الموقع

بين المستوى الفكري ودرجة الوعي

هناك أسباب كثيرة، وكثيرة جداً جعلتنا نصاب بالركود والجمود كأمة، وهو ما يفسر واقعنا المزري الذي نعيشه الآن. وفي حقيقة الأمر نحن من فرضنا على أنفسنا هذا الوضع، وكأنه قدر محتوم علينا، مختزلين بذلك كل العقائد والشرائع التي تنص على أن هذا الأمر حصل بما كسبت أيدينا، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فمن الحمق والجنون أن نعتقد أن هذه المشكلة هي خارج عن سيطرتنا، وأن ما يحدث لنا من تأخر وتخلف هو مفروض علينا، لأن هذا الاعتقاد يعتبر العذر الذي هو في الحقيقة أقبح من الذنب.

وأكثر من ذلك يجب أن تكون لنا الشجاعة والمسؤولية الكافية للاعتراف بأن هناك خلل جسيم ينخر المجتمع، وذلك لتفكيك الشفرة التي على غرارها نتمكن من الخروج ولو الشيء القليل من دوامة التخلف. ومما لا شك فيه أن حل هذه الشفرة تكمن في أمرين أساسين، وهما: المستوى الفكري، ودرجة الوعي.

نعم، المستوى الفكري الذي يمثل العلم والمعرفة، والمطالعة المستمرة، فالمواطن يعاني من ركود فكري رهيب يشده إلى الوراء، وهذا من أكبر الآفات. ومن جهة أخرى هناك جمود واضح في مستوى ثقافة الوعي، فنحن مع الأسف لا نملك أبسط مقومات الوعي بالرغم أننا الأحق بهذا الوعي أكثر من أية أمة أخرى، لأننا نملك القيم والفضائل وما يدور في فلكهما، بعكس الدول المتقدمة التي وصلت إلى درجة عالية من الفكر والوعي على غرار أنها لا تملك المخزون الروحي كما نملكه نحن. 

إنه لمن العيب اختلاق الأعذار، وتوجيه الاتهامات إلى الظروف والمجتمع وكل ما هو خارج ذواتنا، ومن الغير المجدي نشر غسيلنا على حبل المبررات متهمين بذلك كل ما هو خارج أنفسنا، معتقدين بذلك أن مسؤوليتنا قد انتهت عند هذا المبرر الذي يمثل ضعفنا ونقصنا. 

ومن هذا الأساس فإنه أصبح من الضروري الآن وأكثر من أي وقت مضى، معاودة التفكير الصحيح الذي يرجعنا إلى مكانتنا الأصلية الواضحة، والتي من خلالها يتجسد الوعي المطلوب في خلق ظروف أحسن. الجمود الفكري الذي نحن نعاني منه ليس أكثر من قلاع وهمية بنيناها بأنفسنا من خلال أعذارنا المختلقة التي رسخنها أكثر فأكثر كلما أعدنا تأكيد هذه الأعذار.

من غير المعقول أن نمسح كل النقائص على شماعة الظروف والأعذار، ومن العار علينا أن نختزل مستوى الوعي الذي أصبح متردياً إلى درجة فرض حالة الطوارئ. إذن، علينا تجنيد كل العقول والأفكار المنيرة من أجل الوصول إلى حل عاجل قبل أن تتأزم الأمور أكثر، وأن نجتاز الوضع الكارثي الأكثر سواء، لأنه حقاً اجتزنا سقف الكارثة.

صحيح أننا دائماً ما نكتب بأنامل التفاؤل، ونفكر بعقول إيجابية، ونحاول أن نجد حلولا فعالة نخرج منها من هذه الظروف المزرية، لكننا يجب أن نشخص الواقع ونذكره بكل شفافيته وبكل سلبياته، لأن أصوات التذمر أصبحت تتعالى شيئاً فشيئاً، وبالتالي تصاعدت درجة الأعذار التي أصبحت أقبح من الذنوب.

 

 

 

 

 

*بقلم: أبو محمّد عبد الرّحمن

 

كاتب جزائري خبير في تنمية الأفراد والمجتمعات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق