن قصد يُمطرنا السارد في نسق متراص ومتكامل بأسماء عديد المبدعين في زمانهم المهلهل.. تأبط شرا و الشنفرى الشاعرة نازك الملائكة ..و أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة وعيرهم ، ليس لان الكثير منهم تعرضوا للتلاص والتناص من الكاتب ادونيس ولكن لان الكاتب برى أن هؤلاء يمثلون الأديب الأصيل الذي خلده التاريخ لأنهم رسخوا وثبتوا على مبادئ الأصالة والانتماء للأرض ويقارنهم بالنقيض بذلك الأديب “المتلعثم” الذي سيرميه التاريخ في النفايات ويحفر أخاديد على وجهه لأنه ناكر لأصالته و يتخذ من التلاص وسيلة للإبداع ومبدأه في ذلك “الغاية تبرر الوسيلة”

في هذه القصة أيوب يختلس أوجاع ينقلنا ختاوي إلى أجواء لبنان 14 شباط عماد مغنية وما يمثله من بطولة بالنسبة للفئات الظلامية المارقة عن كل ما هو إنساني ويمثل بالنسبة للبشرية جمعاء بمختلف اعتقاداتهم الإجرام واعتداء بالقتل على حياة البشر ، فهو قاتل بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني وربما الكاتب بهذا الإيحاء أراد إن يذكرنا بمرثية نزار المفجوع في بلقيس ويجرنا إلى النتيجة الحتمية لكل بان ظالم إذا عرفنا أن الشيعي معنية آل إلى نفس المصير.
هذه الأسماء اللامعة من أعلام الأدب والفن بالوطن العربي التي سردها علينا كاتبنا بإتقان لا بد وان تعيد للقارئ المطلع الكثير من الذكريات او تحفزه ربما للبحث عن رمزية كل اسم في النص ” للوصول إلى الفكرة العامة

5. أنثى السماء الأنثى
تمثل دوما العطاء قوة الانتشار كالعطر والسماء تمثل النواميس والماء والعدالة والحماية ختاوي هنا يمازج بين المعطاءين ..حوار بين الشماء والأرض .. الأرض تطلب المزيد لأولادها بني البشر فهي لم تقتنع لقناعتها الذاتية وإنما لإلحاح مستمر من معمريها .. وكما نرى فالكاتب ركز على العجلة التي تميز بها بنو البشر ..كل البشر في عجل يطالبون بالمزيد” ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾” هل السماء عاقر ويأتي الجواب عير رموز كثيرة ان السماء ليست عاقرا وأنها درت ماء ونواميس وأغدقت على بني البشر بالكثير من الخيرات ولكن يظل الإنسان عجولا جاحدا ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ )أراد أن ينهض والروح لم تكتمل فيه
وعندما تأتي فترات القحط لحكمة من رب السماء يتناسى ابن ادم وفي غيه و يسأل مثلما فعل أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ متهكما وهو يحمل عظما” أَتُرَى اللَّهُ يحيي هذا بعدما قَدْ رَمَّ “وجاءه اليقين من السماء :{ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } ولم يكن الطفل يس السائل الا سورة يس لتعيد بني البشر إلى رشدهم وفي هذا المقطع …”اجر عبر الأنهار، لا القحط يجدي ، ولا الخصب يجدي .. ولا فرعون في ملكوته ، ولا حتى الجيران .. اجر.. اجر..أنت أيضا على عجل” ..يرسخ الكاتب لدى القارئ ذلك اليقين ان لا شيء ينفع الإنسان في الأرض الا ما صنعه من خير وفي الأخير يعيدنا إلى الأرض والى ظلم البشر لبني البشر كثرة الذنوب مع الدعاء لا ينفع وتنهال القذائف ضحاياها أطفال رضع يختطفهم الموت ” صقيع الشتاء ” الأم تتضرع إلى الله ولكن لا تزال القذائف تنهال عليهم يسألها طفلها “يس” حائرا عن تأخر نصر الله للمؤمنين ينتهي بالتفاؤل حين يقول حبلت السماء ..

6. الشمس تتوسط صدر الأشياء
تصدُر الأشياء من دواتها …هكذا قال العطار لبائعة النعناع
يضل ختاوي رمزيا حتى النخاع في هذه القصة ، فالأسلوب متميز في رمزيته فهو يغور في فضاء مبهم لا حدود له لا يمكن التحليق فيه ومعه إلا إذا امتلك للقارئ أجنحة قوية تمكنه من الظفر بمكنونات النص كما سبق وان أكدنا.
فهنا تسامى الأسلوب القصصي السياسي في رمزية عقائدية، وصنع من رقم له مدلولاته بطلا انتحل صفة الرمزية السياسية فالتبس عليه مفهوم الوجودية الغامض حين أصبح الثالوث ” ثلاثا في ثلاث ” خطا إيديولوجيا فيه من العبثية ما يشعر بالقلق الوجودي . وللصمت في النص خطابات بمكبرات صوتية عالية .. تتسم بثورية يواجه بها معضلات المجتمع بما في ذلك العطارين عن طريق تحسين العلاقات بين الفرد والمجتمع “متسلطا ومتسلط عليه”

ولعل “أمعلم ” ترمز لصورة تجاوز الأنانية حدود الإفراط من جرعات التجرد من الإنسانية إذ لا يكتفي صاحبها بتعمد فتوره في خدمة الآخرين بل يستغل ما حوله لتحقيق نزواته
ثم ما هذا الرقم 7622 وما مدلوله .. هل مدلوله ذاتي متعلق بالكاتب أم انه أراد أن يكون عائما وسط الرمزية حتى لا يكون محصورا في توظيف واحد ولا بد ان هذا الرقم سوف يستفز القارئ للبحث عنه وعن مدلوله وهذا الطرح في نظرنا يتوافق مع النهج الرمزي بل ويُعد احد عناصره الفاعلة .
يمكن الخوص فيه ومحاولة الوصول إلي مدلولاته خاصة وان له حضور وتأثير كبيرين في النص كرمز له مدلولاته فإذا ما فصلناه إلى 22/76 فان 22 يصبح الرقم الأخير في منظومة أرقام التنجيم والأبراج التي كانت وستظل لها تأثير على معتنقيها ومعتقديها من الناس وهم كثرة فهو الرقم الأقوى والأعلى بين جميع الأرقام هو الرائد والحاكم في المجتمع كما في كل الميادين وربما هذا يؤكده قول الكاتب “هنا بايعوني..أنا أهل للإمارة..صوّتوا بالإجماع على مشروعي..”
ومن بين ميزات الرقم في موسوعة الأبراج انه لا يسمح لأي شيء بتقييده. وهذا المقطع يفسر ذلك” فكوا قيود الرقم عني وبايعوني”
ربما أمعلم ترمز إلى سمة العلم المهم جدا بالنسبة إلى صاحب الرقم 22 حيث يعتبره سلاحه الأقوى. فهو الرقم الأقوى والمعادلة الأصعب وحياة صاحبه معقدة لأنه في حالة من الحركة الدائمة ويسعى وراء كل الأشياء وبمكن استقراء الحركية الدائمة من خلال لغة المخاطب في النص “أوزعُ ، أفتشُ ، أحاول، أستقري ، أخاف ، أنكمش، أستغرب ، أعلن أبعثُ، أرشق ،أصرخ ” وتظهر بشكل جلي في الخاتمة
“..يمتد عشقي إلى البائعة ليمحو آثار الانتظار والانتحار ، والاحتضار ..يُفتح الباب الأمامي..أسترجع وجودية سارتر ..وأقوال (دوركايم).. تجذبني بائعة النعناع من يدي لتعلن العشق إلى الأبد – – اسمح لي( أمعلم) : من الروافد نسقي عروق النعناع .. نغرس بذور التوابل ..
– أطبع ُقبلة على خد البائعة..وننصرف إلى الأبد .
هنا يكون ختاوي قد وظف التراث إذا اعتبرنا التنجيم وقراءة الأرقام والأبراج من العلوم الزائفة أو الخرافات.وهذا الرمز الخرافي يعتمد عليه الرمز يون كثيرا في كتاباتهم لانه لايمثل الواقع وبالتالي لا يقابل المعنى بشكل مباشر.
اما الرقم الثاني 76 ففي شقه السياسي يمثل عدد المرات التي استخدم فيها أمريكا حق الفيتو ومن بينها 32 مرة لصالح إسرائيل وضد القضية الفلسطينية التي يعتبرها كل عربي ومسلم قضيته الخاصة فما بالك بختاوي وهو الكاتب الأصيل الذي ينهل من تراث أمته ، وربما هذا ما عبر عنه الكاتب هنا “ينطق الرقم الملازم لي ،.ليعلن حق الفيتو ، أستغرب من رقم أصم .. يعلن الكبرياء والغطرسة.”
ومن مدلولات الرقم 76 انه يشكل عدد كلمات أول سورة نزلت من القران ويشكل أيضا عدد الأحرف في الآيات الأولى التي نزلت من السورة والتي تمثل كمدلول رمزي للعلم والمعلم وللعلماء

7. الدقائق التي لاذت بالفرار
إذا كان رواد الرمزية قد أوعزوا من خلال كتاباتهم الى أن الرمزية هي نوع من الإحاطة بالوهم ، والجنوح إلى فضاء الخيال اللامحدود دون الالتفات إلى عالم الواقع بما فيه من مشكلات اجتماعية وسياسية، واستغلال الرمز للتعبير عن المعاني الفكرية والمكنونات العاطفية في أجواء روحية خالصة من شوائب الواقع فإننا نجد ختاوي في كل قصصه وبالأخص قصة الدقائق التي لاذت بالفرار وبأسلوب درامي مترابط حافظ على الحكائية والتواصل بين الصور الرمزية زمنيا ومكانيا “المكان غرفة ..وعتمة قاتلة” دون إغفال الحبكة وإعطاء الأدوار لأبطال القصة تداوليا فنجده سياسيا وعالم اجتماع ومؤرخ يُشرح المجتمع ويدور مع عجلة التاريخ السياسي في رمزية دأدائية ساخرة بين الفينة والأخرى .
فنجد ختاوي يتلمس الواقع ويعالج كثير المشكلات في هذه القصة فعرج على الأزمة الاقتصادية العالمية وأثارها على الدول التي كانت تسبح في فضاء روسيا الاشتراكية واقتبس قصته من ذلك التحول الاقتصادي من الاشتراكية ومشروعاتها المنتهية الصلاحية بسقوط جدار برلين إلى اقتصاد حر فرض قوانينه وأطروحاته الجائرة التي أنهكت الطبقة الكادحة فنجد أن القاص تعرض لقرارات تسريح العمال رقع الدعم “سوق حرة ..تحرير أسعار ..دعم مرفوع” فناقش الوضع وقارن بين الأزمنة و الإيديولوجيات في الجزائر خاصة حد التصادم وانتقد تدهور الحالة الاجتماعية ومن ثم اتخذ موقفا صريحا من النظم السياسية الفاسدة من خلال التعبير عن حنينه لذلك” الرجل الذي كان يحفظ ُودُّ ( الحجار) 1) رحل”
وما يشد الانتباه في هذه القصة هو أن الكاتب قام بوصف المعاناة والفقر “الغرفة الباردة ..الخالية من التدفئة والأثاث .. لسعاتُ يد الزوج المتثاقلة تهوي نحو الأرض الباردة ..من فراش رث أصابه البلل والرطوبة ” بتميز وبشكل لافت فجسد الواقع المرير من خلال التركيز على الحليب “حليب.. حليب ..حليب “وهو الغذاء الوحيد الذي يمكن أن يسد رمق الطفل وركز أيضا على الدائنون ” الذين يمثلون الرأسمالية المتوحشة ويلجأ الأب تحت ضغط الجوع والفقر إلى السرقة ليزداد الوضع سوءا بوجوده وراء القضبان
وينهي ختاوي القصة بالانسحاب ومرّتْ سنونو .. تقول : انسحبْ ، كما قدّر لي أن أنسحب “هو الاستسلام للأمر الواقع .. فالرأسمالية كالعولمة شر لا بد منه ومقاومتها ضرب من الخيال آذ لا يمكن الدوران عكس عقارب الدقائق التي لاذت بالفرار
8. عشر رجال في كف امرأة
كم هي الرحلة ماتعة والطائرة يقودها سبوية ركابها فطاحله الأدب العربي دليلنا فيها ختاوي احمد برمزيته الغائرة في التاريخ والتأريخ يماثل بين السياسة والأدب فيؤرخ للأدب سياسيا والعكس فهو يصنع من كل شيء في الكون رمزا .مبدع يلامس كل ما يقع في متناول حواسه الرهيفة فيبلورها وينحت منها رموزا ذات قيمة ويوظفها بحبكة متناهية لتعبر من موقعها حقائق مثالية وفي نفس الوقت لا تقوم على إنكار الحقائق الملموسة كما نظّر رواد المدرسة الرمزية .
في هذه القصة يصنع ختاوي باحترافية بالغة من كف امرأة ” بلقيس ” مشبعة بالرموز أرجوحة زمنية تتخطى كل الأزمنة والأمكنة وتؤثر في كل من تلامسه أو يقع في ظلها بشكل لافت فتصنع في المكان مضامين فكرية وعقائدية واجتماعية دون التحلل أو التمرد على القيم الروحية والخلقية للمجتمع العربي
فلاشك كما قلنا ان المدرسة الرمزية تتحلل من القيم الدينية وتحاول ان تجعل من فلسفتها بديلا عن العقيدة الدينية ولكن في وضعية ختاوي المشبع سلفا بالقيم الإسلامية والملم بكل الفلسفات الفكرية حتى الالحادية منها فانه ظل في ممارسته للرمزية في منأى من اي سَفْسَطة او شرود وهكذا ظهرت الكثير من الرموز الدينية في نصه قصة بلقيس وما تمثله من قيم وظهرت الآية الأولى من سورة المسد التي يستشف منها مال الإلحاد وعرج على بعض اشراط الساعة كالتطاول في البنيان . فنجذ انه استخدم الأساليب التعبيرية الجديدة والألفاظ الموحية الممزوجة بأسماء أعلام تنتقل عبر الأزمنة والأمكنة وتسبح في فراغات او الفجوات – gaps هي الفراغات النصية التي يخلقها الأديب عامدا متعمدا بهدف التشويق والإبداع الفني وهي عبارة عن معلومات أو إشارات أو معطيات يؤجلها الكاتب حينا فيشعر القارئ بحاجتها أثناء القراءة. مما يرفع من مستوى الترقب والتساؤل والتشويق لدى القارئ إلى حين ملء هذه الفجوات مع عملية القراءة.
لها رمزيتها في النص مثلها مثل الألفاظ الأخرى و ظل يمارس طقوسه الإسلامية في كل مشواره القصصي ويصنع منها عالمه المثالي الذي يرى فيه الملجأ الإنساني الوحيد مغايرا بذلك نهج أدباء الرمزية الغربيون المنغمسين في المادية المتخذين من الفلسفة ملجأ يمارسون فيه الإباحية الفكرية والأخلاقية بحرية مطلقة وأسوتهم في ذلك المثل الأفلاطونية وكتابات الكاتب الأمريكي ا دجار الآن بو – الخيالية المتميزة
يأخذنا دليلنا في الرحلة إلى فلسطين القضية التي مازال ختاوي يعتبرها القضية الأم ويخصص لها حيزا كبيرا في الكثير من قصصه مؤكدا بذلك على أصالته وتشبثه بقضايا أمته رغم تخلي حكام العرب بل والكثير من أدباء العرب باعوها على موائد الغرب فنجده يعبر بنا في الرحل فوق مدنها التي المقاومة الصامدة جنين والفارعة هذا المخيم الذي تحمل رمز المقاومة والتصدي ويتوغل في التاريخ ليحمل رمز إسلامي آخر ..اسم تلك المرأة العربية “الفارعة” أم حجاج بن يوسف الثقفي التي شربت من عين الفارعة فسميت باسمها ليؤكد على عروبة المكان ثم يضع اسلوا بين هذه المدن الفلسطينية كأنه يوحي بان الاتفاقية التي تمثلها مدينة أسلو ستُفتت المتفتت في فلسطين كما نرى .وربما يريد أن يذكرنا بسبب عقد الاتفاقية بمدريد رغم أن المفاوضات كلها جرت بعاصمتي روسيا وأمريكا .. لا شك ان تاريخ الاتفاقية الذي تزامن مع احتفال الأسبان بسقوط الأندلس له ما يفسره .
ينتهي ختاوي بأحجية أخرى في هذا المقطع “لا نفرق بين التي والذي في النحو والصرف ..في البنوك ، غير أننا نملك أدواتها في قواميسنا” لاشك أن ختاوي عرج بنا هنا إلى عالم الاقتصاد فالعالم العربي رغم امتلاكه الأموال إلا انه لا يملك مؤهلات الاقتصادية التي تجعله قادرا على التصرف في أمواله الطائلة المدخرة في البنوك والتي عبر عنها بامتلاك الأدوات .

يفاجئنا ختاوي ككل مرة بالتأكيد على الأرقام فرد الرقم عشرة إلا واحذ مرات عديدة فرقم العشرة وما يمثله من رموز دينية المتمثلة في الوصايا العشر في القران الكريم وفي النواميس الأخرى والعشرة المبشرين بالجنة و الخ …فان إقحامه هنا لابد وانه له رمز النظام العشري ” المعروف الآن يعود في رأي الكثير من العلماء الثقات إلى الخوارزمي الذي أبدع في توظيف واستخدام هذه المصطلحات وبخاصة المصطلح /10/ في تدوير الأرقام وإيجاد سلسلة العد ضمن مفهوم النظام العشري”
ولقد وظف ختاوي كل الرموز ولم يستثني من ذلك الرمز الخرافي المتمثل في زرقاء اليمامة والهة اليونان والفراعنة وهكذا يغرينا من خلال الإيحاء والقفز بين الأزمنة والأمكنة إلى الوقوف ولو لحظة في كف قصته .

الخلاصة
الجولة التي قادتنا إلى العالم الرمزي للكاتب ختاوي احمد الممهور بخاتم الغموض ومداد التراكيب اللغوية القاموسية مشكلا لوحة إيحائية دلالاتها غير واضحة المعالم ولكنها حلقت بنا في كهوف النفوس البشرية وفي أدغال ما وراء عالم الحس الخفي فسمعنا بعيوننا ورأينا بآذاننا من خلال الحرف واللفظ بل عايشتا الحالات النفسية التي تولد عنها الإبداع في ثورتها وفي غصبها وفي الإحساس بالغبن فكل الصور الرمزية كانت توحي بالظروف التي تحيط بها ..كانت النصوص مفتوحة بعيدة عن الاستغلاق وقد وظف ختاوي كل الرموز واعتمد أساسا في الرموز العقائدية فوجدنا الكثير من الألفاظ القرآنية والأحاديث النبوية وبعض قصص القران الكريم كما وظف أيضا بشكل لافت الأساطير مثلما يلجأ إليها كل الرمزيون ” يلجأ الرّمزيون في علاج هذه الموضوعات إلى الأساطير القديمة، بل إنهم ينحون نحوها في ابتكارهم للحوادث والأعمال، عند عرض أو مناقشة قضية إنسانية عامة، كما يلاحظ ذلك في القصص والمسرحيات التي ابتكرها الرمزيون من أخيلتهم؛ كمسرحية “الأشباح” لـ”إبسون” ومسرحية “صفقة الشيطان” لـ”جيروم”.
ولقد لخص ختاوي رمز المرأة ليس كأنثى للمتعة فقط ولكن كانسان وكنقطة تحول في تاريخ الرجال وفي هذه القصة وفي كل القصص الأخرى نصادفها زهرة و فراشة تتشرنق وتتحول إلى شجرة الدر تارة والى عبلة تارة أخرى والى يمينه وبلقيس و زوليخة فيروز و نجاة الصغيرة وأسماء كثيرة ظهرت في الكتاب في صورة الملكة والضحية ،العشيقة والفنانة ،الشاعرة والقاصة.
وقد طبع ختاوي الأرقام التي نستعملها في حساباتنا اليوم عند الشراء والبيع بطابع من الرمزية التي تنسينا في خضم تفكيك رموزها بأنها تنتمي للحساب ، فتارة سبغها بالرمز الديني حين قال “كنا اثنين والشيطان ثالثنا ” ثم يقلد البطل برقم له مدلول يمكن ربطه بالكثير من الأحداث التاريخية عندما يضع الرقم 7622 كبطل لقصة الشمس تتوسط صدر الأشياء ، ثم في قصة الدقائق التي لاذت بالفرار من يصنع أرقام الدقائق رمزا للوقت وأخيرا يعنون قصته عشرة رجال في كف امرأة برمزية الرقم 10 فنلاحظ انه ردد هذا الرقم مرات عديدة وفي كل مرة يصنع منه رمزا مغاير للأخر
لاشك في أن ختاوي اعتمد العنصر الموسيقي والسجع في الصياغة في الكثير من مقاطع قصصه التسع كأداة من أدوات الرمزية وقد شعرت كقارئ أن تلك العبارات السجعية وتكرار بعض الألفاظ كانت ذات تأثير موسيقي رهيب يشد المسامع لتتفاعل مع النص موسيقيا وهذه الوسيلة يعتمدها الرمزيون “وهُناك أيضًا تركيز الرمزيين على العنصر الموسيقي في شعرهم، إذ عدوه جزءًا من تكوين النص الرمزي، واعتمدوا إلى حد بعيد على تراسل الحواس في التعبير الأدبي، وآمنوا إيمانًا راسخًا مبدأ الفن للفن، داعين إلى أن يكون الأدب غاية في ذاته، لا يوظف من أجل تحسين الواقع. “
فتلك العبارات التي كان أواخرها متشابهة الحروف لم يكن الغرض منه عند ختاوي تحسين اللفظ وإنما أداة من أدوات الرمزية وقد سبغت على النص غموضا سمعيا يتكامل فيما بينه ويشد الكلمة إلى أختها سجعا ومعنى وهذا لا ينتقص من النص “لان التاريخ العربي حافل بالبلاغية، المسجوعة، في جميع مراحل التأريخ الإنساني بدءاً من العصر الجاهلي، ومروراً بالعصر الإسلامي، وإلى عصرنا هذا”
لا يمكن لأي قارئ أو ناقد أن يخوض في كتابات ختاوي دون الاستعانة بمراجع ذات صلة ودون الإغارة على النص مرات متتالية للوصول إلى المعنى كما لاحظنا في قصة أنثى السماء وهذا ليس عيبا لان الوضوح سيصنع قارئا كسولا لا يوظف ذهنه وبالتالي لا يجد اللذة والمتعة التي يتوخاها المطلع من القراءة ولا يمكن له الوصول إلى الظروف الإبداعية للنص فأعمال ختاوي تجهد عمل العقول وترغمها على الخوص في كل دقائق النص الحكائي والتواصل ذهنيا مع الكاتب نفسه من خلال آثاره في رموز الناص كما رأينا في قصة تحت المظلة .
ويمكن القول أن الإبداع في القصص الرمزية يتطلب كبير جهد من صاحبه مع وجود ملكة وموهبة ومهارة لتوظيف المكتسب والموروث والمزج بينهما بعيدا عن الخلط والعشوائية التي تظهر في كتابات الكثير من الشعراء الذين يركبون الوزن والقافية على حساب المعنى فنجد القارئ نفسه أمام كتابات طلسمية وأحاجي لا يترجمها ربما إلا صاحبها .
وختما نجد أن هذه النصوص ورغم احتوائها على الرموز العالمية المتصلة بتاريخ سائر الأمم وطقوسها وتراثها الخرافي خاصة إلا أن ختاوي بشجاعة الكاتب الذي يملك أدوات التمكن والتحكم استطاع ان يصبغها بطابع جزائري متميز من حيث التراكيب والرموز ذات الدلالات الخاصة كاستعماله الأمثال والعبارات الشعبية مع الاحتفاظ بسمة العالمية في كل خطواته الحكائية الرمزية .

الجزائر ديسمبر 2014

المراجع:
الرمزية وأثرها في الأدب العرب يبحث في الأدب المقارن إعداد / عادل محمد فتحي
1. الحداثة: ص230، (البيان الرمزي) لجان مورا، مقال منشور في مجلة (لوفيجارو) الأدبية- 18 أيلول 1886.
2. الحداثة في الفكر والأدب(*)بقلم: إبراهيم محمود جواد
3. . المعجم الأدبي , مادة الرمز، بيروت, جبور عبد النور : 1979,.ص 124.
4. . إسماعيل محمد أديب: الوحدة, الشعر العربي وقضية الرمز,http://wehd.alwheda.gov.sy
5. حمودي، تسعديت آيت، أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم. بيروت: دار الحداثة، 1986.
Jacob landau, études sur le théâtre et le cinéma arabes. G.P. –
6. Maisonneuve et – la rose, PARIS 1965, P 122 .123
7. )– عبد الحميد يونس. الأسطورة والفن الشعبي. ص 73 )
8. – عبد القادر علولة. حوت يأكل حوت. نسخة مرقومة. ص: .04
9. – زهرة خالص، التناص التراثي في حدث أبو هريرة قال …” لمحمود المسعدي، مذكرة ماجستير، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر، الجزائر، 2005-2006 ، ص:82.
10. قراءة في القصة الجزائرية المعاصرة أحمد ختاوي أنموذج محيي الدين إبراهيم
11. قراءة في القصة الجزائرية المعاصرة أحمد ختاوي أنموذج محيي الدين إبراهيم
12. المصطلحات الأدبية والنقدية الأستاذ غسان يوسف
13. موسوعة الرد على الصوفية اسم المؤلف : جمع وإعداد / أبو عبد المحسن ص 95
14. النظام العشري في التراث العلمي العربي والإسلامي ــ فاروق حسن نور الدين
15. الرمزية وأثرها في الأدب العربي بحث في الأدب المقارن إعداد / عادل محمد فتحي
16. الرمزية وأثرها في الأدب العربي بحث في الأدب المقارن إعداد / عادل محمد فتحي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق